لعب الأطفال.. تدريبٌ على الحياة الراشدة

دعوة وتربية » نوافذ
20 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 10 - ابريل - 2015


1

 

أعزائي الآباء والأمهات:

تزعجنا كثيراً حالة الفوضى والضوضاء التي يحدثها الأبناء أثناء لعبهم، ولعل أحدنا يصادر رغبة طفله في الاستمرار في اللعب؛ حتى يسارع بإنهاء هذه الحالة من الصخب.

ولكن هل فكّر أحدنا يوماً في إجابة هذا السؤال: ماذا يعني اللعب للأطفال؟ وهل تصورنا ما مدى تأثير اللعب على الأطفال جسميا ً ونفسيا ً وتربوياً؟ وهل يؤثر اللعب على مستقبل الطفل؟ 

أعزائي: اللعب هو - حاجة بيولوجية ــ نفسية تتم من خلالها عمليات النمو والتطور عند الطفل، ومن خلالها يستكشف العالم المحيط به؛ مما يساعده في نمو الذاكرة والتفكير والإدراك والتخيل والسلوك والكلام وضبط الانفعالات، تؤكد ذلك المقولة المعروفة للطبيبة والفيلسوفة الإيطالية "ماريا مونتيسوري" حيث تشير إلى أن (فعل اللعب يعتبر بمثابة العمل بالنسبة للطفل، وهو عمل يشترك فيه جميع أطفال العالم على اختلاف الأجناس والثقافات والبيئات وطرق اللعب، وتتعدى أهميته أنه مجرد طريقة لقضاء الوقت بالنسبة للصغار أو الاستمتاع بالنشاط البدني فقط.).

اللعب والرجولة القادمة

يقول الشيخ الغزالي – رحمه الله - :نحن بحاجة إلى أن نحدد وقتاً للعمل الصحيح، ووقتاً للعب الصحيح. فإننا إذا لم نتخذ من لهو الحياة لعباً، اتخذنا جد الحياة لهواً ولعباً).

وهو تدريب على المستقبل، حيث يرى "كارل جروسkarl groos" أن: (اللعب للكائن الحي هو عبارة عن وظيفة بيولوجية هامة، وأن اللعب هو إعداد للكائن الحيّ كي يعمل في المستقبل الأعمال الجادة والمفيدة، ويضرب مثالاً على ذلك فيقول: إنّ تناطح الحملان إنما هو تمرين على التناطح الجدّي في المستقبل، والدفاع عن النفس، وصغار الطير تضرب بأجنحتها بما يشبه حركة الطيران، والطفلة في عامها الثالث تستعد بشكل لاشعوري لتقوم بدور الأم، حين تضع لعبتها بين ذراعيها وتهدهدها كي تنام..!) (عاطف أبو العيد:اللعب وبناء شخصية الطفل،ص:28).

 

كيف يكون للعب دور في نمو الطفل؟

لقد أثبتت الدراسات النفسية والتربوية أن للعب دورا مها في النمو الحركي والمعرفي والوجداني والنفسي عند الأطفال؛ لأن استخدام الأطفال للحواس أثناء اللعب يعتبر هو المفتاح للتعلم والنمو والنضج والتطور، خاصة إذا كان يمارس اللعب الجماعي مع أقرانه الذين هم في مستواه العمري، والذي يساهم في تنمية مشاركاته الجماعية، وتنمية الشعور الوجداني، والإحساس بالآخرين، ويزيد من فرص التضامن لديه، وضبط النفس، واحترام حق الآخرين وأدوارهم، والتقيد بالنظام، واحترام قواعد السلوك الجماعي، والتقليل من التمركز حول الذات أو التقوقع والعزلة.

 

كما أن هناك فوائد أخرى للعلب ، فوائد نفسية وبدنية وتربوية واجتماعية، منها:

- إضافة إلى أن اللعب يعتبر وسيلة لتفريغ المشاعر السلبية، والتخلص من الكبت، والمخاوف والشعور بالإحباط.

