رثاء الزوجة للشاعر الداعية مالك الدندنشي (1من2)

أدب وفن » مرافئ الشعراء
14 - شوال - 1436 هـ| 31 - يوليو - 2015


1

 

     في أدبنا العربي قلما تجد شاعرا رثى زوجه، أو ابنه، أو أبويه، ـ في حدود علمي ـ  فإن وجد، فهو قليل بالنسبة إلى الكم الهائل من الشعر الذي وصل إلينا. وهذا النمط من الشعر هو من أصدق الشعر؛ إذ يعبر تعبيرا صادقا عن أحاسيس صادقة تجاه المرثي؛ ولذا سئلت العرب: لماذا كانت المراثي أصدق أشعاركم؟ فقالوا: لأننا نقولها وأكبادنا تتفطر!! فإلى قصيدتي التي رثيت بها زوجي (هالة محمد شموط ) المستشارة الدعوية بموقع لها أون لاين رحمها الله.

 

رثيتُكِ والرثاءُ دواءُ بَثٍّ      

لفقدِ حليلةٍ ملأتْ فؤادي

بروحٍ طيِّبٍ عَفٍّ كريمٍ       

يفوقُ نقاؤه ثلْجَ الهوادي

رثيتُكِ يا هُوَيْلةُ بعد شهرٍ        

فلا يُمْحى بصبْحٍ أو سواد

وكنتُ قبل هذا في شَتَاتٍ         

شتاتِ الذِّهْنِ في ثوب الحِدَاد

أُخَبِّئُ دمعتي عن كل خِلٍّ

وقلبي جمرةٌ تحت الرماد

عجزتُ عن الكتابةِ باكتئابٍ       

ودمعُ العينِ في الخدينِ بادِ

وما من بُقْعةٍ درجتْ عليها        

حبستُ دمعتي حبسَ الجواد

فقدتُ بفقْدِكِ الدنيا وإني        

لمحزونٌ إلى يوم التنادِ

فأنت فوق شعري يا نهاري      

وأنتِ أسمى من لفْظِ الوِداد

فلا يقوى قصيدي مدحَ إِلْفٍ     

مليءٍ بالجلائلِ بازدياد

وفائي ـ دون ما أنتِ ـ عظيمٌ   

وذاتُكِ لن يوفيَها مِدادِي

ملأتِ حياتنا نفعا وسعدا             

نشرْتِ الخير في الزمن الفساد

وكنتِ الكوكبَ الوضاءَ فينا       

تَبُتِّيْنَ الرذيلة في المِهاد

نَكِرْتِ مُيُوعَةَ الفتيانِ جهرا       

وحاربْتِ الخَلاعةَ في البلاد

لكِ الآراءُ في عصر بَئِيْسٍ          

لتنصري حِشْمَةً في كل واد

رثيتُكِ والرثاءُ دواءُ صَبٍّ        

ومحزونٍ إلى زمن المَعَاد

ففَقْدُ حليلتي أوهى حياتي      

وأسلمني إلى همٍّ مُعَادِ

لقد عِشْتِ الحياةَ رهينَ بيتٍ       

(بلا شكوى)  بأحوال العِباد

فما طرَفَتْ بعينِ الحُسْنِ يوما     

إلى حال الفواسق والعِناد

حياةُ الحقِّ تملأُ ما حباها        

إلهُ العرْشِ والسبْعِ الشداد

وقولُ الحق أزعجَ من أتاها    

تريدُ معيشةَ من غيرِ زاد

فَتُسْدِي من عظاتٍ ليس فيها      

سوى طيبِ الكلامِ من الفؤاد

وآختْ من ترى فيهن نورا      

يُرِدْنَ الله في دارِ النفَاد

ومن كانتْ لها قصْدٌ عميد      

فعافتْها بحزنٍ واجتهاد

حملتِ السيفَ سيفَ الحقِّ دوما    

بلا وجل بأقوالٍ سَدَاد

وإن الحق يرتفع ارتفاعا     

ويقوى بالفوارس والجِياد

دعوتِ بحِكْمَةٍ ولسانِ صِدْقٍ    

وعظْتِ الغافلاتِ بلا ارتداد

لقِيتِ من الغوافلِ كلَّ صَدٍّ          

نطقْتِ الحقَّ بالحق المُرَاد

فروحُكِ لا تطيقُ دُخَانَ لغْوٍ          

ونفْسُكِ لا تُحِبُّ هوى الفؤاد

وكنْتِ قد ترينَ البُطْلَ يزهو         

ويكبُرُ شامخا في كل ناد

فأشْرَعْتِ اللسانَ بكل عِزٍّ          

وقاومْتِ الفواحشَ بالرشاد

  وقلتِ قولةً لا ريب فيها         

سيبقى نورُها مِلْءَ البوادي:

نهوضُ المسلمين بكل صُقْعٍ      

بأخلاقٍ وأحلامٍ  جِيَاد

وتربيةُ النساءِ على خِلالٍ        

حياءٍ في عَفافٍ في جواد

فإن  الأمَّ  مصباحٌ  منير       

وغيثٌ  للجديبةِ  والجماد

إذا صَلُحَتْ وطابت في ثباتٍ       

فأبشر بالصلاح وبالرشاد

وإن فسدتْ بنات الحي جهرا     

ذراري المسلمين إلى كَسَاد

فبوركَ ما سعيتِ بكل حزْمٍ       

وصبرٍ  واجتهاد أو جِهاد

 رجوتِ بارئا ذرأ البرايا           

وأنفلهم ورغَّبَ في الزياد

شُغِلْتِ وكان شُغْلُكِ في صلاح      

لأمة  أحمدٍ  خيرِ  العباد

وأحزن قلبَكِ ما كان يجري     

دمارا حل في كل البلاد

فودعْتِ الحياةَ بكل رَوْحٍ      

لفظْتِ الرُّوْحَ سهْلا كالرُقَاد

وودعكِ العبادُ بكل حُبٍّ    

وحزْنُ الحاضرين عليكِ بادِ

ووجهكِ مشرقٌ كالبدر نورا    

وطَعْمُ الموتِ في العينين جادِ

لكِ الدعواتُ من جمعٍ غفيرٍ    

وهذا الفضلُ من ربِّ العباد

ولو أن الحياةَ تُفَاَدى يوما    

فديتُكِ بالطريفِ وبالتِّلاد

ومني دعوةٌ أرجو شذاها      

مُطَيَّبَـةً  بأنفاس  العِهَاد

وأسالُ خالقي سُؤْلا مُلِحَّا     

لقاءَكِ يوم نُبْعَثُ في المعاد

وعِيْنُ جنةِ الرحمنِ تسعى     

لتمسكَ طرْفَ ثوبِكِ بارتياد

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

شرح المفردات: الحليلة: الزوجة. عف: عفيف. الهوادي: الأماكن العالية. البث: الحزن. الإِلف : هو المألوف المحبوب.

أشرعت: أطلقت . أنفلهم : أعطاهم. الطريف والتلاد: المال المكتسب والموروث. العِهاد، مطر ضعيف لا ينقطع متتابعا . 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...