وقفات أم زعزع التأملية مديرة مدرسة أهلية

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
17 - ذو الحجة - 1435 هـ| 12 - اكتوبر - 2014


1

يُقال إن أم زعزع قبل أن تعين مديرة للمدرسة، كانت أكثر لطفاً وأشد دماثة في التعامل مع زميلاتها والطالبات، لكن الأمر تغيير مع الترقية التي حصلت عليها، إذ كما ارتفعت في السلم الوظيفي لمنصب المديرة، ارتقت في سلم العصبية، اعتقاداً منها أنه أحد مستلزمات المنصب الجديد.

تقف أمام خزانتها وقتاً طويلاً؛ لتختار ما يجعلها تبدو مديرة. وكلما جربت وارتدت بزة جديدة، وقفت أمام مرآتها لتسألها: يا مرآتي العجيبة قولي لي: هل أبدو مديرة؟

فترد عليها مرآتها تبدين أم زعزع.  

فتسارع إلى خزانتها لاختيار ملابس أخرى، ثم تعود مرة أخرى إلى مرآتها لتطرح عليها السؤال ذاته، وفي كل مرة تسأل أم زعزع فيها المرآة هذا السؤال، وتحصل على الإجابة نفسها، تغضب من خزانتها أكثر، حتى بدأت  تفكر كيف لها أن تتخلص من الخزانة بما فيها، وخطرت في بالها فكرة، وهي أن تأخذ الخزانة إلى الغابة وتحرقها هناك، لتشتري بعدها ملابس جديدة علها تحصل على إجابة أخرى من مرآتها.

ومع هذا الروتين اليومي لأم زعزع تُمضي الساعات الأولى من الصباح، ثم تقرر الخروج إلى المدرسة أياً كانت النتيجة، معولة على أن نظرة حادة من تحت نظارتها المدببة، سترعد فرائص المدرسات والطالبات وستجعلها تبدو مديرة.

 

الوقفة التأملية الثانية لأم زعزع مع بداية كل عام دراسي لمراجعة الميزانية العامة للمدرسة، وتحديد المسالخ الجديدة التي سيعلق عليها أولياء الأمور. فهي تجدد الأقساط المدرسية أكثر ما تجدد الخدمات المدرسية.

يسيل لعابها مراراً وهي تقرأ أقساط المدارس العالمية، لتخاطب نفسها مستاءلة بماذا نحن أقل منهم؟

وقبل أن تتخذ قراراً لزيادة أقساط الطلاب تخرج إلى مدرستها لتلقي نظرة عابرة عليها، نعم سأجلب الرمل النظيف وأضعه في ركن الباحة، وأسمي هذا الركن "التعليم بالمرح" فهو مسوغ جيد لزيادة الأقساط، وأجلب معه بالونات كبيرة الحجم، كثيرة العدد لأحقق فيها هدفي الأول، وهو نفخ قلوب المعلمات فلا يقوين على مناقشتي، والهدف الثاني مسوغ آخر لزيادة الأقساط.

 

تدخل مكتبها لتضع سعرا جديداً مع خطة مؤجلة لرفع الأسعار في الفصل الدراسي الثاني، فقد يكون ارتفاع الأقساط في بداية العام الدراسي أقل وطأة على الآباء منه في منتصف العام، حيث يمكن للآباء اختيار مدرسة أخرى، أما أن يأتي الأمر في منتصف العام فهو طعنة غدر، لم يأمنها الآباء الذين يجدون أنفسهم في مواجهة حكم تعسفي، فلا هم بقادرين على نقل أولادهم لمدرسة أخرى في منتصف العام لما له من تأثير نفسي ودراسي عليهم، ولا هم قادرون على التخلف عن تسديد الأقساط وسط الضغوطات التي تمارسها المدرسة. إذ وضعت أم زعزع في إحدى وقفاتها التأملية خطة لمتابعة تحصيل الأقساط تبدأ برسائل خطية يُكتب فيها عزيزي ولي الأمر، وهو ليس عليها بعزيز، ثم تنتقل كلمة عزيزي إلى رسائل هاتفية بالجوال، ثم يصبح عزيزها في الرسائل الإلكترونية، ثم يتطور الأمر لعزيزي برسائل التخاطر، فإن لم يأت عزيزها الأب صاغراً، تمنع ابنة العزيز من استلام شهادتها في نهاية العام.

