فن الحياة.. أهم الفنون

كتاب لها
23 - صفر - 1437 هـ| 06 - ديسمبر - 2015


1

الحياة فن من الفنون الراقية، فإذا ضاع فن الحياة ضاع السرور بها، بل إن السرور بالحياة نفسه فن من الفنون، ويخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في المظاهر الشكلية، فيشترط لأجل أن يكون مسروراً: مالاً وبنينا وصحة ونحو ذلك. فالسرور يعتمد على المخبر أكثر مما يعتمد على المظهر، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء، ومن الناس من لا يستطيع أن يشتري ساعة ضاحكة مستبشرة بأغلى الأثمان، ومنهم من يستطيع أن يشتريها بأتفه الأثمان، وذلك لاختلافهم في الطبع والمزاج.

إن مجرد أن تكون على سطح الأرض، يعني أنك مازلت في هذه الحياة، ولكن لا يكفي مجرد أن تعيش فقط، تستقبل الدنيا ثم تودعها. فسرُّ الحياة مرهون بهذا الوجود الذي كتبه الله علينا ليرى أيُّنا أحسن عملاً، قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:2 ] والحياة لا تعني شيئا بكل ما فيها، ما لم نحركها نحو الأفضل في كل شأن له علاقة بالدور الذي يريدنا الله عز وجل أن نقوم به.

وكذلك قراءتنا لرسائل الله عز وعلا، ورسائل الحياة من حولنا، تحتاج لإعادة تفكير، فحين لا نحصل على ما نريد تحديدا؛ نقرأها رسالة سوداء لم تحمل لنا إلا ظلاما يقعدنا ويثبط من همتنا، ونظل على هذا حتى تبعث الأقدار لنا رسالة أخرى بيضاء، تنير لنا الحياة من جديد، وكأننا هواء ليس لنا دورا في الكفاح والكد الذي رغبنا فيه الله عز وجل حتى نلقاه.

قال مصطفى صادق الرافعي: "إن لم تزد شيئاَ على الدنيا، كنت أنت زائداً على الدنيا، وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها فقد وجدتها، وما وجدتك".

فالحياة فن يحتاج إلى كثير من المهارات، من أتقنها وصل إلى مراده الذي يؤمل أن يقابل به ربه.

ويقوم «فن الحياة» على أشياء نتركها، وأشياء نعملها. لكن يبقى المحور الأول والأهم، هو ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. فما من شيء أقدر منها على تقبيح وجه الحياة، وتنغيص أيام، وتدنيس السمعة، وتعذيب الضمير، وتجويع الروح.

 ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن هو اللوحة الأساسية التي يستطيع بعدها الإنسان أن يرسم لحياته فناً جميلاً، وبدون ذلك لا لوحة ولا أساس، لا شيء غير الضياع.

ثم يأتي بعد ذلك الصدق مع النفس والآخرين. والصدق غير قابل للتجزئة، فلا يكون الإنسان صادقًا مع بعض الناس، وغير صادق مع آخرين، وأيضًا فالصدق ثابت على مر الأيام، فلا يصح أن ألتزم به اليوم وأتغاضى عنه غدًا.

وهذا يعني أن الإنسان الصادق يبذل مجهودًا كبيرًا في التمسك به، حتى يصير جزءاً من طبيعته وخصاله، وتمتد جذوره داخل نفسه، فيكون أمينًا معها يعرف قدرها، لا يبالغ فيه ولا ينقص منه، لا يلون آراءه بحسب هوى الآخرين أو رغباتهم. وهو في هذا قد يواجه مواقف صعبة تتطلب شجاعة أدبية، وحنكة في التعامل، مع عدم التخلي عن قول الحقيقة.

وقد يجد أصحاب النفوس الضعيفة صعوبة في تدريب أنفسهم على هذه الفضائل؛ ولكن ليعلموا أنه لا سعادة لهم بغيرها، فإن كان ظاهرها المشقة فباطنها الرحمة.

