قراءة لواقع أهل السنة والجماعة في ضوء المستجدات الراهنة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

قراءة لواقع أهل السنة والجماعة في ضوء المستجدات الراهنة

كتاب لها
15 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 05 - ابريل - 2015


1

     لم يعد خافيا على ذي عقل وبصيرة وشيء من الفهم -  ما يجري لأهل السنة والجماعة  من تجويع، وإفقار، وتجهيل، وإمراض، وحرمان من أبسط حقوق الإنسان؛ ثم تقتيل وتشريد وتغريب، وتهجير، وقد شمل مخطط الإقصاء والإبادة بكل صنوفها كل شيء في مناحي الحياة، وقد استحلت في حقهم كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا؛ و استنكرت بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية الجرائم التي لحقت وتلحق بأهل السنة، ولكن لا حياة لمن تنادي!!! والمشهد السوري والعراقي واليمني خير شاهد على هذا؛ ثم هناك الأقليات المسلمة في كل من أفريقيا الوسطى، وبورما والفلبين وغيرها من بلاد الله تعالى.

 

            أنى نظرتَ وجدت البحر مضطربا      والجو معتكرا والأرض كالقات

            فوضى من الفكر لا تُجْلَى جوانبُهُ       إلا بــرأي سديــد كالمسَـــرَّات

            أشكو إلى الله من علم بلا عمل!         ومن طبيب عقيم الذهن شتات

            أشكو إلى الله من قلبي ومن ذاتي         كيما  يفرج ربي  من  مصيبات

 

     إن من يمعن النظر لما يحدث لأهل السنة في العراق والشام واليمن خاصة، وفي مناطق أخرى بعامة – ليصاب بالحزن العميق، وربما شق المشهد عليه – إذا لم يكن متسلحا بالإيمان – لناله شعور بالقنوط والإحباط؛ فآلة القتل التي تفتك بهم في عالم العولمة والعلم!!! ومنظمات حقوق الإنسان!! وفي زمن التحضر والتمدن!!! لا يستطيع أن يتحملها من كان في قلبه مُسْكَةٌ من خير وإنسانية.

 

     ولقد اعترف غير المسلمين – ممن ما زالت فيهم بقية من إنسانية – أن الذي يتألم ويتوجع ويقتل و و و و و في بلاد  الشام والعراق واليمن، وفي غيرها من بلاد العالم - هم أهل السنة والجماعة، وعلى الرغم من أن أولئكم (المسلمين) عندما كانت لهم السلطة لم يفعلوا أبدا بهؤلاء الذين يسومونهم سوء العذاب والعقاب ما يهدد حياتهم - أي أذى؛ وإن وقع عليهم ظلم، فله أسبابه وظروفه في حينه؛ وهو حدث فردي قد يقع بين الأرحام والأصدقاء ولكنه – وبتعبير عصري – لم يكن نابعا من إستراتيجية تتوخى الظلم، وحرمان الآخر من آدميته، أو من حقوقه، أو منعه من ممارسة حياته في المجتمع، وهو ما يسمى اليوم بالتعايش بين الشعوب، مهما اختلفت مذاهبهم ونحلهم، وألوانهم وأعراقهم، ولم يكن سياسة ممنهجة، أو مشروعا يبتغي إيقاع أي مكروه متعمد بهم. أما أعداؤنا، فهم يحملون مشروعا استئصاليا لهذه الأمة، أو مسخا لوجودها، أو تغييرا في وجودها الديموغرافي، ولولا سنة التدافع في الخلق، لهدمت صوامع وبيع، وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. وإن ما لحق بأنصار الله (الحوثيين) في اليمن ومن وراءهم  بعد عاصفة الحزم، وما تحقق من انتصارات للمعارضة السورية المسلمة في إدلب، وفي بصرى الشام وفي بقية المناطق قد أثلج صدور قوم مؤمنين، وربما فتح لهم الأمل بأن القادم فيه خير كثير، وإنا لمنتظرون؛ ولكن للمشهد تداعياته الظاهرة والخفية نسأل الله أن يختم بالخير. ولله الحكمة البالغة.