 

لأم زعزع وقفة تأملية أخرى، وهي تستمع إلى تقرير إحدى الطالبات اللواتي زرعتهن في الفصول لتعرف ماذا يحدث في المدرسة. غالباً ما تنتهي هذه الوقفة بقرار فصل إحدى المعلمات دون أن تتم حتى فصلها الدراسي الأول. فيما تشير أم زعزع لمساعدتها بالبحث عن بديلة، والكفاءة العلمية والتربوية هنا ليست المعيار الأول في البحث، وإنما من تقبل بالراتب الأقل والعمل الأكثر.

أما وقفة التأمل الراضية لأم زعزع وهي ترى ابنتها تحظى بدلال وخصوصية، فرضها ترأس أمها منصب مديرة المدرسة، فهي العريّفة على فصلها، وهي الذكية والمؤدبة، وهي التي تخص بالهدايا والعطايا، فإن عطست ففي عطستها فن لا تحسنه إلا بنت المديرة، وإن شاغبت فتلك دلائل تفرد وعبقرية لا تتأتى إلا من ابنة مديرة، وإن ابتسمت فتلك هي الموناليزا. وإن أشارت ببنانها فذلك حري لترفيعها صفا دراسياً جديداً.

 

الوقفة التأملية الخامسة: تتعلق بالحفل الختامي الذي تقدمه المدرسة. فلا نبالغ إذ قلنا إن الاهتمام بهذا الحفل يفوق الاهتمام بإتمام المنهج؛ إذ يتم إخراج الدجاجات المشاركات فيه من فصولهن الدراسية خلال إعطاء المواد الرئيسية كالرياضيات واللغة العربية وغيرها من الحصص الهامة، ليقمن ببروفات تمتد لساعات طويلة، وإن تطلب الأمر تقديم عرض جماعي، فيمكن التغافل عن إتمام المنهج لصالح إتمام التدريبات.

فالحفل ما هو إلا وسيلة دعائية لإظهار المدرسة بصورة مشرفة والترويج لها، أما المبالغ المرصودة لهذا الحفل فهي بالطبع من جيوب أولياء الأمور الأعزاء، ولا نعني بذلك أنها ضمن الأقساط المدرسية، أو ضمن زيادات الأقساط التي طلبتها المدرسة، وإنما هي مبالغ إضافية تحت مسميات أخرى مثل: روب التخرج، لبس الفقرات، ثمن شريط الفيديو، هكذا حتى يتم تسديد إيجار القاعة والضيافة من جيوب أولياء الأمور. وفي حال الرفض، فإن الطالبة المحرومة من حضور الحفل الذي صور في مخيلة الطالبات على أنه أسطوري فستحرم من السير على السجادة الحمراء للوصول إلى منصة المسرح، وبالتالي فإن عزيزي الأب سيدفع تكاليف الحفل وهو يضحك ويلعب.

الوقفة التأملية الأخرى لأم زعزع: تتمحور في التفكير بطريقة تقليص المصروفات، وذلك بالتخلص من عدد من المعلمات خاصة أولئك اللواتي خرجن عن نظام أم زعزع التقليدي، حتى وصل الأمر بأم زعزع لإيكال المعلمات المتبقيات بتدريس ثلاث مراحل تعليمية جملة واحدة، إلى جانب إلزامهن بواجبات ومهام أخرى، وتعين المستخدمات مشرفات على روضات الأطفال، وفي أوقات الفسحة يبعن في المقصف، ويمكن أن يعملن عوضاً عن المكبر الصوتي في حال التقنين الكهربائي. فيما تبقى المناصب الشرفية لأختها وأخت أختها وأخت أخيها، وفصيلتها التي تؤويها.

أما وقفة التأمل الاضطرارية لأم زعزع، فهي وقفة تفكير لتحسين صورتها الذهنية، حدث ذلك في مواقف عدة آخرها مشاركتها المعلمات والطالبات لدورة تناولت تدريبهن على خطة إخلاء ، حال حدوث حرائق أو تماس كهربائي، وتذكر أم زعزع وكل من حضر الدورة كيف خطبت أم زعزع بكل حماسة عن أهمية التحلي بالشجاعة، والتزام النظام، وتطبيق خطة الإخلاء في حال حدوث مثل هذا الأمر الذي حدث بالفعل، وكانت أم زعزع أول من شمّع الخيط، وهرب بعد أن قامت بدعس وفعس كل من صادفته في طريقها لتصل للباب الخارجي. ومن خلفه طلبت من الجميع عبر مكبر الصوت الموجود في غرفة الحارس التحلي بالشجاعة والصبر والانضباط!

