عندما يبكي الجسم عن النفس!

كتاب لها
08 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 29 - مارس - 2015


1

من طبيعة الحياة أن فيها الكثير من الضغوط التي تحاصر الإنسان في مختلف بيئاته؛ لذا فإن الإنسان يحاول مواجهة بعض الضغوط والتكيف مع بعضها، ويستخدم في ذلك وسائل عديدة ليخفف من وطأتها على نفسه بتجاهلها أو بالتنفيس والتفريغ الانفعالي.

 

   وتعد الكلمة من أقوى وسائل التعبير عما يجول في النفس، فبها تتحرر الانفعالات لتخرج طليقة من النفس، وتنطلق معها آثارها السلبية المتراكمة. فتُسقط أكوام الهموم عنها. وفي المقابل عندما تُحبس الكلمات، ويعجز اللسان عن التعبير تتفاقم الطاقة الانفعالية السلبية داخل النفس. ويصبح الجسم مشحوناً بالانفعالات الثائرة التي لا تجد لها متنفساً طبيعياً تخرج من خلاله. فلا كلمة تريح النفس بالتعبير الصادق. ولا دموع تزيل ما لحق بالنفس من ألم. وعندها تلجأ النفس بالتعبير عما تكابده من ألم، بالتأثير على الجسم بالمرض؛ ليكون باكياً عن النفس بمرض أجهزته وأعضائه، فيبكي الجلد بالتحسس وظهور الأمراض الجلدية المختلفة، و تبكي المعدة بالقرحة، ويشتكي القولون ألما في بكائه، وكذلك يضيق الجهاز التنفسي من البكاء فيشتكي من الربو.

   ولا عجب في ذلك، فالنفس والجسم وجهان لعملة واحدة، كلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر. ومن هنا كان بكاء الجسم عنواناً لما يسمى بالأمراض النفسجسمية، أو الاضطرابات السيكوسوماتية، وهي اضطرابات عضوية في مظهرها، لكنها ذات منشأ نفسي في حقيقتها, حيث تلعب فيها العوامل الانفعالية دوراً أساسياً وقوياً.

     والتفسير العلمي لحدوثها أنها تحدث نتيجة القلق الشديد والمعاناة والصراع الداخلي النفسي وعدم التقبل لوضع معين. فتصبح الانفعالات في حالة ثائرة. وعند كبتها وعدم القدرة على التعبير عنها بالكلمة، نتيجة عوامل بيئية أو نفسية أو اجتماعية، فإنها لا تجد تلك الانفعالات مجالاً للظهور إلا من خلال أعضاء الجسم المختلفة على شكل أمراض جسمية. ليبكي الجسم بكل أعضائه بدلاً عن العين التي تبكي ألم النفس. وهي تشبه بذلك البركان الذي يثور من غليان الحمم. ثم ينفجر من أي جهة، أو من الجانب الأضعف لينفس عما بداخله من غازات وحمم.

     ويشكل فقدان الحب والأمان والمساندة عوامل مهمة، تساهم مع الضغوط المختلفة في تشكيل الأمراض النفسجسمية، كالحياة الأسرية المضطربة أو المفككة والإهمال الأسري للأبناء، إلى جانب ما يتسبب به الفرد من قلق لنفسه، نتيجة انحراف تفكيره عن العقلانية التي تحافظ على الاتزان النفسي. فكثيراً ما يعيش المريض في دائرة مغلقة تزيد من معاناته. فهو على الرغم من تردده المستمر لعلاج المشكلة التي أصيب بها، والتي يعتقد أنها جسمية. إلا أنه لا يرى استجابة جيدة للعلاجات، فيزداد قلقاً على حالته الصحية. وبالتالي تزداد الأعراض الجسمية لديه مع زيادة القلق. ويستمر في الحلقة المفرغة نفسها.

    ومن المهم لعلاج هذه الأمراض: الاهتمام بمسبباتها، فلا يفلح العلاج للمشكلة الجسمية وحده في علاجها علاجاً تاماً, لاستمرار الاضطراب الانفعالي، فالمشكلة ليست مرضاً عضوياً مستقلاً يزول بالعلاج الدوائي للمرض. بل هي أعراض جسمية، نتيجة ردات فعل الجسم تجاه معاناة نفسية؛ لذا فإنه من الضروري العناية بتقديم المساندة العاطفية؛ للتخفيف من الانفعالات السلبية، والتخفيف من العدوان الموجه نحو الذات، بالتعبير الانفعالي المناسب، وتعديل الأفكار لتتخذ مساراً أكثر إيجابية.

    والحقيقة أننا نحن من نصنع أمراضنا بأنفسنا، عندما  نحارب أنفسنا بأنفسنا، ونجعل من أفكارنا سلاحاً مسلطاً على أنفسنا، وبالتالي على أجسامنا، باستدماج القلق والهم في قاموس حياتنا اليومية، فنجعل أفكارنا تنتج ما يؤذينا, فتولد منها انفعالاتنا السلبية، التي نكبتها، بعدم تكيفنا مع بيئاتنا وقبولنا لواقعنا.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- خالد - السعودية

08 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 29 - مارس - 2015




جزاكم الله خيرا على هذا المقال المميز .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول .. مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .. اخرجه البخاري ومسلم ..
مقال رائع
وفقكم الله

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...