الاستفادة من الحوادث المتكررة التي تقع في الحج

دعوة وتربية » نوافذ
23 - ذو الحجة - 1436 هـ| 06 - اكتوبر - 2015


1

عندما تتكرر الحوادث في موسم الحج، بعض الناس يستغل هذه الفرصة للشماتة من المسلمين، أو من بعض الحكام، وبعضهم يطالب بطلبات خيالية بنقل إدارة شؤون الحج لهيئة عربية جامعة، أو إدارة عالمية دولية؛ وإذا حصل ذلك فسوف تضيع مكة المكرمة، وتعطل فريضة الحج، وتهمل المشاعر المقدسة، كما سبق ولجأ العرب لحل القضية الفلسطينية لهيئات عربية، ومنظمات دولية، وجيوش عربية تحت قيادة دول كبرى انتفاعية، فضاعت القضية الفلسطينية، و لولا صمود أهل الحق والمرابطين واستمرارهم في الإعداد للجهاد لضاعت فلسطين إلى الأبد، وبعض الناس يظن خيرا بهذه الحلول الدولية، وكان من نتائج ذلك أنه لم يرفع علم فلسطين على القدس، بل رفرف على منظمة دولية شكلية تسمى بالأمم المتحدة، وهي لا وزن لها فعليا، وتتحكم في قراراتها الدول الكبرى صاحبة حق النقض(الفيتو).

والمسلم حينما يصاب بهذه الابتلاءات، أو يعيش هذه المصائب، ويرى أصحابها وكيف خطف أرواحهم ملك الموت في لحظات، أو عندما تمر علينا هذه الحوادث المتكررة في الحج،  فلا يمر على هذه الأحداث مرورا سريعا؛ بل يتوقف المسلم ويتفكر ويتدبر، فهي آيات مرسلة من عند الله تعالى لإيقاظ الغافلين، وتنبيه الحجاج والمعتمرين، بل وتنبيه لجميع المسلمين، بأن يأخذوا حذرهم، فكل مسلم كان في الحج ورجع سالما، أو كل مسلم شاهد وتابع هذه الحوادث عليه أن يتذكر أنه كما مات غيره فجأة بسبب حادث سقوط الرافعة في الحرم المكي الشريف، أو بسبب التدافع لرمي الجمرات، فيمكن أن يموت هو في أي وقت، وفي أي حادثة، وما أكثر الحوادث التي تقع هذه الأيام.

فالمسلم يستمد هذا الفهم القويم من القرآن الكريم ففيه التوجيهات الإلهية، والحكم الربانية، فقد قال تعالى موجها عباده للاستفادة من هذه الأيات وجعلها تذكرة وعبرة: "وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ، وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ، أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ" سورة يوسف106،105.  فمشاهدة الحوادث، أو متابعة هذه الأحداث المؤلمة، قد يكون فيها الاستيقاظ، وأخذ العبرة، وكفى بالموت واعظا، فمعاينة هذه الآيات الله الكونية، أو مشاهدة هذه الحوادث المخيفة قد تغني عن وعظ الواعظين وتذكير الناصحين، وقد يكون لها الأثر الأكبر في عودة الناس لرب العالمين، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للتوبة والرجوع لمنهجه الرشيد، وصراطه المستقيم.

فهذه الحوادث فرصة للتدبر، وتستلزم منا التوقف للتأمل والنظر، والتفكر والاعتبار والبحث، فالمسلم لا تمر عليه مثل هذه الحوادث الأليمة دون أن تكون له وقفة تأمل تنطلق من عقيدته وإيمانه بالله تعالى، ويخرج منها بعبر وعظات، ويتيقن أن كل ما يقع في الكون من خير فهو من فضل الله  ورحمته، وكل ما يقع فيه من شر فهو بعلمه وقدرته (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)يس38، وله الحكمة في كلِّ ما يقضي ويقدِّر: (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ)الأنبياء23.  والمؤمن يقف عند مواقع العبر، وأحكام القدر، ينظر ويتدبر ويتأمل، ولا يقتصر على ما يحدث في بلاد المسلمين القريبة، بل  لا بد أن نتعظ  ونعتبر بكل ما يبلغنا أو نراه من آيات أو ابتلاءات في أي مكان.

وهذه ليست دعوة لإهمال التحقيق في تلك الحوادث، أو عدم محاسبة المقصرين، أو العفو عن المخطئين، بل يجب معالجة الخلل، وعقاب المهملين، والعمل على عدم تكرار هذه الحوادث بتجنب الوقوع في هذه الأخطاء، ومحاربة الفساد، ومعاقبة المهملين، ولكن هذه دعوة تربوية للاستفادة من هذه الحوادث التي يموت فيها المئات، ونكون بجوارهم ولا نعتبر، بل هذه الحوادث من العوامل المساعدة لوصول الحجاج للحج المبرور، والذي من علاماته أن يعود الحج زاهدا في الدنيا مقبلا على الأعمال الصالحة، التي يستعد بها للفوز بالنعيم في الآخرة.

