الكاتبة رنا العلي "الكتابة الساخرة هي أكثر ما يُزعج السلطة بشكل عام في أي دولة" لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الكاتبة رنا العلي "الكتابة الساخرة هي أكثر ما يُزعج السلطة بشكل عام في أي دولة"

ساخر » الحرف الساخر » الكتابة الساخرة
14 - رجب - 1436 هـ| 03 - مايو - 2015


1

هي فتاة المُخيّم، التي ترى أن رأس مالها في هذه الحياة أبٌ وأم، وقلم يُحاول أن يقول شيئاً عن الحقيقة، تلك التي تؤلم ولا تُعجب الناس. ما زالتُ تخطو بهدوء لإكمال دراستها الجامعية، فهي طالبة في قسم الهندسة التي لا ترى بينها وبين "الخربشة" علاقة سوى في التقاء كليهما في استخدام القلم.

هي الكاتبة الساخرة الفلسطينية رنا العلي، شامية الهوى، تعيش ربيع العمر خريفاً في نسخته الثالثة والعشرين. رنا العلي ضيفة موقع "لها أون لاين" الذي تتابعه منذ كانت طالبة في الإعدادية أي قبل 10 سنوات.

 

بما أنكِ كاتبة ساخرة، ماذا تعني لك الكتابة الساخرة؟

أزعم أني أكتب شيئاً يُشبه السخرية. الكتابة الساخرة لا تعني إضحاك الآخرين فقط، بقدر ما يُمكن اعتبار إسقاطاتها الساخرة هي نقل للحقيقة بطريقة أخرى. قُدرة الكاتب الساخر على ضخّ الحقيقة تتناسب نوعاً ما مع كمّية السخرية التي تُرافق نصوصه. غير أني ما زلتُ مبتدئة في هذا الأدب، الأدب الساخر، والذي إن لم يكن من أجل الحقيقة، فلا يعدو كونه نِكات هزلية لا أكثر.

          القلم الساخر ربما، بنظري، هو الأهم بين صنوف الأدب. لا يعتقد الناس بصحّة كاتبٍ ما، يدنو قلمه من أدبٍ معقّد، للنخبة، بقدر ما تعتقد بصحة ما يُكتب قريباً من الفهم، والواقع، والسخرية. الكتابة الساخرة، كما أسلفت، تعني أن تقول الحقيقة للناس بثوب مضحك، ليس لأن الحقيقة مُضحكة، بل لأن الناس ما عادت تصدق الذين يتحدثون عن أشيائهم بالبكاء، والأرقام، وأشياء أخرى.

 

                لكن المُتابع لقلمكِ يُدرك أن أسلوبك الساخر، واللاذع أحياناً، هو الغالب، مقارنة بالأساليب الأدبية الأخرى؟

                ربما يكون هذا الأمر صحيحاً، أنا لا أبدو أديبة بالشكل الذي يجب عليّ أن أخبر الناس أن لوني الأدبي هو كذا. قولبة الكاتب نفسه في داخل إطار، تجعله رهين هذا الأسلوب، ولا يجد نفسه في أساليب أخرى. فيما كتبته عن الحرب مثلاً، أجد أن أدب الحروب كان الأقرب لما كتبته، "رسائل إلى رفيقة" وغيرها من السلاسل التي كتبتها كانت لا تعتمد على السخرية بشكل تام، وإن كانت تبدو ظاهرة أو خفية في بعضها.

 

                هل هناك كتاب ساخرون بشكل كاف في الوطن العربي؟

             لا يُمكن تصنيف هذا الأمر بناءً على إحصائيات، لكن قراءة سريعة لعالم الكُتب مثلاً تعطي انطباعاً بقلّة الكتاب في هذا المجال، وهو أولاً وآخراً لون أدبي له مؤيدوه وله منتقدوه، لكني أحسب أن هذا اللون له مستقبل، خاصة في ظل انتشار مواقع مثل الفيسبوك، وتويتر، وغيرها، إذ يعتمد جزء ليس باليسير على الكوميديا والسخرية في إيصال رسائلهم للآخرين.

 

  • ما أهمية هذه الكتابة وما الرسالة التي ممكن أن تؤديها؟

                 الكتابة بشكل عام، وليس الساخرة، تحمل رسالة عظيمة وهي التوعية. ما قيمة ما ستكتب إن لم يكن هدفها الوعي، والوعي هو عملية تراكمية تُسهم في تشكيل العقل الجمعي الذي يُمكنه، حال تشكّل، أن يغير وجه المجتمعات. الكتابة الآن، في ظل انتشار التكنولجيا، باتت مؤثرة، إن تم استخدامها في إحقاق الحق، وإبطال الباطل. هذه رسالة الكتابة، وعلى رأسها الكتابة الساخرة، وإن كانت الكتابة الساخرة هي أكثر ما يُزعج السلطة بشكل عام في أي دولة، والكاريكاتير ـ مثلاً- كفنٍّ من الفنون الساخرة، يُعتبر من أقوى الأسلحة في بثّ الوعي، فهو يدمج بين الكتابة الساخرة والصورة الساخرة، فتكتمل الفكرة.