 فاللعب هو نشاط تعلمي ـــ تعليمي، طوعي من أجل السرور، وقتل الفراغ، بمعنى أنه نشاط حر، ولكن لا يعني ذلك ألا يكون تحت إشراف - غير مباشر – من الأهل، كي تتم عملية استغلال الطاقة الجسمية والحركية والذهنية في ضوء معايير ضابطة للسلوك.

- استنفاد الجهد الفائض، والتنفيس عن التوتر الذي يتعرض له الطفل؛ فقد يضرب اللعبة متخيلاً أنه يضرب الشخص الذي أساء إليه، أو يضرب الطفل شخصاً وهمياً عرفه في خياله، وفيما يحكى له من الحكايات.

- تعلم الخطأ والصواب وبعض الأخلاق، كالصدق والعدل والأمانة، وضبط النفس عن طريق اللعب الجماعي، وبناء العلاقات الاجتماعية، إذ يتعلم التعاون والأخذ والعطاء واحترام حقوق الآخرين، كما يتعلم دوره المستقبلي، إذ تمثل الفتاة دور الأم، ويمثل الصبي دور الأب، وقد يمثلان مهنة من المهن.

- يدل اللعب بكثرة على توقد الذكاء والفطنة، ويساعد على نمو العضلات وتجديد النشاط، وتنمية المهارات المختلفة للطفل. (ليلى عبد الرحمن الجريبة:كيف تربي ولدك؟،ص:46).

 

أهمية مشاركة الأبوين في لعب الأبناء:

لقد أكدت معظم دراسات علماء الاجتماع على أهمية مشاركة الأب والأم في التربية الصحيحة للأطفال؛ لأن ذلك يمدهم بالكثير من الثقة والتوازن من الناحية النفسية، وذلك من خلال الأنشطة المشتركة مع الوالدين، كالحديث واللعب والقراءة، ومساعدتهم في أداء واجباتهم المنزلية؛ الأمر الذي يساعد الطفل كي يتواصل مع أسرته ومجتمعه بشكل جيد.

        وتجدر الإشارة إلى أن ثمة دراسات حديثة قد أثبتت أن الآباء المعاصرين يخصصون أكثر من 85 دقيقة يومياً في المعدل العادي للعب مع كل طفل، مقابل دقيقة واحدة كان يقضيها الآباء مع أطفالهم في السبعينيات، وتتوقع الدراسات أن يصل الوقت الذي يمضيه الآباء والأمهات مع أطفالهم إلى 100 دقيقة في السنوات القليلة القادمة.

 

اللعب في نصف قطر الأم يبني علاقة سوية معها

ونحب أن نلقي الضوء على مدلولات لعب الطفل مع الأم – خاصة – نظراً لأنها أشد لصوقاً بالطفل في سنوات لعبه وطفولته، فمن خلال النظر إلى الأمهات وأطفالهن في الحدائق العامة نعرف علاقة كل طفل بأمه من خلال تحركاته؛ فمن الأطفال من يلعب هنا وهناك بعيداً عن أمه دونما إعطاء أهمية لوجودها معه، وهذا الطفل ليس لديه الولاء الكافي للأم، ومنهم من يلتصق بها طوال الوقت، وهذا النموذج يفتقد الأمان ويشعر بالخوف والقلق. أما الطفل الذي يلعب في نصف قطر الأم حول أمه وعيناه عليها دائماً، فهذا هو نموذج الطفل الطبيعي، وكلٍّ من المتباعد والملتصق لديه مشكلة.     (هداية الله أحمد الشاش:موسوعة التربية العملية للطفل،ص:9 ).

 

فوائد اللعب الصحية للطفل:

الطفل الطبيعي يبدأ إدراكه للعب بشكل مرتب وتبعا لقواعد يسيرة في نحو الثانية من عمره، وقد يبدو الأمر مجرد حركات عشوائية تثير الضحك، لكنه في الحقيقة وسيلة مهمة للنمو وتهيئة المخ؛ للقيام بوظائف إدراكية مختلفة، مثل التعلم واتباع نظم معينة.