 وعندما نبحث عن أهم العوامل التي تساعد الحجاج وغيرهم على الثبات على الطاعة بعد مواسم الطاعات لا نجد أفضل من تذكر حوادث الموت، فهي تذكر الغافلين، وتنبه المنشغلين، وتدفع الجميع للثبات على الطاعة، والاستمرار في مواصلة كل ما يرضي الله تعالى من أعمال صالحة، والسير في طريق الاستقامة، والابتعاد عن طرق الغواية. وقد وقعت فعلا حوادث موت مشابهة سابقا في موسم الحج، فكانت من أفضل الدوافع لاستمرار الطاعات بعد الحج.

فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل، فلا بد أن نكون على استعداد تام لملاقاة ملك الموت، وهذا يعتبر دافعا قويا للتوبة والاستعداد لليوم الآخر بالإيمان والعمل الصالح، بل وللتنافس في الطاعات، والتسابق للخيرات، وهجر الذنوب والابتعاد عن المنكرات. فالإنسان ضعيف قد يهاجمه الموت في كل لحظة، "وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"لقمان 34.  

وإذا نظرنا لكتاب الله تعالى، نجد فيه الدروس والعبر التي تتكرر من ذكر الآيات الكونية، أو من النظر للأمم التي أصيبت ببعض الابتلاءات أو العقوبات؛ بسبب الذنوب والإعراض عن اتباع منهج الله، وعدم طاعة رسل الله تعالى: "فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" سورة العنكبوت40. فمن حكمة الله تعالى أن يرسل لعباده جميعا آيات تخوفهم، وابتلاءات توقظهم من غيهم، ومصائب منوعة تنبههم عن غفلتهم، قال الله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً)الإسراء:59، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الأنعام: 65.

فينبغي للمسلم أن يلجأ إلى الله تعالى، ويستعد للموت بالعمل الصالح، وألا يثق في القوة المادية؛ أو يغتر بالتقدم العلمي، فبعض الناس كان يثق في الأدوات التي بين يديه، من رافعات قوية، أو أجهزة حديثة، ويظن أنها لن تتأثر برياح، أو عواصف أو أمطار، ولكننا رأينا كيف لا نغتر بقوتنا ولا أموالنا مهما بلغت، فمهما بلغنا من تقدم تقني أو علمي، فينبغي أن نعلم أننا مازلنا ضعفاء أمام جند الله، وفقراء أمام قوة الله تعالى، فلا نغتر بعلمنا أو بالأجهزة التي بين أيدينا، فهي لا شيء بجانب جند الله تعالى. قال تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) سورة الملك. "وما يعلم جنود ربك إلا هو"المدثر31، "وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" سورة الفتح4.

ولنعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فمهما عظمت قوة بني البشر، أو تقدمت أجهزتهم أو اشتد ذكاؤهم، فلا توجد وسيلة أمام هذه جنود السموات والأرض، سوى اللجوء إلى الله تعالى بصدق، والانطراح بين يديه، والإخلاص في التوجه إليه بالدعاء، والانشغال بالذكر والاستغفار، فبذكر الله تطمئن القلوب.

          إن ما يقع من حوادث متكررة في الحج بسبب هبوب الرياح، وقوة الأمطار، وتدفق السيول، ووقوع الصخور، ينبغي أن ننظر إليه من زاوية أنه آية من آيات الله تعالى، يرسلها لعباده تذكرة بليغة، وموعظة عظيمة، يتعظ بها قلوب المؤمنين، لتتوب لله رب العالمين، ويستفيد منها المسلمون فيخافون من أن تكون هذه الجنود أرسلت للعذاب، فهي للتخويف والترهيب والتذكرة للمعرضين، والقلوب المؤمنة تتعظ، وأما الغافلة قد لا تنشغل إلا بإلقاء التهم وذكر عيوب الآخرين، قال تعالى: "لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ"الأنعام 179، فمن علامة قسوة القلوب أن نسمع وقوع الحوادث التي تخشع منها الجبال، ثم نستمر في طريق العصيان، ولا نلجأ إلى الله تعالى، ولانسارع لأسباب المغفرة، والرجوع إلى الله تعالى بالتوبة! 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

بكالوريوس أصول الدين قسم السنة وعلومها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1406=1986م بتفوق والحمد لله وكان ترتيبي الثاني.
حصلت على درجة التخصص (الماجستير) عام 1413هـ =1993م في كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها، تحقيق ودراسة مسند أبي داود الطيالسي.

