لماذا نحن أمهات؟!..

كتاب لها
30 - محرم - 1436 هـ| 23 - نوفمبر - 2014


1

كنت و كعادتي، و أنا أتنقل في أرجاء منزلنا الجديد، أقوم بوضع بعض النقاط التي تدلني على شخصيات أفراد العائلة التي سكنت المنزل قبلنا، كنوع من الحس و الفضول الذي يفرضه عقل الكاتب عليه، فيقوده دون وعي لهذا الاكتشاف و الاستكشاف.

ما وجدته أفرحني بداية، فالأم كانت أنثى غاية في النظافة, فقد كانت النوافذ الزجاجية الملمعة و الحمامات النظيفة، و خزائن المطبخ الرائعة، تشهد لها بالكمال في هذه الناحية, و تحكي أنها ربة منزل من الطراز الأول.

بالمقابل شعرت بالصدمة، وأنا أرى كل تلك الأشياء التي قام الأولاد برميها داخل المدفأة التي تعمل على الغاز، بينما كنا نقوم بفكها لتنظيفها و صيانتها.

كانت المدفأة ممتلئة بالكثير من أوراق السكاكر و الشوكولاته، و أنواع مختلفة من بذور الفواكه و أوراق الشدة، و تلك البطاقات التي يجمعها الأولاد من العلكة, و كان هذا دليل كاف لأفهم أن الأم وحدها كانت تتحمل عبئ التنظيف، و أن الأولاد كانوا كسالى، و قد تُركت لهم مساحة من فراغ تكشف لي من خلالها أن هناك إهمالا واضحا منها لهم؛ نظرا لكونها لم تتنبه لما فعلوا, و لو تنبهت فهي لم تهتم و لم توقف الفعل و لم تصلحه.

ما هي حقيقة مهمتنا كأمهات

الذي أعرفه و أفهمه أن الأسرة و الأطفال تحديدا هم ذلك القيد الجميل الذي تقيد به الأم حياتها و للأبد.

     وهذا يعني أن تقيد حياتها و ترهنها لأسرتها لا لغيرها, و أن لا تحاول و لا تفكر في التخلص من هذا القيد مهما حصل. و أن تلتزم أبداً بأولادها حتى لو استحالت الحياة الزوجية،  و حصل انفصال أو طلاق و لو تزوجت هي مرة أخرى، فهذا لا يمنع من التزامها بهم، و لو عن طريق الهاتف اليومي، و الاطمئنان عن كل أمورهم و أحوالهم، و توفير أقصى حد من الراحة النفسية لهم؛ حتى لو اضطرها هذا إلى إعلان هدنة مع طليقها مثلا كرامة لهم.

هذا عن حالات الانفصال و ضرورة أن لا تغيب يد الأم، و لو ليوم واحد عن أسرتها. و المشكلة الكبيرة عندما تكون الأم موجودة و غير موجودة. تعيش بينهم و لا وجود ليدها لترعاهم, و لا تعرف أين يجب أن تلقي مرساة اهتمامها؛ فتروح تسعى و تتعب فيما لا ينفع، و تترك الواجب الحقيقي دون أن تعرف أنها ستندم على تفريطها في يوم قريب، أو في يوم تقف فيه لتسأل عنهم أمام رب عظيم.

دينهم أمانتك أولا

أحيانا و كمدرسة، أقف مذهولة أمام طالب قد وصل إلى مراحل متقدمة من الدراسة، و قارب العاشرة، و لم يفكر يوما في أداء الصلاة, و لا يعرف عن دينه إلا معلومات سطحية تافهة.

و تزداد صدمتي به عندما أجد العناية بمظهره، و دراسته قد جاوزت حدود المعقول. و أتعجب أيضا و بزيادة عندما أرى والدته و قد أتت لتفقد أحوله في المدرسة، و هي المنقبة أو ذات الحجاب الشرعي الكامل فأحدث نفسي:

  • أتراها راضية عن نفسها و قد أهملت صلاته و دينه و بنت دنياه.

أين أنت من أخلاقهم

دائما ما أصف مجتمعات المدرسة بالمجتمعات البدائية، مجتمعات الغابة. التي يغلب فيها القوي الضعيف، و تنعدم فيها الإنسانية.

و أتعجب كثيرا من انعدام الإنسانية في أغلب الأولاد، فلا شفقة و لا رحمة، و لا مواقف من رجولة، فحين تبدأ حرب من أحد المتنمرين على ضعيف، أجد أن الأغلب انضم لفريق الأقوياء، والبقية الباقية هم من الحياديين.

و بالتأكيد فهذا من أثر التربية، فأين هي الأم التي تعرف من طفلها ما يدور في المدرسة, و من ثم توجهه للدفاع عن المساكين, و مد يد العون لهم، وعدم القبول بالانضمام لجماعة الظلمة و الرضوخ لهم.

أذكر يوما أن طفلي الصغير عندما كان في الصف الثالث الابتدائي، و كنت قد سجلته في مدرسة خاصة كانت تدمج الأطفال الأيتام بغيرهم من الطلبة العاديين، و نظرا لارتفاع أقساط المدرسة و العناية الشديدة بالناحية التعليمية، فقد جمعت تلك المدرسة النقيضين معا، في أكبر مأساة قد يشهدها يتيم عندما يجلس في صفه مع الأغنياء من أهل المدينة و أهلهم المتكبرين.

