الناقد الفلسطيني الدكتور محمد صالح الشنطي: الأدب ذو أثر خفي كالسحر يتفاعل مع الذوق ويتسلل إلى الفكر!

أدب وفن » آراء وقراءات
30 - محرم - 1437 هـ| 13 - نوفمبر - 2015


1

الناقد الإسلامي الفلسطيني الدكتور محمد صالح الشنطي نشأ قاصاً, ثم ناقدا متميزا، وكانت البداية مقالاً نشره عام 1964م عن رواية إحسان عبد القدوس "ثقوب في الثوب الأسود"، ثم في جريدة المنار المقدسية, ثم مقالاً أخر إسهاماً في الحوار الذي دار حول القومية والإسلام في العام ذاته، وفي الجريدة ذاتها تحت اسم مستعار "ابن الكنانة", ثم حاول أن يخوض غمار الشعر, فكتب بعض قصائد نشر بعضها فيما بعد.

 

يقول الشطي عن قصائده: ولم أجرؤ على نشر البعض الآخر, لأنني رأيت أنه دون مستوى النشر, وظل الشعر هو الفن الأقرب إلى نفسي إلى أن التحقت بجامعة القاهرة, وأصدرنا عدداً يتيماً من مجلة الأدب العربي عام 1966م, أنا والزملاء جهاد الكبيسي, وفارس سليمان, ونزيه أبو نضال, حيث كنا أعضاء هيئة التحرير, تحت إشراف أستاذنا الناقد والقاص المعروف الدكتور شكري عياد ـ رحمه الله ـ حيث نشرت أول قصة لي في هذه المجلة التي صدرت عن قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة, وقد كنا ـ  ونحن طلاب ـ نمارس نشاطاً أدبياً بتشجيع من أساتذتنا في القسم, وهم من النقاد والأكاديميين والأدباء الكبار كالدكتور عبد المحسن طه بدر, والدكتور عبد المنعم تليمة, والدكتور يوسف خليف, والدكتور شوقي ضيف, والدكتور نعمان القاضي, والدكتور طه وادي, وكان زملائي ما بين قاص متميز كجهاد الكبيسي, وشاعر مرموق مثل فارس سليمان, وناقد مشهور كنزيه أبي نضال وغيرهم.

•الإسلامية هي إسلامية المنظور والتصور للكون والإنسان والحياة, ولكن الشكل الفني تراث بشري قابل للتطور والنمو..  هل توافقني على هذه الرؤية؟

ـ بالتأكيد, ولعل هذا المنطق السديد يحل لنا إشكالية الحداثة التي كثر الحديث حولها, وهنا استذكر قول الناقد الشاعر المتميز الدكتور حسن الأمراني الذي عقب به على ما كان مشتجراً من خصومة, وما كان محتدماً من جدل حول الحداثة في الصحف الأدبية في أواخر الثمانينات الميلادية في المملكة العربية السعودية, لاسيما في ملحق الندوة الأدبي وفي غيرها من الصحف, إذ قال لي: إننا في المغرب لم نختلف حول هذه المسألة, فنحن نكتب القصائد الحديثة التي تعبر عن رؤيتنا الإسلامية, بل إننا لننبز أقراننا من الشعراء العلمانيين في هذا المجال, وفي اعتقادي أن المنجز الجمالي ملك للبشرية جمعاء, وأن الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها، وديننا سمحٌ علمنا أن المسلم كيس فطن، وأننا أعلم بشؤون دنيانا, وأن الحياة متطورة، وأن علينا أن نزهد في اللجاجة والصخب. فالرؤية الإسلامية رؤية إنسانية شاملة، تدرك مكامن الضعف في الإنسان، وتغوص إلى جوهر الصراع الكامن في أعماق البشرية، وما يعانيه من كبد في مغالبة نوازع الجسد والسمو إلى أشواق الروح. فديننا دين الفطرة السليمة التي لا تتعصب ولا تتطرف، وتبتعد عن مواطن الشبهات ومنزلقات الغرور. والرؤية الإسلامية رؤية إنسانية شاملة تدرك مكامن الضعف في مغالبة نوازع الجسد والسمو إلى أشواق الروح.