أما القضية العامة لفن الحياة: فهي براعة الاستفادة من كل مرحلة من مراحلها، وذلك لا يتم إلا بأن نتقن التعرف على طبيعة كل مرحلة ومتطلباتها. ولا ننس في خضم رحلة الحياة الثوابت الكلية التي تضبط كل هذه المراحل ومن أهمها:

  • التعرف على نفسك، بهدف الوصول إلى نقاط القوة والضعف فيها، واكتشاف أفكارك وعواطفك وانفعالاتك وجسدك، ومن ثم توظيف قدراتك بالشكل الملائم، وتغير سلبياتك نحو الأفضل. إن النظر إلى الذات بموضوعية من سمات المنصفين والناجحين، فالعبد الموفق هو الذي ينصف نفسه من نفسه. أما الوسطية مع الذات: فهي أن تنظر إلى ما لديك من حسنات (إيجابيات)، وما لديك من سيئات (سلبيات)، ثم تستعين بالله وتسأله المزيد من الأولى، والإعانة على التخلص أو التقليل من الثانية، ولاتجعل نفسك أسيرة لخطأ ولو كان مستمراً.
  • التوازن مطلوب شرعا؛ حتى لا تقع في شباك الإفراط والتفريط، ومرغوب ذاتيا للفوز بالإيجابية الدائمة وتفادي السلبية، وللترقي في مدارج الارتقاء الشامل. فالعمل على تنمية حاسة التوازن، والالتزام بالتوازن الواعي، من ضرورات ومقتضيات الحياة البشرية، وذلك يأتي وفق إدراك الفرد لذلك، وكيفية استيعابه لهذه المسألة الضرورية. يقول باسكال: "عظمة النفس الإنسانية في قدرتها على الاعتدال، لا في قدرتها على التجاوز"!
  • من الضروري أن تتقبل الأشياء التي لا تستطيع تغييرها, وعليك بالرضي بما هو مكتوب عليك, فإذا كنت قصيراً، فلا تحاول أن تكون طويلاً, ففي القبول بهيئتك مفتاح هام لسعادتك وراحتك {وعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]
  • العيش على الوجه الأكمل لا يعني الحصول على كل شيء، أو الذهاب إلى كل مكان. فتحقيق قدر مما نريده، يجعل حياتنا أكثر سعادة، لأن زحام الأشياء يحول بيننا وبين الاستمتاع بها، حتى لو كانت جميعها مصدراً للإبهار.
  • احتفظ دائماً بالطاقة المرتفعة، فالطاقة المنخفضة يمكنها أن تتسبب في آلاف المشكلات، مثل الإحباط والملل والكسل والاكتئاب وعدم الجدوى، كما أن السلبية والضعف والتخاذل تجعلنا نخسر أحلامنا.
  • إذا ركز أضعف مخلوق في العالم على قواه نحو تحقيق هدف واحد، سيصل لنتائج جيدة بإذن الله تعالى، والعكس صحيح، فإذا شتت أقوى مخلوق في العالم جهوده على أعمال كثيرة فلن يحقق أياً منها.
  • كل هزيمة وكل خسارة لها مخاضها الفريد، الذي يقودك لأداء أفضل في المرات القادمة. تعلم من أخطائك، واستغفر الله تعالى لما عساه قد وقع منك من زلات أو هنات. وكن وقافا عند حدود الله تسعد وتغنم وتسلم. أنا لا أقول: لا تحزن، ولا أقول: لا تحاول التغيير، لكني أقول: دعنا نطبق «الحزن الإيجابي»، وهو الحزن الذي يدفع الإنسان نحو التعويض بالعمل الإيجابي وزيادته. وإذا جاءتك الأحزان السلبية، فلا تستسلم لها، وتذكر ما لديك من إنجازات إيجابية، ثم بادر بعمل مثمر لكي تغلق الطريق على هذا المدخل المشؤوم، وإياك ثم إياك أن تترك الهواجس تسيطر عليك، وتسترسل معها في التفكير فبداية الأمور من التفكير.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...