المراهقون وإعادة ترتيب المنزل!

دعوة وتربية » نوافذ
17 - رجب - 1436 هـ| 05 - مايو - 2015


أعزائي القرّاء:

تصوروا أن زوجةً أرادت أن تنظف وترتب بيتها، فقامت بعمل حملة تنظيف عامة في البيت، فأعادت ترتيب غرفة النوم بتغيير مكان الدولاب، وتغيير مكان السرير، ثم خرجت للردهة فأعادت ترتيبها، ثم المطبخ فالحمام، وفجأة وأثناء قيامها بذلك - وهي بعدُ لم تنتهِ من عملها- دخل الزوج البيت وبدأ يصدر الأحكام على مقدار النظافة والترتيب، ويقيّمهما قائلاً: ما هذا الشيء الموضوع هناك؟ وهذه الأوراق ما الذي جاء بها إلى هنا؟ ولماذا غيرتم نظام غرفة النوم؟ ولماذا لم تفرغي من العمل إلى الآن؟! فتقول الزوجة ملاحقةً لزوجها: مهلاً.. مهلاً. تفضل بالدخول إلى غرفة النوم، وعندما أفرغ من عملية التنظيف تماماً، تعال وانظر ثم احكم. (د.ياسر نصر:فن التعامل مع المراهقين،ص: 48).

أعزائي الآباء والأمهات:

إنّ هذا المشهد بالضبط هو ما يحدث داخل نفوس أبنائنا وبناتنا المراهقين والمراهقات. إنهم بسهولةة يعيدون ترتيب بيوتهم.

وعملية الترتيب هذه تحتاج إلى وقت، وعلى الآباء والأمهات أن يصبروا قليلاً، ولا يصدروا عليهم الأحكام بسرعة.

إنّ الله تعالى أعطى الإنسان عمراً حتى يتعلم في كل هذا العمر ما جهله، ولقد خلق الله الأطفال، وجعل لكل فترة نمو وقتها، فالوليد لا يستطيع أن يجلس ولا أن يتكلم، ثم بمرور الوقت يتعلم كيف يجلس وكيف يمشي وكيف يتكلم.

وقد يمرّ على الطفل الوليد 24 شهراً حتى يكبر ويصل لسنّ الفطام، وكذا الحال مع المراهقة لأنها بمثابة ولادة جديدة لابنك في قيمه ومبادئه وسلوكياته، وأسلوبه وطريقة تعاملاته؛ لذلك فإن المراهق يحتاج لحنان وطيبة وتشجيع.  تذكر الطفل الصغير عندما بدأ يتحرك أول مرة تذكر كيف كنت سعيداً بذلك، وكيف كنت تشجعه وتلاعبه وهو صغير! فلكي أن تستطيعي تفهم المرحلة التي تمر بها ابنتك المراهقة، لابد أن تنظري إلى هذه المرحلة أن تنظري لها على أنها تعيد ترتيب البيت، وأنها في مرحلة ميلاد جديدة.

 

المراهقة في اللغة تعني: راهَق الغلام فهو مراهق: إذا قارب الاحتلام، والمراهق هو الغلام الذي قارب الحلم، ويقال جارية راهِقة، وغلام راهِق.

المراهقة في الاصطلاح: هي ترجمة لكلمة:  Adolescenceومعناها: هو الاقتراب المتدرج من النضج.

الفرق بين المراهقة والبلوغ

البلوغ:( Puberty) هذه الكلمة معناها: بلوغ المراهق القدرة على التناسل، أي اكتمال الغدد الجنسية عند الفتى و الفتاة.

 أما المراهقة فتشير إلى التدرج نحو النضج الجسمي، والعقلي والنفسي، والاجتماعي. إذن البلوغ ما هو إلا جانب من جوانب المراهقة. (حنان عطية الطوري:دور الوالدين في تنشئة الفتاة،ص:10)

أعزائي الآباء والأمهات:

     لعل أسئلة كثيرة ترد في خاطرنا أثناء تعاملنا مع أبنائنا المراهقين في مختلف الظروف، فنتساءل أحيانًا كيف نتصرّف معهم؟ وماذا يريدون منّا؟ وما الذي فعلناه حتى ثار غضبهم، وهل أخطأنا فعلاً معهم من دون قصدٍ منّا، وهل ولدنا إنسان طبيعيّ، أم أنه يمرّ بظرف عصيب؟

