الصندوق الأسود في الحياة الزوجية

كتاب لها
02 - صفر - 1437 هـ| 15 - نوفمبر - 2015


1

يمكن أن نرى الزواج بشكله المبسط أنه رابط بين رجل وامرأة، واتفاق بينهما على أن يكمل كلاهما الآخر، وأن تكون عشرتهما بالحسنى، وأن يحترما ميثاق الزواج بينهما، والذي وصفه الله بالميثاق الغليظ، والذي يتضمن أن يؤدي كل منهما للآخر ما يستطيع من حقوق كما أن له واجبات. كل ذلك يبدو في إطار عام يعرفه الجميع، وقل ما يكون فيه خلاف.

وتنشأ بذور الخلاف عندما يستشعر أحد الطرفان أو كلاهما بالاختلاف بينه وبين زوجه الآخر, فكل منهما من بيئة تختلف عن الأخر، و تبدأ نبتة الاختلاف بالتجذر لتُثمر التجافي بينهما والخلافات التي لم يحرص أحدهما على اقتلاعها منذ منشئها بالحوار الهادئ. بل قد يعملان على تغذيتها بنشرها خارج إطار بيت الزوجية، فتبدأ الزوجة بنشر القصص والأحداث المختلفة في مجالس الأهل والصديقات، حتى تصبح هي وزوجها حديث المجالس.

وقد يعتبر الزوج أن إفشائه لبعض أحداث بيته وخلافاته مع زوجته فيها شيء من البحث عن الحلول أو التنفيس عن ضغوطه المختلفة. فيفضي ببعضها لبعض أهله وأصدقائه، ومن ثم يبدأ بتلقي النصائح المختلفة لحلها. ومن الناصحين من هو محب، ومنهم من يهوى التلاعب بالبيوت وكشف أسرارها. بل وحتى المحب يلقي النصح من واقع خبرته وحياته الشخصية، والتي تختلف منطلقاتها بشكل كامل عن منطلقات حياة صديقة وشخصيته وشخصية زوجته.

وتتأجج المشكلة عندما تطلق الزوجة العنان لأذنها لصويحباتها، وتنطلق في تطبيق ما تسمع وما يقال لها. والزوج كذلك يجتهد في تطبيق ما قيل له. ولا يعرف كلا الزوجين أنهما بذلك قد شرعا بالتباعد أكثر، وبهدم بيتهما بأيديهما, بينما لو بدأ أحدهما بالحوار مع الآخر، وأغلقا الباب حول مشكلاتهما، وما يدور في البيت من أسرار لاستقرت حياتهما بشكل كبير.

إن ظاهرة نشر الأسرار في بيت الزوجية ظاهرة لم تعد طي الكتمان. فكثيراً ما نسمع في المجالس بأن بين هذين الزوجين خلاف على كذا, أو حتى أن هذا الزوج يعطي، ويفعل. ويأتي بالهدايا لزوجته. فحتى إن كان نشر ما يحصل في البيوت من أحداث، ليس من باب الشكوى على مشكلات أو خلاف، كأن يكون على اتفاق الزوجين وتفاهمهما ولين جانب أحدهما, فإن ذلك قد يوغل أصحاب القلوب المريضة بمحاولات جادة لإفساد ما يمكن إفساده بطرح المقارنة بين هذا البيت المتوافق زوجياً، وببيت آخر فيه من النعم ما تتميز عن هذا البيت ليفسد على الزوجين ما يستشعرانه من نعم، بلفت النظر لما ينقصهما ويمتلكه غيرهما.

أو يقدم الإفساد على شكل نصيحة، فتقول إحدى النساء ناصحة للأخرى: إياك أن تطيعيه فيلغي شخصيتك. تمسكي برأيك وما تريدينه حتى تثبتي ذاتك، ولا تكوني إمعة مثل فلانة التي أطاعت فضاعت! ولم تدري المسكينة أنها هي من ضاعت بطاعة صديقتها، فهدمت بيتها، وكانت من فريق المطلقات خلال فترة وجيزة.

فكل ما يحدث في بيت الزوجية هو سر يجب على كلا الطرفين الحفاظ عليه، حتى لا تُفتح أبواب المنزل لكل عابث. فمحور مشكلة الإفشاء تكمن في إتاحة الفرصة لكل من أراد التدخل في حياتهما، وتبدأ القصص المشاعة بأخذ تفاصيل لم تكن في صميمها، وتبدأ التنقل بين المجالس لتكبر وتحمل الكثير من التفسيرات التي يضفيها كل متلقي لها بحسب خبرته ونفسيته. فمنهم من يستمتع بسماع خبايا البيوت، وآخر له مصلحة في خرابها لغرض أو لآخر. أو ناصح قد لا يوفق في نصحه فيفسد بدل الإصلاح لسماعه من طرف واحد.

فالأزواج المحافظون على بيوتهم، يحرصون على إغلاق أسرار بيوتهم في وجه الجميع تماماً، كما يحرصون على غلق أبواب بيوتهم. فحبذا لو كانت للأحداث والعلاقات الزوجية شيء من القدسية والخصوصية؛ حتى لا تخرج عن نطاق أسوار البيوت، فتكون كالصندوق الأسود الذي يُبقي الأحداث والمعلومات في الطائرات ضمن إطار السرية, فيبقى الصندوق الأسود الشاهد الأكبر على أحداث بيت الزوجية. حتى لا تنتشر خبايا ما فيه. كما أننا نستطيع القول بأن الصندوق الأسود في الطائرات لا يفتح إلا عند حصول كارثة بالطائرة. وكذلك الصندوق الأسود في الحياة الزوجية إن فُتح، فقد دل على حدوث كارثة متجهة نحو الحياة الزوجية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- باحث أسري - السعودية

09 - صفر - 1437 هـ| 22 - نوفمبر - 2015




الحقيقة إنه ربط ذكي وبالفعل فإن الركن الاصيل لثبات أي بيت هو بقاء أسراره داخل أسواره وقد وجدت أن أس البلاء يبدأ بشرارة الافصاح لمن ليس بأهل لذلك
جزى الله الكاتبة خيرا ونفع بمقالها

-- سارة - السعودية

09 - صفر - 1437 هـ| 22 - نوفمبر - 2015




من أجمل المقالات اللي قرأتها بصراحة. بارك الله فيك

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...