 

•أنت ناقد إسلامي متابع لكثير مما يطرح من قضايا. كيف تحكم على إبداعات غير المسلمين مما (يحث) على الأخلاق الطيبة والسلوك القويم؟

ـ اسمح لي أن أتوقف قليلا عند كلمة (يحث) فالأدب لون من ألوان الخطاب ذو طبيعة نوعية. يختلف في وظيفته عن ضروب القول الأخرى، وإن كان قوليا في نهاية المطاف, لكنه ذو أثر خفي كالسحر، فهو يتفاعل مع الذوق متسللاً إلى الفكر والوجدان ويتغلغل في حنايا القلب وخلايا الروح, تحريضه خفي لأنه يتعامل مع شفافية النفس، ويتناسج مع مكوناتها الداخلية, ولهذا فإن الترجمة لروائع الشعر قد فشلت في إحداث الأثر الذي تحدثه تلك الروائع في لغتها الأصلية؛ لأن الترجمة تمس المستوى الأول من مستويات الخطاب, وتظل عاجزة عن أن تستل من أعماقه ذلك السحر الكامن, في حين نجحت بعض الترجمات التي نهض بها شعراء كبار؛ لأنهم أضفوا على ذلك المعنى من نفوسهم وأرواحهم فعرضوا بعضاً من سحرها.

 

أما فيما يتعلق بإبداعات غير الإسلاميين، من أصحاب الرؤية الإنسانية التي تقترب من الرؤية الإسلامية أو تطابقها, فإن الحكم عليها يخضع للمقاييس المتعلقة بالرؤية, إننا – انسجاماً مع الموقف الإسلامي – ندعو إلى قراءتها والاستفادة من جمالياتها, أما إطلاق صفة الإسلامية عليها فأمر يتعلق بالعقيدة, وليس بمجرد الرؤية, فالإسلام عقيدة وممارسة, ولا يمكن منح الصفة الإسلامية إلا للكاتب المسلم الذي يصدر عن عقيدة إسلامية. أما ما يبدعه فيدخل في إطار ما هو بشري حياتي لا نعاديه, ولا نخاصمه, بل نتقبله ما دام لا يصطدم مع رؤيتنا الإسلامية, ولهذا فإننا نتحفظ بشأن ما ورد من آراء للأستاذ/ محمد قطب بشأن أدب غير المسلمين مما ينسجم مع الرؤية الإسلامية كأعمال طاغور, لاسيما "رحلة إلى السوق" وكذلك النص المسرحي لـ " ج .م سنج" وعنوانه: "الراكبون إلى البحر"  لاسيما وأن النص الذي أورده محمد قطب لطاغور في كتابه المتميز "منهج الفن الإسلامي" أقرب إلى أشعار المدرسة التصويرية مع الاختلاف في المنطق فرؤيته "وأعني نص طاغور" نجدها تنم عن قناعة ورضا, وهو ما لا يتفق مع الرؤية الإسلامية.

 

•إذن  أين وصلت جهود نقادنا في التنظير للأدب الإسلامي؟!

ـ بداية لابد أن نتفق على مفهوم النظرية النقدية, فإذا كانت تعني منظومة من المقولات التي تتسق لتقضي برؤية قابلة للتطبيق، وأنها ذات قاعدة فلسفية أساساً, فإننا لابد أن نسلم بأن الأدب له خصوصيته, فهو ممارسة فيها قدر من العفوية, وأما جمالياته فليست مصفدة بأغلال التقعيد, وأن أي نظرية نقدية إنما تعتمد على الاستقراء وليس البناء النظري الفلسفي المحض, وأنا اعتقد أن الجهود المبذولة ينبغي أن تنصب على تكوين الأديب المسلم, وفتح آفاق الاطلاع الواسع أمامه؛ ليستعير من شتى المنجزات الجمالية، لترسيخ روائع إنسانية إسلامية المنطق والرؤية, أما الوعظ والإرشاد فله سبيل آخر.

 

•هناك من يرى أن الأدب الإسلامي يقتصر على النصوص المكتوبة باللغة العربية, ما ردك على ذلك, لاسيما وأن لك رؤى نقدية لنماذج مكتوبة بغير العربية؟!

ـ لو كان الأدب الإسلامي يقتصر على النصوص المكتوبة باللغة العربية, لما كانت هناك حاجة لابتكار مصطلح الأدب الإسلامي، ولاكتفينا  بتسمية "الأدب العربي" نسبة الي اللغة فحسب, ولكننا ما دمنا نتحدث عن الأدب الإسلامي، فمعنى ذلك أننا لا ننسب هذا الأدب إلى اللغة العربية فحسب, وإنما نتخطى حاجز اللغة إلى الرؤية أيا كانت اللغة التي تعبر عنها, وفي اعتقادي أن هناك نماذج أدبية إسلامية رائعة كتبت بغير العربية, ويكفي أن نشير إلى محمد إقبال وغيره, حتى نتأكد من أن لدينا ذخيرة يعتد بها في هذا المجال. وأما ما قدمته من رؤى نقدية فمحدود, لاسيما وأنه لا تتوافر لدينا نصوص إسلامية مترجمة للعديد من شعراء العالم الإسلامي الناطقين بغير العربية، كذلك فإن شعر التصوف يحلق في أفاق بعيدة جداً عن الرؤية الإسلامية الصحيحة, وأنا أدعو إلى ضرورة أن تنشط رابطة الأدب الإسلامي في مجال الترجمة؛ ليكون هناك تواصل بين أدباء الأمة الإسلامية, بل أعد ذلك من أخص مهامها.

