سورة النور هدى للمسلمين(1ـ2)

دعوة وتربية » سنن وفضائل
28 - صفر - 1437 هـ| 11 - ديسمبر - 2015


1

إن سورة النور من السور المدنية، والتي أُنزلت بعد الهجرة لوضع القواعد الإسلامية للمجتمع الإسلامي الجديد بالمدينة النبوية، فهي تحمل بين طياتها الآداب الإجتماعية عموماً، وآداب البيوت خصوصا، مما يؤدي إلى الحفاظ علي الفضيلة والعفة داخل المجتمع الاسلامي، مع تنقيته من الفساد وسمات التفكك الأُسرى بين الأفراد داخل الأسرة والإنهيار الأخلاقي داخل المجتمع، كما أن كلمة سورة تأتي من كلمة سور، والتي تعني أن هذه سورة محاطة بالأخلاقيات والفضيلة والعفة للأمة الإسلامية والمسلمين، فهي المدينة الفاضلة لأخلاقيات المجتمع الإسلامي.، وسنتكلم على فضل السورة، وأسباب نزولها التي تعددت بتعدد المناسبات فيها، ومنها نستخرج بعض الدروس والعبر، ونختم بها.

 

فضل السورة:

 

1) عن حارثة بن مضرب قال: " كتب إلينا عمر بن الخطاب أن تعلموا سورة النساء والأحزاب والنور"(رواه القاسم بن سلام في فضائل القرآن، وأورده الشوكاني في فتح القدير).

 

2) أخرج ابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: قال رسول الله : "عَلِّمُوا رجالكم سورة المائدة، وعَلِّمُوا نسائكم سورة النور"(أورد الشوكاني وأورده الشوكاني في فتح القدير، وقال مرسل.

 

3) أخرج الحاكم عن أبي وائل قال حجت أنا وصاحب لي وابن عباس على الحج فجعل يقرأ سورة النور ويفسرها فقال صاحبي: سبحان الله ماذا يخرج من رأس هذا الرجل! لو سمعت هذا الترك لأسْلَمَتْ.(انظر سير النبلاء للذهبي 3/351).

 

 

سبب نزول السورة:

فقد ذكر أهل التفسير وعلوم القرآن الكريم عدة آيات في سورة النور لها أسباب نزول، وفي كل سبب نجد أحكاما مستفادة، و دروسا تربي الأفراد على الأداب والقيم والأخلاق، وترفع المقايسس الأخلاقية للمجتمع المسلم، وتبعده عن عادات وتقاليد الجاهلية، ليتأسس مجتمع جديد متماسك، يقوم على العفة والطهارة.

 فمن ذلك قول الله تعالى: "الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" {النــور:3}.

سبب نزول هذه الآية رقم (3) من سورة النور: أن امرأة كانت تسافح فأراد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأنزل الله تعالى الآية. (أخرجه النسائي ومثله في سنن أبي داود كما في أسباب النزول للسيوطي).

قال المفسرون(نقلا عن أسباب النزول للواحدي): قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين فقالوا: لو أنا تزوجنا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن، فاستأذنوا النبي في ذلك فنزلت هذه الآية وحرم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك

وذكر الطبري عن عكرمة (كما في تفسير ابن جرير الطبري ج9/262): نزلت الآية في نساء بغايا متعالجات بمكة والمدينة وكن كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفونها: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عمثلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، وقريبا جارية هلال ابن أنس.

 وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، ليتخذوهن مأكلة، فأنزل الله هذه الآية"الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" {النــور:3}، ونهى المؤمنين عن ذلك وحرمه عليهم.

وأورد ابن كثير حديثا للإمام أحمد وصححه الهيثمي في المجمع.: عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما : "أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها : " أم مهزول " كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه - قال: فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو : ذكر له أمرها - قال : فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين).