لا تسألوني وقتها عن معاناة الأيتام، و لا عن تلك المعاملة المزرية التي كانوا يتلقونها من الطلبة الأغنياء، أو من تلك المديرة القبيحة القاسية. ولكن ما أعلمه أن طفلي كان يحب هؤلاء الضعفاء الكسالى، كما كان يشاع عنهم, والذين لوحت وجوههم الشمس, و كنت أبتسم وأنا أراه يحمل لهم في حقيبته كل يوم مجموعة من المجلات التي كنا نجمع أعدادها ليسليهم و يفرحهم.

اضطررت أخيرا لتبديل مدرسته؛ حرصا على صحته النفسية, و لأنه بدأ يشعر بكراهية عجيبة للطلبة و للمديرة، و هو يرى و يصف لي معاناة الأيتام بينهم, و لأنه بدأ يشعر أيضا بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا لإيقاف هذا الظلم.

و أتساءل:

  • ترى أي أم من أمهات أولئك الأطفال تمتلك علاقة مع طفلها القاسي، تمكنها من الدخول إلى عالمه و تعليمه أصول التعامل برحمة مع الضعيف, و الوقوف بجانبه, و تعليمه أصول الشهامة و الشجاعة, و تخويفه من غضب الله و عقابه.

و لا جواب بالطبع، فأمهات هؤلاء غالبا ما يكن مشغولات بترتيب و أناقة منازلهن و أنفسهن و إغاظة الجارات و الصديقات و القريبات, وما  تتبعهن لعلامات الأولاد في المدرسة إلا لهذه الغاية ليس إلا, و لكي تعلن للملأ أنها أم مثالية، و لكن هيهات فليست الأم المثالية هكذا أبدا.

أين أنتن من الأمانة؟

 في المدرسة أيضا وجدتني يوما أحل مشكلة بين صديقين يختصمان أمامي، لأجل ممحاة يدعي كل منهما أنها له! و كان العجيب أن أحدهما يقول لي و بكل براءة: هي لي.. أنا وجدتها على الأرض!.

هنا كان لا بد من حديث موجه للجميع عن أصول الملكية, و أن ما تجده على الأرض ليس ملكك، بل هو ملك لصاحبه، و أن من واجبك البحث عنه، و إلا سيحاسبك هذا الشخص يوم القيامة، و سيأخذ من حسناتك حتى يرضى، أو يلقي عليك من سيئاته فتشقى.

لم أتردد بعدها من الحديث مع الطلبة عن الأمر في كل فصل أدخله, و فوجئت بالمديرة بعد أيام تقول للمدرسات: "ألا تلاحظن أن الأولاد يأتون إلى الإدارة بأشياء ضائعة كثيرة؟!".

ابتسمت حينها؛ فقد عرفت  أثر حديثي معهم على لسان المديرة، و هي لا تعلم عن الأمر شيئا, و لم أخبرها بالطبع.

فأين هي الأم التي تعلم أولادها معنى الأمانة - إلا ما ندر طبعا- و الرزق الحلال، و الملكية العامة و الخاصة.

و أين هي تلك التي تقول لهم: إن ما تخربونه من أموال الدولة سيحاسبكم عليها شعب بأكمله.

الهدف:

و أتساءل كذلك:

  • أين هي الأم التي تزرع فيهم الهدف الحقيقي من الحياة. و تعلمهم أننا نحيا لله و نموت لله. و أن كل ما نفعله و نقوم به، يجب أن يصب في هذه الخانة؛ فندرس ونتعلم لإرضاء الله تعالى. و نفعل الخير ليرضى الله تعالى. و نروح عن أنفسنا بما يرضي الله. و أن جزاء الطاعات و القربات آت لا محالة, و هو السعادة في الدنيا و الآخرة بعون الله.

فلنحرص

على أن نهتم  بدينهم و عباداتهم و طاعاتهم، قبل أن نهتم  بعلمهم و مظهرهم  و طعامهم. و لا نهمل هذه الأمور بالتأكيد.

أن نعلمهم الأخلاق أولا، كالأمانة، والصدق، وإغاثة الملهوف، و الدفاع عن الضعيف، و عدم الرضوخ للظلمة, و كلها أمور من أساسيات ديننا و أصوله.

أن تهتمي بنفسياتهم، و قدراتهم، و أوقاتهم، و أن تجنبيهم الضغوط و الآلام ما أمكن.

و أخيرا: أن تحبي هذا القيد الجميل, و أن تستمتعي به رفيقا صالحا جميلا لك في الدنيا و الأخرة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أمنية السيد - مصر

02 - صفر - 1436 هـ| 25 - نوفمبر - 2014




مقالة مهمة للأستاذة الفاضلة عبير النحاس،فهى تحمل جوانب تربوية واجتماعيةعميقة،إضافة لروح المسئولية والرحمة العالية،شكر الله لك وكتب أجرك،،

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...