الحب والخوف!

أدب وفن » بوح الوجدان
20 - رمضان - 1436 هـ| 07 - يوليو - 2015


1

الحب والخوف!

أشرف الخمايسي

 

أتذكر أبي وقد شرعَ في بناء بيت على أطراف "الأقصر"، صارت هذه الأطراف الآن في القلب من المدينة، أقيم البيت في الحقول الخضراء، طابق وحيد، نصفه مسقوف ونصفه عراء، وذات ليلة كان الفلاحون يسقون الغيطان، فانفلت ثعبانان هاربان من شقوق الأرض الغارقة ليخترقا أسفل باب البيت، ويفاجآنا بالرعب.

 

أبي، وأمي، وأنا، وأختي الصغيرة، ليس هناك نور الكهرباء، وإنما ضوء لمبات الكيروسين البدائية، أم بنورة نمرة خمسة، كأن عاصفة رفعتنا من الأرض، وأمسك أبي بكرسي خشبي صغير، كرسي حمام، وضرب أحدهما على رأسه فهشمها، الآخر دار على عقبيه لينسل عائدا، دلف من تحت الباب، لم يكن ممكنا أن يُسمح بهروبه، فالأسطورة تقول "الثعبان لا بد وأن يعود للثأر من قاتل وليفته.. أو تعود للثأر من قاتل وليفها".

 

فتح أبي الباب حاملا نفس الكرسي، هرول في الظلام خلف خيط داكن يتلوى على الأرض، منطلقا نحو الحقل الغارق بماء الري، مطاردة المصير، لو تمكنت الأفعى من الهروب صارت حياة الأسرة كلها معرضة لخطر الانتقام.

 

دخلَت الماء، ومن غير تفكير دخل أبي خلفها، كانت قد اختفت تماما في دكنة الماء المخلوط بالظلام عن ناظريه، فأخذ يضرب الطين بالكرسي، وصوت صفعات الخشب للماء يمتزج بصوت عادم ماكينة الري البعيدة، القادم بانتظام كعطاس كلب مريض: تشك .. تشك .. تشك.

 

عاد أبي أدراجه، وهو لا يعرف إن كان قد أصاب الأفعى الهاربة أم لا. الخوف يؤدي إلى القتل.. والحب أيضا. هناك وقت غير معلوم ستعود فيه الأفعى كي تنتقم لوليفها.

 

هذه اللحظة منحت الإنسانية موقفا عجائبيا، من شيء يكاد يكون لا شيء، مجرد حيات هاربة من الموت غرقا، وبشرية تحاول الهروب من الموت لدغا، التقى منبعا الخوف لينبلج السحر، ولنعرف أن القتل لم يكن من أجل الخوف، وإنما من أجل الحب، أبي يقتل من أجل محبته لنفسه وأسرته، وحية ستعود للقتل ثأرا لوليفها. الخوف مجرد دافع، والدنيا ساحرة بالفطرة.

 

حدث جرى منذ ما يقارب الأربعين عاما، صوره غابت في الحقول الكهرومغناطيسية الفضائية لآلاف السنين الضوئية، وكذلك الأصوات المصاحبة له، وأن تستعيد هذا المشهد كتابة بتفاصيله، صورة وصوت ودفء أحاسيس ليراه الآلاف، وربما الملايين، رؤيا عين، ويتفاعلون به ومعه كأنهم أبطاله الأصليين، فهذا ضرب من ضروب الإعجاز السحري، لا يأتي به سوى المبدع.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...