لذلك سيستفيد الوالدان كثيراً من دراسة مرحلة المراهقة، وفهمها جيداً؛ وعندئذ يمكنهما:

  • تهيئة الجو المناسب لنمو أبنائهم وبناتهم بشكل سليم وسوي.
  • تصبح العلاقة بين الآباء والأبناء قائمة على أساس من الفهم الواضح العميق للظروف النفسية والفسيولوجية التي يمر بها المراهق – المراهِقة ويتأثر بها.
  • يستطيع الآباء مساعدة المراهق على أن يعبرا الهوة بين الطفولة والرشد بسلامة وطمأنينة.

فلنتعرف عليهم أكثر: من هو المراهق؟

المراهق طفل يحتاج إلى عطفنا وتوجيهنا ودعمنا، وهو شاب راشد في نظر نفسه، بحاجة إلى حرية التعبير واتخاذ القرار، وإلى إثبات وجوده في العائلة والمجتمع الذي يعيش فيهما.
المراهقة في الإسلام هي مرحلة النضج والرجولة، وهي سن التكليف والنشاط والإنتاجية.

والمراهق شخص يصبح شديد الحساسية إزاء تعليقاتنا وانتقاداتنا، وينقلب إلى مشاكس ومشاغب ويميل إلى التحدي والتمرّد على كل من أو ما لا يعجبه.

فالمراهق إذًن شخص يعيش صراعًا مع ذاته أوّلاً، ثم مع الآخرين، ويميل إلى الابتكار والتغيير من خلال انتقاده ما هو سائد ومتعارف عليه بين الناس.

أعزائي المربين:

ولكي تمر هذه المرحلة بسلام، لابد أن يتعرف الوالدان على:

أهم سمات مرحلة المراهقة:

- تقلب المزاج: حيث يصبح الولد أكثر شراسة، والبنت اكثر عاطفية، وتنطوي على نفسها، وتكون مفرطة في الحساسية، أو متأثرة، أو تكبّر الأشياء الصغيرة، وفي بعض الأوقات تكون حساسيتها داخلية؛ فتبتعد عن كثير من الأنشطة التي كانت تقوم بها. تتكون لديها قدرات على النقاش الذي لا يخلو من بعض التهور والجدال.

- عدم الإنصات للآباء والأمهات: مع عدم إظهار عدم الاحترام لهم في بعض الأحيان، مع تقلب المزاج والغضب، وهنا ربما يحدث بعض التجاوزات، وبعض الألفاظ، وبعض السلوكيات الخاطئة وبعض التقصير.

- التأثر بالأصدقاء: والتأثر بتصرفاتهم وتقليدهم في طريقة اللبس وطريقة الكلام، وأسلوب الحياة، واستخدام مفردات اللغة نفسها.

- القدرة على النقد الشديد للآباء والأمهات، وقد يحدث التوتر العلاقة بين الآباء والأبناء: وكثيراً ما يبكي الآباء على اللبن المسكوب قائلين: لقد تعبنا في تربيتهم فهل هذا هو الحصاد؟ لم نكن بهذا الشكل أبداً. بل كنا مثالا للطاعة والأدب! وتبدأ المشاحنات والشدّ والجذب ومن هنا يبدأ الأولاد – وخصوصاً الفتاة – في البحث عن أشخاص آخرين يعطونهم الاهتمام والحب.

- وجود أزمة ثقة لدى المراهق: فهو يريد أن يشعر بالاهتمام والحب، وأن يجد من يقبله كما هو، بعيوبه، وبالتالي يبدأ المراهق بالبحث عمن يمنحه هذا القبول، لو لم يشعر به داخل الأسرة.
وأن يتعرف الوالدن على ضوابط كلمة (لا)، فكلمة «لا» تعني الحزم ومعرفة ووضع الحدود اللازمة.

ولكي تؤدي هذه الكلمة «لا» هدفها، ينبغي توافر شروط عدة في الطريقة التي تقال بها.

مثل:

- أن نقول «لا» بنبرة قوية وحازمة من دون عنفٍ أو صراخ.

- أن نفكر مليًا قبل أن نقول «لا»، فبعدما نقولها لا يصحّ التراجع عنها، كي لا نبدو ضعفاء.

- أن نقول «لا» بشكل واضح ومحدّد ومن غير شرح أو تبرير.