 

ومن ذلك آيات اللعان: كان سبب نزولها ما جرى لأحد الصحابة، أو لاثنين من الصحابة، قد أورد الإمام ابن كثير حديثا في ذلك (للإمام أحمد وصححه الشيخ شاكر): عن ابن عباس قال لما نزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)آية 4، قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أُنْزِلَتْ يا رسول الله؟ فقال رسول الله: ألا تسمعون يا معشر الانصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا يا رسول الله إنَّه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد : والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله ولكن قد تعجبت أن لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لأتي بهم حتى يقضي حاجته فما لبثوا إلا يسيرا، حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يهيجه حتى أصبح وغدا على رسول الله فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشيا فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ما جاء به واشتد عليه. فقال سعد بن عبادة : الآن يضرب رسول الله هلال ابن امية ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا. فقال هلال يا رسول الله إني قد أرى ما قد اشتد عليك مما جئتك والله يعلم إني لصادق، فوالله إن رسول الله يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي وكان إذا نزل عليه عرفوا ذلك في تربد جلده فامسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم )الآيات كلها فسري عن رسول الله، فقال أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا. فقال: هلا قد كنت أرجو ذاك من ربي. وذكر باقي الحديث وفيه الملاعنة، والحديث له شاهد في صحيح البخاري.

وتكررت الحادثة مع صحابي آخر: وأورد حديث الإمام ابن كثيرعن الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر روى أن رجلا من الأنصار دخل للمسجد، فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، فإن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ والله لأسألن عنه رسول الله، فلما كان من الغد أتى رسول الله فسأله فقال لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه او سكت سكت على غيظ فقال: اللهم افتح وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ)الآية، فابتلى به الرجل من بين الناس، فجاء هو وامراته إلى رسول الله فتلاعنا، فبدا بالرجل، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين" وأيضا فعلت المرأة: فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما"ورواه مسلم أيضا بنحوه، والحديث أصله في الصحيحين عن ابن عباس.

 

ومن أسباب نزول هذه السورة أيضا:

فهي نزلت تحتوي على آيات لتبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها بعد ما أشاعه عنها المنافقون في حادثة الإفك، من اتهامهم لها بصفوان بن المعطل رضي الله عنه، وهي المبرءة من السماء "إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ" آية 11. ولكشف ستر المنافقين، ولجرأتهم لإتهام زوجة رسول الله صلي الله عليه وسلم. وهي الزوجة (عائشة رضي الله عنها( التي نزلت براءتها في القرآن الكريم.

 

كان سبب نزول سورة النور أيضا: أن أبا بكر رضي الله عنه قطع النفقة عن مسطح بن أثاثة لاشتراكه في قصة الإفك على عائشة رضي الله عنها فحلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق عليه فأنزل الله تعالى الآية22: "وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"

"

والحاصل أن سورة النور من القرآن الذي نزل بالمدينة، فقد جاءت لعلاج أحوال المجتمع المسلم في المدينة، فلا يخلو مقطع منها من سبب نزل من أجله أو مشكلة جاء لحلها، وبإمكاننا أن نطلع على ذلك في أسباب النزول للسيوطي.

 

بعض الدروس المستفادة من هذه السورة وخاصة حادثة اففك:

فهذه السورة اشتملت علي كل الجوانب المحيطة بحادثة الإفك، وما يترتب عليها من سوء الظن، والعقوبات التي تترتب عليها، وكيفية اجتناب الشيطان ووساوسه، والتحذير الشديد منها، وأن نجعل الله عز وجل دائماً أمام أعيننا، وأن نتذكر العقوبات الناتجة عن هذا الإثم المبين.

 

أولاً: حسن الظن:

ونحن نجد في بداية السورة أن كل الآيات السابقة لهذه الآية ما هي الا مقدمة لتبرئه السيدة عائشة رضي الله عنها، ثم يتلوها هذه الآية (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) الآية 12، وترشد المسلمين لحسن الظن ببعضهم البعض، والابتعاد عن سوء الظن بالآخرين، كما أرشدنا عن التحرى وأهميته وإظهار الحقائق كما في هذه الآية الكريمة (لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) آية 13، كما يتبعها  هذا الوعظ الإلهي في الآية الكريمة 17 (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). فهي سورة لحماية أعراض البشر بصورة عامة، لذلك هي سورة الآداب والأخلاقيات الاجتماعية.

وهي تعني أيضاً أن حسن الظن بالناس من الأمور التي تبني عليها البيوت، وأن إساءة الظن بالناس من الممكن أن تتسبب في هدم المنازل المؤمنة، فهي موجهة للأزواج لرد البغيضة عن زوجاتهم في حالة أن يفسد شخص ما العلافة الزوجية والحميمية بينهم.

 

وفي الحلقة القادمة نستكمل الدروس المستفادة من هذه السورة الكريمة.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


نجلاء على هيكل

ماجستير التربية. الجامعة الأمريكية العالمية. الولايات المتحدة الأمريكية.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...