الحاجة لترميم الذات

كتاب لها
09 - شعبان - 1436 هـ| 28 - مايو - 2015


1

تعد مشاعر الإحساس بالدونية من أقسى أنواع المشاعر ألماً على النفس.

إذ إن الحياة لا تعني أن الفرد موجود أو أنه يتنفس فحسب. بل إن الحياة من الناحية النفسية تعني بصمة وجودية للفرد في هذا الكون الواسع. والتي تتجسد بدايةً عنده ببصمته داخل أسرته ومحيطه الصغير القادر على جعل هذه البصمة سيرة عظيمة تفوح شذاها، أو نقاطاً ساقطة تُمحى مع الأيام.

فميلاد الشعور بالدونية يتكون من طريقة التعامل في الأسرة، خاصة من الوالدين، إذ إن ذات الطفل تنشأ وتتكون من الخبرات البيئية التي يتلقاها في السنوات الأولى من العمر, فالطفل يولد ولا يعلم عن محيطه ونفسه أي شيء, لكنه يتعلم ويبدأ في تكوين صورة لنفسه وما حوله من خلال ما يتلقاه بحواسه من المحيطين به. فيرسم لذاته وقدراته شكلاً يتناسب مع تقييم من حوله له، مما يشعره بالدونية أو بتقدير جيد لذاته.

          وعندما نحرمه من احتياجاته الأساسية، ونعامله بأساليب لا تحقق له طموحاته، أو أساليب لا تعطيه على الأقل إنسانيته المطلوبة. باستخدام طرق عقاب غير لائقة، أو تحقير بالكلمات أو السلوك، فإنها ولا شك تتسبب في تدمير ذاته ومستقبله, فيصبح الإحساس بالدونية مشكلة حقيقية تتفاقم لتسيطر على كل جوانب الحياة لديه. بل وتترك أثرها الغائر في نفسه إن لم يتم تداركها وعلاجها.

وتظهر مشاعر الدونية لدى الطفل بأشكال عدة، كالخوف من أشياء هي في الأصل ليست مصدراً للخوف، إنما شعوره بأنه أقل من أن يخوضها، جعلها عملاقة ومخيفة بالنسبة لذاته الصغيرة, فيستشعر الخوف من التحدث أمام الناس وإليهم؛ حتى لا يكتشفوا حقيقة ما يشعر به.

ويسيطر عليه الإحساس بالتشاؤم نتيجة تفكيره السلبي عن ذاته، وعن كل ما حوله؛ مما يجعله يفقد الحماس بسرعة أثناء قيامه بأي عمل؛ لاعتقاده أنه لا يستطيع القيام به، فحواراته الذاتية السلبية تهزمه وتجعل أي عقبة أمامه إنما هي بسبب فشله، و قلة إمكاناته عن الآخرين فيتنحى عنها.

وكثيراً ما يلجأ للخيال لإشباع جانب النقص لديه بأحلام البطولة والعظمة؛ لتعويض إحساسه بالنقص فنجده عظيماً في خياله وخجولاً منطوياً في واقعه.

وقد يدفعه ذلك الإحساس إلى الجانب الآخر، كأن يصبح متحدثاً بارعاً عن إنجازاته وعظمته، ويبالغ في تقدير ذاته أمام الآخرين، وذكر نجاحاته ومقارنة نفسه بالأقران بنرجسية عالية دائماً، وفي كل المناسبات دون أن يُطلب منه ذلك. وذلك في محاولة لإخفاء حقيقة مشاعره بالدونية، بتعظيم ذاته وقدراته ولو استخدم في ذلك مجانبة الصدق والواقع.

وكما هي باقي المشكلات التربوية غالباً ما تبدأ على يد الوالدين في غرسها في نفوس الأبناء، وتنتهي أيضاً على يديهما بتغيير الطريقة التربوية المتبعة, ومواجهة الأسباب لتفاديها وعلاجها، فالقضاء على سبب المشكلة هو أول خطوات حل المشكلة. فالبعد عن المقارنة أو الاستهزاء بالأبناء, والتعامل مع أخطائهم بالحوار معهم، وتعليمهم مع التركيز على المشكلة لا على الابن بالانفعال عليه, والتفكير بهدوء بما يجب فعله حيال المشكلة، لا التفكير تجاه طرق عقاب الابن. فالهدف تغيير السلوك السلبي، وحل المشكلة لا إيقاع العقاب عليه.

وعلى الأسرة أن تدرك أنه لدى كل إنسان نقاط قوة، ونقاط ضعف, فمن المهم للأبوين أن يدركا نقاط الضعف والقوة لدى الأبناء، فإن كان الشعور بالدونية نتيجة مشكلة خلقية، أو تشوه ما، فإن إبراز المظاهر الجمالية الأخرى، وإظهار ما يمتلكه من نقاط قوة في النفس، وإيجابيات وقدرات تحدث التوازن المطلوب، والشعور بالقوة الذاتية والرضا. مع التشجيع المستمر للأبناء، وتوضيح أن الإخفاق ما هو إلا نجاح ولكن في طريق آخر.  

كما أن مناقشة الأفكار التي تسيطر على الأبناء، وتبديل السلبي منها بمحبة ومرونة وإقناع، يصنع ذوات قوية تقيم ذاتها والآخرين بثقة ورضا.

فالمربي إما أن يكون أداة بناء أو هدم بمنهجه التربوي مع أبنائه، فكل الأبناء قد وُلدوا على الفطرة، وعليه أن يختار طرق صناعتهم بعد ولادتهم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...