تنظيم النسل و السيداو.. الضعف والسيطرة

كتاب لها
04 - ربيع أول - 1436 هـ| 25 - ديسمبر - 2014


1

أثار الغرب قبل عدة سنوات ضجة إعلامية كبيرة، عما يسمونه بالأزمة السكانية أو الانفجار السكاني، إذ تشير وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية أنه بحلول عام (2050م) يبلغ سكان العالم قرابة (7.8) بليون نسمة في أقل التقديرات، ويشير بعض الخبراء إلى أنهم سيتجاوزون هذ الرقم بمراحل، ليبلغ تعدادهم قريباً من (12.5) بليون نسمة، وهذه كارثة بكل المقاييس الغربية، إذ من المستحيل أن تفي الأرض بمتطلبات معيشتهم – هذا في المناقشة الظاهرة والتصدير الإعلامي – أما الحقيقة فتختلف كثيراً.

فمنذ عدة سنوات وخبراء السياسة والاجتماع يحذرون من خطورة التغير الديموغرافي على مصير نفوذ أوروبا وأمريكا، في حال استمرت وتيرة معدلات النمو السكاني –على ما هي عليه الآن- دون ضبط أو تعديل، فهناك دراسات لخبراء السكان في الأمم المتحدة تشير إلى أنه بانتهاء القرن الحادي والعشرين، سيكون في مقابل كل فرد أوروبي وأمريكي ثمانية عشر فرداً من أبناء العالم الثالث، وهذه كارثة لهم بكل المقاييس .

ولم تكن تلك- الكارثة ـ خوفاً على أولئك البشر من غوائل الجوع أو المرض أو الفقر والتخلف، فلم تكن تلك – الكارثة - سوى الخوف على مصالحهم التي ظهرت من أفواههم.

يقول المفكر الألماني الشهير باول شمتز: تشير ظاهرة النمو السكاني في أقطار الشرق الإسلامي إلى احتمال وقوع هزة في ميزان القوى في العالم كله.

ويقول: فإن ما لدى الشعوب الإسلامية من خصوبة بشرية تفوق ما لدى الشعوب الأوروبية من هذه الخصوبة البشرية، وهذا الكم الهائل في الإنتاج البشري يهيئ الشرق إلى أن ينقل السلطة من الأوروبيين إلى الشرق المسلم في مدة لا تتجاوز بضعة عقود.

ويقول المفوض السابق لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة: إن الزيادة السكانية المطردة في دول العالم الثالث في الدول الإفريقية بصفة خاصة، تشكل تهديداً أمنياً لجميع الدول الأوروبية بصور مباشرة.

ويؤكد هذه الحقيقة أيضاً مركز الدراسات الإستراتيجية في وزارة الدفاع الأمريكية، فمن خلال سلسلة من الدراسات طيلة سنوات خلصت إلى هذه الحقيقة المزعجة المرعبة لهم، إذ تقول هذه الدراسات: إن الزيادة المطردة في النمو السكاني لدول العالم الثالث يهدد بصورة مرعبة المصالح الإستراتيجية الأمريكية بصورة مباشرة. ثم تقول الدراسة: فيجب على الولايات المتحدة أن تبذل الآن جهوداً كثيرة لوقف النمو السكاني للعالم الثالث.

والمفارقة المضحكة إلى حد البكاء أن تلك الدعوات المحمومة من الغرب لوقف النمو السكاني وترشيده في العالم الإسلامي والشرق عموماً، يقابلها دعوات حثيثة للإنجاب في الغرب ورصد الحوافز المالية والوظيفية كلما زاد عدد الأطفال في الأسرة.

اليوم تعود تلك الدعوات لتحديد أو تنظيم النسل من جديد في المجتمعات الإسلامية، وبصورة فجة، عبر محاولة سن القوانين والتشريعات لأجلها، كنتيجة طبيعية لمتابعة مؤتمر السكان وتنفيذ توصياته، إما لضعف الجهات التي تمثلها في تلك المؤتمرات واستجابتها للضغوط، أو لجهلٍ بحقيقتها، وربما كانت الأسباب أكبر من ذلك.

و في خطٍ موازٍ مع  تلك الحملة، تنشط جهات وأفراد في تسويق اتفاقيات السيداو؛ والمطالبة بتفعيلها مع خطورتها على كيان الأسرة، وتشجيعها للانفلات الأخلاقي، مما يرسّخ لدى المهتمين بها والمعارضين لها، أن كل تلك المؤتمرات والاتفاقيات تستهدف الحرب على الأخلاق، وتحطيم ميزان القوى البشرية الذي يميل لصالح العالم الإسلامي، في ظل انهيار منظومة القيم وتفكك الأسرة في الغرب.