 

               ماذا تعني غزة بالنسبة لك، ماذا يعني الشهيد وأمه وزوجته وابنته بالنسبة لك؟

                قلتُ ذات مرةٍ في "المعجم الأليم" غزة: حبّة البنادول التي يُريد العالم أن يبتلعها ليتخلص من صداعه! أعتقد أن هذه البقعة الصغيرة تشكل فعلاً "وجع رأس" للعالم، ودّ لو أنه يتخلص منه بطريقةٍ أو بأخرى. بالنسبة لي، أنا لا أقدّس شيئاً اسمه "الوطن"، لأننا اكتشفنا أن هذه التسمية هي كذبة كبيرة، أفهمونا إياها صغاراً، ثم لما كبرنا أدركنا أن الوطن باعنا بثمنٍ بخس، أو بعناه، لا ندري. ربما تكون غزة فعلاً رأس حربة في مواجهة اليهود، لكني أدرك تماماً أن الحربة غير موجود منها إلا رأس فقط، كان عليها أن تواجه لوحدها، تموت لوحده، تُقاتل لوحده، تعيش الفقر والبطالة والتشرد واللجوء والاعتقال والموت والحرب وكذب الساسة، كل شيء لوحدها فقط. ولأن الوطن يُعطي أبناءه ما يستحقون، أعطتنا غزة كثيراً من الأشياء التي لم أكتشف أنها كانت "أحلاماً" إلا حين أفقتُ من النوم/الموت!

               علينا أن نترك العاطفة جانباً، وأنا أرى غزة تتضاءل في عيني بنتٍ تلثم وجه أباها المسجّى على بساط الموت وهي تناديه "قوم يا يابا نلعب"، ما غزة لها، لأمها التي وعدها زوجها بقطعة آيسكريم إن سمح الموتُ له الانتظار لأسبوعٍ آخر، لأمّه التي زفّته عريساً، تعلو الزغاريد من حولها احتفاءً بالشهادة، وهي التي منّت نفسها أن تحتفي به خرّيجاً على منصة التكريم من الجامعة، أو عريساً يقبّل عينيها بطلّته في صالة الأفراح. الوجع، كما الوعي، يتراكم، ويُدرك الناس يوماً بعد يوم أن كل أمنياتهم مؤجلة، وأن يد الموت أقرب لأحبّتهم من نظرة وداعٍ أخيرة. ولأن الشهيد أكبر من أن تختصره الحروف، قلتُ يوماً عنه ذات عيد: في العيد، مَن في العيد، لكن.. لا أرى في العيد إلا أنت.

 

               في كتاب "من المسافة صفر" ماذا قلتِ عن العدوان عن غزة، وما رسالة هذا الكتاب؟

             "من المسافة صفر" كان أشبه ما يكون بحُلم، رأى النور بعد العدوان. لم نخطط أنا وآلاء القطراوي، رفيقتي في كتابته، لأن يخرج لرسائلنا التي كتبناها تحت الحرب أي كتاب، كانت الفكرة أن نكتب من واقع الحرب، من وسط الموت، أن نقول للناس ما لا تقوله الجزيرة مساء كل يومٍ من الـ51 يوما التي عاشتها غزة تحت وقع القذائف وأزيز الحرب. كنا نكتب الرسائل، ولا ندري هل سيطلع علينا الصباح لقراءتها، أو لنشرها على الإنترنت، لكنا أدركنا أن الحرب لا تصنع الإرادة فقط، بل تصنع حرفاً لو قُدِّرَ له النجاة من كل هذا الموت، فإنه يستحق القراءة.

           في الكتاب، قلنا كل شيءٍ عن الحرب لم يقله الإعلام، عن القصص المدفونة وسط الركام، عن حوارات اللحظة الأخيرة، عن الرسائل التي لا تستطيع القذائف قراءتها، عن الحبّ في زمن الحرب، عن إيمان ولعبتها، وحسن وطائرته، وشهد وأمها، وأسامة وسورة الكهف، عن ديفيد وطائرته، وموشيه ودبابته، وراشيل وطائرتها بدون طيار، عن الماء، والكهرباء، والحياة التي تختزلها جُملة تامر المسحال "الوضع الإنساني صعب للغاية"، لقد حاولنا أن تكون رسالة الكتاب أن للحرب وجوها بشعة أخرى، غير الوجه البشع الذي تظهر به على الإعلام، وأن تكون رسائلنا وثيقة تأريخية بمفهوم جديد للتأريخ، غير السرد الممل الجاف الذي تقوله الكتب. وفي ذيل رسائلنا عن العدوان حاولنا القول: إنه رغم كل شيء، غزة بقيت صامدة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
-- عبدالقادر الصالح - سوريا

05 - شوال - 1438 هـ| 30 - يونيو - 2017




أين رنا العلي ؟
لقد اختفت منذ أكثر من سنة ؟

هل لديكم أي أخبار عنها ؟

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...