 

الوقفة التأملية الأخيرة: تلك التي تشحن فيها أم زعزع قوتها؛ لتطلب من مساعدتها الاتصال بأولياء الأمور الذين شقوا عصى الطاعة، وأعلنوا الاستقلال عن حكمها، وبدؤوا بإجراءات نقل أولادهم لمدرسة أخرى، لتقنعهم بالاستمرار معها، وأن أولادهم لن يتلقوا نور العلم إلا من حصونها. وتقوم المساعدة بتنفيذ المهمة دون حتى أن تحلم من أم زعزع بتعويض عطل وضرر على ما ستناله من تقريع الأهالي، إذ غالباً ما تنتهي المكالمات بإطباق السماعة بوجه المساعدة، بعد وابل من المثالب لو جمعت لخرجت بأجمل قصيدة هجائية عن أم زعزع مديرة المدرسة الأهلية. 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سلام نجم الدين الشرابي

كاتبة ساخرة وصحفية متخصصة في الإعلام الساخر

حاصلة على شهادة الدكتوراه في الصحافة الساخرة بدرجة ممتاز مع توصية بطباعة البحث.

حاصلة على شهادة الماجستير في الصحافة الساخرة من جامعة أم درمان بدرجة امتياز مع توصية بالترفيع لدرجة الدكتوراه


حاصلة على شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق.





العضوية:
• عضو نقابة الصحفيين السوريين عام 1998م.
• عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
• عضو في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
العمل:
• مديرة تحرير موقع المرأة العربية لها أون لاين "سابقاً".
• مديرة تحرير موقع صحة أون لاين "سابقا"
• مديرة تحرير مجلة "نادي لها "للفتيات "سابقا"
• مديرة القسم النسائي في مؤسسة شبكة الإعلام للخدمات الصحفية "حالياً"
• كاتبة مقالات ساخرة في عدة مواقع
• كان لها زاوية اسبوعية ساخرة في جريدة الاعتدال الأمريكية
• مشرفة صفحة ساخرة بعنوان " على المصطبة"

المشاركات:
• المشاركة في تقديم برنامج للأطفال في إذاعة دمشق (1996)
• استضفت في برنامج منتدى المرأة في قناة المجد الفضائية وكان موضوع الحلقة " ماذا قدمت الصحافة الالكترونية للمرأة" (3/8/2006).
• استضفت في حوار حي ومباشر في موقع لها أون لاين وكان موضوع المطروح " ساخرون نبكي فتضحكون" ( 16/12/2008م)
• استضفت في قناة ألماسة النسائية في حوار عن الكتابة الساخرة عام 2011
• استضفت في قناة الرسالة الاذاعية في حوار عن تجربتي في الكتابة الساخرة وبحث الماجستير الذي قدمته عنها.
• المشاركة في اللجنة الإعلامية الثقافية لمهرجان الجنادرية عام 2002 م
• المشاركة في الكتابة لعدد من الصحف العربية السورية و الإماراتية والسعودية.
• المشاركة في ورش العمل التطويرية لبعض المواقع الإعلامية .
• تقييم العديد من المقالات الساخرة لبعض الصحفيين والصحفيات

الإصدارات:
• صدر لي كتاب تحت عنوان "امرأة عنيفة .. احذر الاقتراب ومقالات ساخرة أخرى" عن دار العبيكان للنشر
• لها كتاب تحت الطبع بعنوان "الصحافة الساخرة من التاريخ إلى الحاضر


الإنتاج العلمي:
- الدور التثقيفي للتلفزيون.
ورش عمل ومحاضرات:
إلقاء عدد من المحاضرات والدورات التدريبية وورش العمل في مجال الإعلام والصحافة منها:
• دورة عن الخبر الصحفي ومصادره، الجهة المنظمة "رابطة الإعلاميات السعوديات"
• دورة عن الإعلام الالكتروني ، الجهة المنظمة "مركز آسية للتطوير والتدريب"
• دورة عن التقارير الصحفية والاستطلاعات ، الجهة المنظمة " مركز آسية للتطوير والتدريب".
• دورة عن المهارات الإعلامية للعلاقات العامة، الجهة المنظمة "مركز لها أون لاين للتطوير والتدريب.



تعليقات
-- رؤى - السعودية

23 - ذو الحجة - 1435 هـ| 18 - اكتوبر - 2014




كم الرسوم للقسم المتوسط؟

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...