- عندما نقول «لا» علينا ألا نستخف بالأبناء أو نسخر منه، بل ينبغي قولها باحترام.

- يجب أن يكون الوالدان متفقين على كلمة «لا»، وإلاّ تركنا المجال لابننا للتحايل وابتزاز أحدنا.

وأن يكلفا الأبناء بالمسؤولية:

لا بدّ من تدريب الفتى و الفتاة على تحمّل المسؤولية وذلك حسب عمره، فالمراهق ما بين 11 و 15 عامًا ليس نفسه من عمر 16 إلى 21 عامًا؛ لأنه يقترب من سن النضج التي تؤهله لمسؤوليات أكبر. وتتزامن مسؤوليات المراهق مع حاجته إلى الاستقلالية والحرية.

وهناك نوعان من المسؤوليات التي تعطى للأبناء المراهقين:

  • مسؤوليات مرتبطة بواجباتهم تجاه أنفسهم، كالاستيقاظ من النوم، بمفردهم وتحضير فطورهم، وإنجاز فروضهم (واجباتهم) المدرسية، وترتيب غرفهم، وكيّ ملابسهم.
  • ومسؤوليات مرتبطة بعلاقاتهم بالمحيطين بهم، وأولهم الوالدان والإخوة، كالمساعدة في مهام البيت، ومراعاة مشاعر الآخرين، والمشاركة في أعباء الأسرة.
  • إنّ تكليف المراهقين بمهام ليقوموا بها، يعني أن الأهل يثقون بهم، وبقدرتهم على التعاون والمساعدة. وهذا ينمّي فيهم الشعور بالاستقلالية ويقوّي العلاقة بينهم وبين ذويهم.
ولابد من الحوار والإصغاء

كثير من المشكلات والتصادمات بين الأبناء المراهقين والمراهقات سببها أنّ الأهل لا يجيدون الحوار معهم، ويفضّلون الإكثار من تقديم النصائح، وإلقاء المحاضرات في الأخلاق، والأمر والنهي من قول «افعل» ولا تفعل»، والتهديد بالعقاب، إنّ للحوار الجيد شروطا ينبغي استيفاؤها ليصبح بنّاءً. ومنها:

  • أن يكون مستمرًا بين الآباء والأبناء بشكل متناغم وودّي. ودور الأهل فيه توجيهي بدرجة كبيرة.
  • الاستماع إلى الأبناء من دون مقاطعتهم لتقديم نصيحة أو اعتراض على كلام لم يعجبنا.
  • عدم التسرّع في إصدار الأحكام، والتحلي بالصبر والحكمة والهدوء والانفتاح.
  • عدم استعمال كلمة «يجب» طوال الحوار.

-  الإنصات لهم مع التركيز على نبرة صوت، وعلى وضعية الجسم، والنظر في عينيه لفهم ما يريد قوله وما يريد إيصاله إلينا.


مع الاستمرار في بثّ الثقة بالنفس:

يؤدي الوالدان دورًا أساسيًا في مساعدة أبنائهما على الثقة بأنفسهم، أو عدمها. وترتبط هذه الثقة بالنجاح والرضا والقبول الاجتماعي، والقدرة على تحمّل المسؤولية، وضبط النفس وقوة الشخصية. وذلك من خلال اللغة – العبارات - التي يستخدمها الأهل، إذ هي الأداة التي يملكونها لبناء تقدير جيد لذوات أبنائهم المراهقين، فهي التي تعكس لهم كل يوم وعبر مئات التفاعلات صورة أنفسهم وتقييمنا لسلوكهم وكلماتنا ونبرة صوتنا وإطراءنا وتوبيخنا.

 

وأخيراً عزيزتي الأم، عزيزي الأب:

لا تنزعجوا من هذا التغير الذي يحدث للشاب والفتاة في هذا العمر. بل امنحوهم المزيد من الحب والتفهّم والاحتواء والتدعيم.

دعوهم يعبرون عن أنفسهم الجديدة. دعوهم يرتبون بيوتهم من جديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • فن التعامل مع المراهقين: د.ياسر نصر.
  • كيف تكسب ابنك المراهق؟: د.فاطمة الكتاني.
  • المراهقون المزعجون: د.مصطفى أبو سعد.
  • الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة: حنان عطية الطوري.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...