 

     إن ما يحدث لأهل السنة والجماعة اليوم على أيدي عصابات القرامطة - النصيريين – والحشاشين – الإسماعلية – وجماعات حزب الله، وميليشيات الباطنيين في اليمن – من الفرقة الإمامية الاثني عشرية، والزيدية الجارودية هنا وهناك؛ ثم على أيدي الغلاة، ممن ورث فكر الخوارج المكفرين (ونحن لا نعرف من أحيا هذه الأفكار، بعد أن كادت تموت أو في طريقها إلى الموت وأغلب الظن أن اليهود وراء كل عمل إجرامي )  إن ما يحدث لأهل السنة والجماعة – أمر فوق الوصف!

 

     والحقيقة فإن المشهد اليوم يتكرر على هذه الأمة حيث عاشت في القرنين الرابع، والخامس الهجريين، ولهما إرهاصات ظهرت في نهاية القرن الثالث الهجري ذات الظروف التي تعيشها اليوم مع اختلاف يسير في التكتيك وتغيير في الأسماء؛ وإن من يقرأ المجلد السادس والسابع للمؤرخ محمود شاكر – رحمه الله تعالى -   ثم يغمض عينيه، فكأنه في هذا العصر. لم يبق لأهل السنة نظام سياسي سوى بعض الإمارات المتفرقة، ومركز الخلافة في بغداد.

      لقد أصبحت مقاليد الحياة السياسية والاقتصادية في أيدي الفرق الباطنية التي أعملت الذبح والسحل، وفرض العقيدة والفكر الباطني على أهل القبلة. وتحدثت كتب التاريخ عن سيل من الدماء قد سالت، ومئات الألوف من الأرواح قد حصدت، وأصبح دم المسلم مباحا – كما هو اليوم – وقتله لعبة – كما هو حاصل في زماننا – كما أصبح الجهر بكلمة الحق والدين عملا ينتظر صاحبه الموت والتعذيب والمصير المجهول!

 

     القرامطة سابقا هم النصيرية اليوم، والحشاشون هم الإسماعلية والدروز منهم، والزيدية الجارودية هم أنصار الله في اليمن أو الحوثيون، ومن يسمون أنفسهم بالإمامية هم حزب الله في لبنان وفروعه المنتشرة، وجماعة ابن سبأ مدرسة الجميع. والدولة الصفوية في إيران هي الممثل لكل هؤلاء.

 

     لقد بلغ عدد الفرق التي تغير أسماءها وأصباغها وأدوارها بحسب مصالحها – دون أن تغير من حقيقتها – لقد بلغ عددها أكثر من سبعين فرقة ونحلة، والحديث عنها وعن جرائمها وعمالتها لكل عدو لهذه الأمة – يحتاج إلى وقفات مع التاريخ والواقع.

 

     إن هذه الفرق تتحول إلى حمل وديع إن سلبت منها القوة والسلطة العسكرية؛ ولكنها إن تمكنت أو مُكِّنَ لها! – كما هو اليوم – فإنها تتحول إلى شيطان مارد، وجزار ماهر، ولا تقبل التعايش معها إلا إذا تنازلت عن الحق الذي معك للباطل الذي معها.

 

     لا أدعو في هذا المقال إلى ظلم أحد، أو معاملته بغير العدل الذي أُمِرْنا به – بقدر ما أحببت أن أميط اللثام عن جهالات لدى كثير من أبناء أمتنا، أبعدتهم عن مكامن قوتهم، وعَمَّشَتْ أعينهم، فلم يعودوا يرون من وما  يمرضهم أو يداويهم، ولا ريب أن اليهودية والصليبية هي من أكبر العوامل التي تعمل على تقوية فرق الباطنية وأمثالهم من دعاة القومية، والوطنية، والشراكة في الحكم بين أبناء الوطن الواحد، دون النظر إلى معتقده، وسوء طويته وحسن سيرته. إن من دخل من الباطنيين في الأحزاب الوطنية والقومية، إنما دخل من أجل أن يصل إلى الحكم؛ ولذا فهم يتمسكنون حتى يتمكنوا.  والطبع عندهم غلب التطبع.

    من يصلحُ الحالَ غيرُ الذِّكْرِ منتصرا      يأوي الجميعُ إلى ظل الشُّجَيْرَات

     آياتُ ربك مثلُ البحرِ مُزْدَحِمٌ           واللؤلؤ المكنونُ في قاع المحيطات   

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...