قدمت ولله الحمد إنتاجا مقبولا، لكن لم يطبع منه إلا القليل.
1. فهارس كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض)، بالإشتراك مع جماعة التخريج بكلية أصول الدين تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
2. وبالطريقة نفسها شاركت في إعداد فهارس تارج جرجان للسهمي، (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض).
3. أعددت مجموعة من المؤلفات: أبحاث وكتب ومقالات نشر بعضها، ومن المواد الجاهزة للطباعة: الجزء المفقود من مسند أبي داود ( في مجلد واحد، جزء من رسالة الماجستير) .
4. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة للديانات والفرق والمذاهب والحركات المعاصرة:
الدعوة السلفية في الجزيرة العربية للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
5. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة: العمل الجماعي في الإسلام.
6. من الأبحاث التي قمت بتعديلها (وإضافة ما يقرب من النصف لبعضها ) وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الدعوات: الدعوة السلفية في مصر، الدعوة السلفية في الشام، جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان، جماعة التكفير و الهجرة بمصر والسودان، جماعة التوقف والتبين بمصر.
7. من الأبحاث التي قمت بتلخيصها وصياغتها من كتاب المؤلف الأصلي وبعض المراجع الأخرى، وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الجماعات: حزب التحرير، الاتحاد الإسلامي الكردستاني.من الفرق: الزيدية. من الطرق الصوفية : العزمية، الدسوقية، الرفاعية، التجانية، البوتشوسية. من الاتجاهات المعاصرة: العقلانية، العصرانية، القومية العربية.
8. من المقالات أو الموضوعات المنشورة: حسن الخلق والعمل الجماعي نشر في مجلة المستقبل(العدد144) التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض.
9. من المقالات المنشورة: الاعتداء على رجال الأمن: نشر بجريدة المدينة المنورة، ونشر في بعض المواقع والمنتديات.
10. من المقالات أو الموضوعات أو البحوث المنشورة في بعض المواقع بالشبكة مثل موقع الفقه الإسلامي وغيره:
*الضوابط المالية في الإسلام.
* اليقين بأن المستقبل لهذا الدين.
*حكم الاحتفال بشم النسيم وبيان تاريخه وأصله.
*حكم الاحتفال بعيد الأم.
*التوجيهات الفتية للسعادة الأبدية.
*التهيؤ لاستقبال رمضان.
*خطوات عملية لكيفية الاعتزاز باللغة العربية. *شؤم المعصية.
* يا إخواني لا نقبل في الشهيد غير التهاني(الشيخ أحمد ياسين).
*صفات عباد الرحمن.
* من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في شعبان.
*محاسبة النفس.
* نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين.
* الترغيب في قيام الليل.
* السياحة إلى أين، شجعوا السياحة في بلدانكم الإسلامية.
* من أجمل النساء.
* نفحات رحمات من الأيام المعلومات.
* مخيمنا غرق ونجونا والحمد لله.
11. كتاب تيسير فقه العبادات. (أسباب الاختلاف بين العلماء، الصلاة وبقية أركان الإسلام).
12. دروس ومحاضرات وبحوث، ومقالات، وخطب منوعة: الدعاء، شروطه، آدابه، أسباب عدم إجابة الدعاء، الإخلاص، الذكر، القناعة، الأخوة وحل مشكلاتها. الوفاء، دروس في السيرة النبوية، مجاهدة النفس وتزكيتها، صلاة الجماعة، والرد على ادعاء الحق الديني والتاريخي لليهود، دروس في مصطلح الحديث، الجدية، تغيير المنكر بالقوة، الربانية، الاستفادة بالوقت، الثبات في زمن التقلبات، السنن الإلهية في النصر والتغيير، الثقة.
13. تيسير فقه الحج وفقه العمرة ضمن ملف متكامل عن الحج (محاضرات: الأخوة، آفات اللسان، قصة البيت الحرام، نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين، مناسك الحج والعمرة، مجموعة أشرطة مختارة مرئية ومسموعة).
14. كتاب الوجيز في الديانات والفرق و المذاهب المعاصرة(اليهودية، النصرانية، البوذية، القاديانية، الصوفية، الشيعة، العلمانية، الرأسمالية، الوجودية).
15. الحديث المرسل: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: محمد الفهيد عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
16. ابن الأثير وكتابه جامع الأصول: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: أبو لبابة حسين عميد كلية الزيتونة بتونس.
17. الياقوت في القنوت: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: فالح الصغير عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
18. تحقيق وتخريج وتوثيق الجزء الثالث عشر من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين(الصلاة) ط.دار المؤيد والثريا بالرياض.


تعليقات
الاستفادة من الحوادث المتكررة التي تقع في الحج
-- وفاء نبيل محمد - الكويت

25 - ذو الحجة - 1436 هـ| 08 - اكتوبر - 2015




جزاك الله خيرا على المعلومات والنصائح الغالية

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...