دعوات الغرب المحمومة والمدعومة لتحديد أو تنظيم النسل، وتفعيل توصيات مؤتمر السكان، وتشجيعه وإلزامه لتطبيق اتفاقية السيداو، هما خطان متوازيان يهدفان لإضعاف الخصم الحضاري للغرب، عبر استهداف منظومة الأسرة لتسهيل السيطرة عليه، وهي مغلفة بالخوف الفطري من الجوع والمرض، ومسوقة عبر الترويج لتفريغ – الكبت – الجنسي الفطري بطرق أقل تكلفة من بناء الأسرة وتحمل تبعات التربية.

إن المسلم ينظر إلى الكون من حوله بنظرة شمولية متوازنة، تحكمها شريعة محكمة بنصوص الوحيين. فحين يمتن الله تعالى على عبدٍ من عباده بكثرة الولد وأنه من مصادر الفخر "ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا"(المدثر:13،12،11) فيرى المسلم بأن كثرة النسل فطرة بشرية سوية، وحين يسمع حديث "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" (رواه أبو داود، وصححه ابن حجر وغيره)، وفي لفظ: "تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" يدرك أن المباهاة بكثرة البشرية مستمرة حتى يوم القيامة.

وحين يتعلل الغرب و من دار في فلكه بخشية الفقر تبرز بين عينيه حقيقة لا تقبل الجدل "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ" (الذاريات:58)، وحين يتساءل الغرب، ومن نهج نهجه عن كمية الغذاء وشح الموارد يستحضر المسلم اتصال السماء بالأرض، وتكفل الخالق بخلقه عبر تسخيره الأرض لهم ظاهراً وباطناً "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا " (النازعات:31،30) وحفظ رزقهم عنده في السماء "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ" (الذاريات :22).

إن استحضار المسلم لحقائق الشرع في مقابل أفكار البشر، وإيمانه بتحقق موعود الله في مقابل تخويف البشر له، كفيلان بأن يقوى على مجابهة الفتن، ومقارعة الحجة بالحجة. وهما أيضاً سبيلان لفحص كل فكر قادم من الغرب الكافر، الذي استبانت عداوته، وظهرت حربه على الإسلام وأهله.

إن توصيات مؤتمر السكان واتفاقية السيداو والحرص على إنشاء لجان لمتابعة تنفيذ توصياتهما وبنودهما، لتدعو للتساؤل بريبة حول حرص الغرب على مصالح المسلمين- وغيرهم في شرق العالم وأفريقيا- وعيشهم الكريم ومحاربة الفقر، وهو الذي يقتل فيهم ليلاً ونهاراً بأبشع الأسلحة، ويلقي بفائض الإنتاج الغذائي في البحر خوفاً من انهيار الأسعار.

إنها دعوة للنظر بعين فاحصة طويلة المدى، تجاه كل ما يدعو إليه الغرب؛ وعدم الانسياق وراء أقواله، بل التمعن والتوقف عند أفعاله. فالأفعال هي المحك، أما الأقوال فهي أسهل ما يمكن تسويقه.

"كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً، يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ "(التوبة:8 (

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


سعود بن محمد بن عبدالعزيز الشويش

- ماجستير تكنولوجيا التعليم 1431هـ كلية التربية جامعة الملك سعود بتقدير ممتاز.

- بكالوريوس دعوة 1412هـ كلية الدعوة والإعلام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتقدير ممتاز.

- دبلوم إدارة تعليمية 1429هـ كلية التربية جامعة الملك سعود.

- حاصل على العديد من الدورات التدريبية المعتمدة (300 ساعة تقريباً) في تطوير الذات ومهارات النجاح والقيادة والتغيير والتفكير والتخطيط الاستراتيجي واستخدام التقنية واللغة الانجليزية وغيرها .

رئيس التحرير ـ لها أون لاين .

العمل في مجال التدريس في وزارة التربية والتعليم لمدة خمس سنوات.

العمل في إدارات المدارس (جميع المراحل) لمدة سبع سنوات.

العمل في مجال التدريس في دولة الإمارات لمدة أربع سنوات(سنة في أم القيوين وثلاث في دبي ).

مدرب متعاون في الكلية التقنية بالرياض في برامج الدبلوم والبكالوريوس (التعليم الموازي).

تقديم العديد من أوراق العمل واللقاءات التنشيطية في مجال الإدارة والتغيير .

إدارة المواقع الإلكترونية لمدة تزيد على ست سنوات .

حاصل على العديد من شهادات الشكر والتقدير من جهات رسمية وخاصة من داخل السعودية وخارجها .

كاتب لعدد من المقالات المنشورة على النت في موقع لها أون لاين وغيره .


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...