        وحتى الألعاب غير الحقيقية، تنمي الخيال، وتطور الفكر، وتهيئ الطفل لعالم الكبار، كما أن الألعاب التي تحتاج إلى مجهود عضلي وبدني، تنمي التوافق الحركي عند الطفل، مثل: الجري، والتسلق، والركل، والتوازن وغيرها. وهو الأمر الذي جعل جمعية القلب الأميركية American Heart Association تصدر توصيات بضرورة أن يمارس الأطفال فوق عمر عامين نشاطا بدنيا معتدلا وممتعا لمدة لا تقل عن ساعة يوميا؛ للوقاية من أمراض القلب عند البلوغ، خاصة في المدن الكبيرة، حيث الحياة السريعة التي يخضع فيها الأطفال لقيود ممثلة في جدول مزدحم طوال اليوم. وقد ثبت أن الأطفال والمراهقين الذين يتمتعون بنشاط بدني في الأغلب، يصبحون بالغين موفوري النشاط أيضا.

 

- إمكانية علاج بعض حالات التوحد من خلال اللعب.

لا تقتصر فوائد اللعب فقط على ما ذكرنا، بل أظهرت الدراسات مؤخراً إمكانية علاج بعض الأمراض لدى الأطفال من خلال إدارة لعبهم بطريقة معينة، تحت إشراف علمي تربوي.

     حيث يحمل اللعب العديد من الفوائد النفسية للطفل؛ ويمكن أن يساهم في تحسن بعض حالات الأمراض المتعلقة باضطراب السلوك أو الأطفال الذين يعانون من مشكلات نفسية.

       وقد أشارت دراسة حديثة قام بها باحثون من المملكة المتحدة وسويسرا، إلى أن الألعاب التي تتطلب تكوين أشكال معينة، وتحتوي على العديد من الشخوص والكائنات المختلفة، تساعد الأطفال مرضى التوحد Autism على التفاعل مع الأشياء من حولهم، حيث إن الطفل المريض بالتوحد لا يعاني فقط من عدم القدرة على التواصل الاجتماعي، ولكن أيضا يعاني من عدم تحديد كيفية تفاعل الأشياء بعضها مع بعض، ووجد أن الألعاب التي تحتوي على مراحل تكوين لمزرعة أو مملكة أو ما شابه، تفيد الطفل المتوحد كثيرا، إلى الحد الذي يمكن اعتبار هذه الألعاب بمثابة طريقة فعالة للعلاج.

 

- اللعب أيضا سبيلٌ لحل مشكلات الطفل النفسية:

      إذا علمنا أن كثيرا من المشكلات النفسية تتكون في السنوات الأولى من عمر الإنسان، فإن اللعب يعتبر هو العلاج الأمثل للكثير منها، كالانطواء، والشعور بالعزلة، والخجل لدى الأطفال وكذلك القلق والاكتئاب.

وتبين أن اللعب يساعد الأطفال في مرحلة ما قبل الدراسة preschoolersعلى احترام مشاعر الآخرين، وعدم السخرية منهم، والتحكم في مشاعرهم الخاصة، كما أنه يحفز الطفل على أداء أنماط عدة من الشخصيات، وبالتالي تتسع مداركه، وحتى على المستوى الدراسي يكون للعب دور كبير في تحسين الأداء الأكاديمي، خاصة للأطفال في بدايات الحياة المدرسية.

 

وأخيراً عزيزي المربي:

لا تفوت أي فرصة لتشارك أطفالك لعبهم ومرحهم. إنك بذلك لا تسعدهم فقط، ولكنك تدربهم بنفسك على أدوارهم في حياة الراشدين القادمة إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

-        الإبداع في تربية الأولاد: د.توفيق الواعي.

-        موسوعة التربية العملية للطفل: هداية الله أحمد الشاش.

-        اللعب وبناء الشخصية طفلك: عاطف أبو العيد.

-        كيف تربي ولدك؟: ليلى عبد الرحمن الجريبة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...