"معضلة" البطالة.. هل لها من حل؟!

كتاب لها
26 - صفر - 1436 هـ| 18 - ديسمبر - 2014


تعالت الصيحات في الوقت الحاضر منددة بالبطالة. معتبرة إياها معضلة من أعقد المعضلات التي تواجهها المجتمعات حالياً، واصفة الدول بالعاجزة أمامها رغم ما أوتيت من قوة وإمكانات ووسائل لم تتح في عصور سابقة.

لو رجعنا إلى الوراء سنوات بحثا عن أسباب هذه المشكلة لوجدنا أنها تتلخص في:

  1.     زيادة عدد السكان في كل دولة.

2.       عدم استيعاب سوق العمل مخرجات التعليم الهائلة كل عام.

3.       عدم تطابق المخرجات مع شروط أصحاب العمل وحاجاتهم.

4.       تعدد مطالب الشباب الباحثين عن العمل وتشعبها.

5.       عجز الحكومات وصناع القرار عن إيجاد حلول حاسمة لهذه المعضلة.

6.       عدم إدراك الشباب أن أجهزة الدولة ليست المكان الوحيد للعمل، وليس مفترضا فيها استيعاب جميع الخريجين.

7.       ضيق أفق الشباب، وعدم امتلاكهم البدائل المناسبة لصنع فرص عمل.

وإذا أردنا أن نحل هذه المشكلة فلنبدأ بالتعليم فهو كلمة السر فيها، ولنعلم أن هناك خللا فيه، وفي مناهجه، خاصة التي تعتمد في أغلبها على الحفظ والتلقين، وإذا وجدت بعض المناهج التي تساعد على الاستنتاج والابتكار، فهي قليلة ولا تطبق جيدا من حيث التدريس أو التقييم، وهذا إنما ينم عن فساد في التخطيط لمستقبل واعد يمتد إلى عشرات السنين، وليس لخطط قصيرة الأجل لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن ديننا الإسلامي حث على العلم وأثنى على أهله؛ وأول ما نزل من القرآن على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) «العلق 1-5» وقال – جل وعلا: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) «المجادلة من الآية 11»، وورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»رواه مسلم.

يتبين مما سبق أهمية العلم كونه فريضة؛ فعلى الإنسان أن يحرص على العلم حتى يعبد الله على بصيرة، ويسعد في الدنيا والآخرة.

ويحرص ديننا على أن ينشأ كل فرد من أفراده متسلحا بالعلم، ويضع لبنة في بناء مجد أمته، يلقى الله وهو راضٍ عنه، لأنه تعلم وعمل بما تعلم؛ فنفع نفسه وامتد نفعه إلى غيره، وعلى النقيض من ذلك يبغض ديننا اليد العاطلة التي لا تتخذ عملا أو حرفة. وإنما تعيش عالة على غيرها.

 فالإسلام دين العزة والكرامة، يحب العمل ويدعو إليه ويكره الكسل والتواكل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أَكَلَ أَحَدٌ طعامًا قطُّ ، خيرًا من أن يأكلَ من عملِ يدِه ، وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ عليهِ السلامُ كان يأكلُ من عملِ يدِه"رواه البخاري.

لقد كانَ نبيُكم صلى الله عليه وسلم يُوجهُ أصحابَه إلى العملِ، ويُجنبُهم البطالةَ والمسألةَ، فإذا جاءَ أحدُهم إليه صلى الله عليه وسلم يسألُه مالاً، وكانَ قوياً على العملِ وجهَّه إلى العملِ وحثَّه عليه، وبيَّن له أن العملَ مهما كانَ محتقراً في أعينِ الناسِ فهو أشرفُ للإنسانِ من التسولِ والمسألةِ. ومما يُروى في ذلكَ أن رجلاً من الأنصارِ أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم يسألُه، فقال: «أما في بيتك شيءٌ؟» قال: بلى، حِلسٌ نلبسُ بعضَه، ونبسُط بعضَه، وقَعبٌ نَشربُ فيه الماءَ، قال: «ائتني بهما»، قالَ: فأتاه بهما، فأخذَهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيده، وقالَ: «من يشتري هذين؟» قالَ رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمٍ، قالَ: «من يزيدُ على درهمٍ؟» -مرتينِ أو ثلاثاً-، قالَ رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقالَ: «اشتر بأحدهما طعاماً فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخرِ قَدوماً فأتني به»، فأتاه به، فشدَّ فيه صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قالَ: «اذهب فاحتطِب وبع، ولا أرينَّكَ خمسةَ عشرَ يوماً»، فذهبَ الرجلُ يَحتطبُ ويبيعُ، فجاءَ وقد أصابَ عشرةَ دراهمٍ، فاشترى ببعضِها ثوباً وببعضِها طعاماً، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:  «هذا خيرٌ لك من أن تجيءَ المسألةُ نكتةً في وجهكَ يومَ القيامةِ، إن المسألةَ لا تصلحُ إلا لثلاثةٍ، لذي فقرٍ مُدقِعٍ، أو لذي غُرمٍ مُفظِعٍ، أو لذي دَمٍ مُوجعٍ» (رواه أبو داودَ والترمذيِّ والنسائي وابن ماجه، وحسنه بعض أهل العلم، وضعفه بعضهم).