•كتابك النقدي "القصيدة المهاجرة" الصادر منذ سنوات, كيف نقرؤه اليوم في ظل الغربة المضنية للمثقف العربي في بلادنا؟!

ـ حينما شرعت في تأليف كتاب "القصيدة المهاجرة" ما كنت أقصد معنى الهجرة بمفهومها المعجمي, وإنما كنت أعني القصيدة التي تعبر عن الاغتراب بشتى مفاهيمه النفسية والفكرية والاجتماعية, ولهذا تحدثت عن بعض الشعراء الذين ظلوا في فلسطين المحتلة عام 1948م بوصفهم مغتربين فوق أرضهم، وحاولت أن أرصد نبض المعاناة في دواخلهم، فالاغتراب عن الأرض ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر, ولكنه تغرب قسري، تدفع إليه أسباب عميقة ليس أقلها قوة السلاح والقهر, بل ثمة ما هو أشد وأقسى وأكثر إيلاماً، وهو فقدان القدرة على التصالح مع الذات، فضلا عن التكيف مع الظروف الطارئة القسرية, ومفهوم الهجرة والاغتراب من المفاهيم القديمة في أدبنا العربي، وما المقدمات الطلبية إلا شواهد على ذلك, وكذلك فإن لامية العرب للشنفرى تقف دليلاً على عمق هذا المفهوم، حيث يصبح الوحش أقرب وجدانياً ونفسياً من الاقربين" لي فيك أهلون سيد عملس... إلخ " فقد أدرك الشنفري صعوبة البقاء في مكان لا يتسع لأحلامه، ويضيق عن معاناته, من هنا استلهم كثير من الشعراء لامية الشنفرى في قصائدهم, وقد حاولت في كتابي المذكور أن أدرس بعض النماذج المعاصرة لأدب الاغتراب هنا, كما تجلت لدى عدد من الشعراء المبدعين في هذا المجال، ولدي ما يكفي لإصدار جزء ثان وثالث, ولكنني واثق من أنني مهما حاولت فلن أستطيع تغطية هذه الظاهرة لدى شعرائنا الكثيرين الذين تفوقوا في هذا المجال، ولم يتغير شيء يذكر منذ صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب, بل أصبحت الظاهرة أكثر اتساعاً وشمولاً وزادت عمقاً وتعقيداً.

 

•متى تكون الاستضاءة بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف قادرة على إكساب الشعر كثافة تعبيرية وزخماً دلالياً؟

ـ دائماً وأبداً، وثمة من يكون النسيج اللغوي عنده متكئاً في الدرجة الأولى على الجملة القرآنية, فالمهم أن يحسن الأديب صوغ فنه صياغة جمالية متقنة، وقد سبق أن أشرت في غير موضوع إلى استلهام الخطاب القرآني لدى العديد من الشعراء حتى من شعراء الموجة الحديثة كالشاعر: محمد الثبيتي, والشاعر: أحمد الصالح "مسافر" , وشعراء مثل: عبد الرحمن العشماوي, وكذلك الشاعر الدكتور: حسن الأمراني، والدكتور: محمد رجب البيومي, على اختلاف في أساليب الاستثمار والتوظيف للعبارة القرآنية وكذلك الخطاب النبوي, وفي استدعاء النص القرآني ما يثري النسيج التعبيري ويخصب الرؤية والتشكيل، وربما تبلورت مدرسة قائمة بذاتها، تصطنع هذا المنهج وتستثمره على نحو يحقق الهدف. ولعل الكثافة التعبيرية التي أشرت إليها ناجمة عن إعجاز الصياغة القرآنية، وما يتمثل فيها من بلاغة معجزة. أما زخمها الدلالي: فنراه يتأتى من التداعيات الزاخرة بالمعاني المحتشدة بالعطاء, الثرية بما يموج في لغته من ومضات روحية, ومن أحق بالأديب الإسلامي من استكشاف هذا كله واستثماره على وجه الحق؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...