وعندما هاجر الرسول وصحابته إلى المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، فكان ممن آخى بينهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقد عرض الأخير على ابن عوف نصف ماله فأبى، وقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك»، ثم قال: «دلّني على السوق»رواه البخاري، فذهب إلى السوق ليتاجر وبدأ – كما يقولون – من الصفر حتى صار من أثرياء الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين.

مما تقدم يظهر لنا أن للفرد دوراً في القضاء على البطالة؛ فهو إذا استعان بالله أولاً، ثم إذا استغل ما هو متاح أمامه وبدأ بأي عمل مهما كان متواضعا، فإنه سيصل في يوم ما إلى ما يتمناه، وكما نسمع في بلادنا أو حتى في البلاد المتقدمة عن هذا المسؤول أو ذاك أنه كان يعمل في حرفة متواضعة، حتى يتمكن من العيش، فالعمل في الإسلام الأصل فيه الإباحة ما دام حلالا يرضي الله.

وعلى الدولة مسؤولية أن تُوجِد فرص عمل لأبنائها، وتعمل على تكافؤ الفرص؛ فلا فرق بين «ابن وزير وابن غفير» فالكل في الحقوق سواء، وليعلم كل مسؤول أن الله محاسبه عن عمله وعن رعيته، قال – صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته ...»متفق عليه.

وعلى الذين أنعم الله عليهم بالمال الوفير، أن يؤدوا حق الله فيه، وأن يوفروا فرص عمل متكافئة للشباب حتى تعم المودة والرحمة المجتمع، يخاف الغني على الفقير، ويحترم الفقير الغني في مجتمع متماسك الأركان؛ قال – صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»رواه مسلم.

مما سبق يتبين أن حل "معضلة" البطالة ليس بيد الدولة وحدها، ولكن بتضافر الجهود من الدولة، خاصة المتنفذين فيها، والموسرين إضافة إلى الأفراد العاديين، كل حسب جهده، فبإخلاص النيات لله والحرص على العباد وبأداء الأمانات إلى أهلها، وبإخراج الزكاة في مصارفها، مع الحرص على الصدقات قلّما تجد طالب عمل أو شخصا يعاني البطالة!

وليعلم مَن وسّع الله عليه أن للفقراء حقا في ماله، وهو واجب، عليه أن يؤديه بنفس راضية، ويسهم في حل مشكلات غيره من المحتاجين.

ختاما: أهمس في أذن كل من لم يوفق إلى عمل، بأن يبدأ من الآن في البحث عن أي عمل – لا أريد أن أسميه – حسب إمكاناته وما يستطيع أن يقوم به، حتى يكون عضواً فاعلاً في مجتمعه، يغني نفسه ويرضي ربه، ويسهم في حل مشكلة البطالة حلاً جذرياً، وليُرِ كلٌّ منا ربه خيرا، وليكن حسَنَ الظنِّ بالله حتى يوفقه إلى ما يريد.

ومسك الختام قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) «التوبة آية 105». وعَنْ ابن عمر قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  "المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه . من كان في حاجةِ أخيه ، كان اللهُ في حاجتِه . ومن فرَّج عن مسلمٍ كُرْبةً ، فرَّج اللهُ عنه بها كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ . ومن ستر مسلمًا ، ستره اللهُ يومَ القيامةِ"متفق عليه. وفي حديث أخر عن أبي هريرة قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"رواه أحمد وابن حبان وغيرهما، وصححه الألباني.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- سميرة تركي البنعلي - البرازيل

01 - صفر - 1439 هـ| 21 - اكتوبر - 2017




بس شلون احمي نفسي و احمي الجيل من مشكلة البطالة في المستقبل

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...