التربية وصناعة المستقبل

دعوة وتربية » نوافذ
07 - جماد أول - 1437 هـ| 16 - فبراير - 2016


1

     التربية هي الركيزة الأساسية التي تنهض بها كل الأمم؛ لذلك قالوا: إن وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة، والتربية ينبغي أن تكون مرتبطة بثقافة الأمة، وعقيدتها، وتاريخها، ومبادئها؛ ولذا فإن رجال التربية هم قادة كل مجتمع متقدم، حيث يشرفون على صناعة المستقبل، وبناء الأجيال التي ستقود سفينة الحياة إلى بر الأمان.    

 

      فالمعرفة والتربية هما جناحا الأمة التي تود أن ترتقي، وتلحق بركب الحياة؛ فإذا هاض (كسر) أحد الجناحين، فإن الطائر لا يقوى على الحركة، والتحليق في دنيا البشر.

 

     وبناء على ما تقدم يجب العمل على تحسين الأداء، وتجويده وتطويره بشكل مستمر؛ كي تبلغ العملية التربوية والتعليمية منزلة الجودة، والتي تهدف ـ في نهاية المطاف ـ إلى تنمية التفكير الإبداعي والابتكار عند أبنائنا الطلاب، وبناتنا الطالبات؛ كي تتخرج من محاضننا التعليمية أجيال واعية واعدة قادرة على مواجهة الحياة، وبناء المستقبل.

 

     وفي ضوء ما سبق فإننا نُثَمِّنُ المقولة التي تقول: إن مهمة التعليم والتربية مهمة شاقة وممتعة؛ فإن أخلص رجال التربية والتعليم النية في طلبهما – أُجِرُوا.

     إن الميدان الذي تتسابق فيه الأمم له ثلاثة أعمدة: التربية والتعليم، والقوة العسكرية، ونزاهة القضاء وعدالته.

     وعندما تضعضعت قوة الدولة البريطانية (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في ذلك الحين) وتخوف الانكليز من المستقبل قبل الحرب الكونية الثانية، طمأنهم تشرشل رئيس الوزراء: بأن بريطانيا قوية في علمها وفي قضائها.

 

     وبما أن سر قوة الأمم في تلكم الأعمدة الثلاثة؛ لذلك فإن الدول الناقصة السيادة تجد رقيها العلمي والتربوي يسير ببطء شديد، والتربية عندها دب فيها دود التقليد، وذوبان الذات في الآخر، وحرصت على إشباع غرائز أبنائها دون الاهتمام بالتربية على الأخلاق الحسنة، وبالتالي تفشت فيها ثقافة الفرج والبطن، وما بين الفكين، والدول الاستخرابية الممثلة بالدول العظمى تصرح بشكل سافر عن سياستها تجاه العالم الإسلامي بأن: أغرقوهم في حب المادة والشهوات، وكان غورو قائد الجيش الفرنسي الذي احتل بيروت ثم دمشق 1920م يقول: بما معناه: كأس وغانية تفعلان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر مما يفعله المدفع والدبابة.

 

     ولقد حذر المختار صلى الله عليه وسلم أمته من فتنة الدنيا والنساء والمال، وفي الحديث الشريف: "أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعث أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ إلى البحرَينِ يأْتي بجِزْيَتِها، وكان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صالحَ أهلَ البحرَينِ وأمَّرَ عليهمُ العَلاَءَ بنَ الحضْرَميِّ، فقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمالٍ مِن البحرَينِ، فسمعتِ الأنصارُ بِقُدُومِ أبي عُبَيْدَةَ، فوافوا صلاة الفجر معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما انصرف تَعَرَّضوا لهُ، فتبَسَّمَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين رآهم، ثم قال: (أظُنُّكم سمِعْتُم أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشَيءٍ). قالوا: أجل يا رسولَ اللهِ، قال: (فأبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكم، فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكني أخشى أن تُبْسَطَ عليكُمُ الدُّنيا، كما بُسطت على من كان من قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهْلِكَكُمْ كما أهلكتْهُم)رواه الشيخان. فحذر من التنافس على الدنيا بلا ضوابط من دين وخلق؛ لأن هذه الثقافة، تقافة الدنيا التي هي بعيدة كل البعد عن ثقافة الآخرة، وإن بدت جميلة في مظهرها؛ ولكنها تحمل في داخلها عوامل فنائها، ومثل هذه الثقافة والتربية ليس لها مستقبل محترم.

والله - سبحانه - وتعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فكل شيء هالك إلا وجهه، وكل ملك زائل إلا ملكه: "يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ* مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ" [سورة غافر: 39، 40]، فسمى الله الدنيا متاعًا. والمتاع ما يتمتع به صاحبه بُرهة ثم ينقطع، فهو أشبه بزاد المسافر، فلا تركنوا إلى الدنيا، فتلهيكم عن الآخرة: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة: 38].

 

 

     إن التربية الروحية التي تستمد منهجها من الكتاب والسنة، هي العاصم لنا، ولمستقبلنا من كل فتنة وعدو ومرض وضعف، وهي التي تحصن بها المسلمون الأوائل، فسادوا الدنيا في فترة وجيزة.

 

     الحاضر والمستقبل ينبغي أن يكون من أوليات اهتماماتنا، إذا ما أردنا أن يكون لنا قدم قوة ووجود في هذا العالم المتوحش، مع الأخذ بالأسباب والسنن التي جعلها الله مفاتحا لحياتنا في الدنيا، ضرورة شرعية وكونية. فعلينا أن نعي هذه الحقيقة التي لا تخفى عن ناظر كل ذي لب.   

لا تحسبن العلم ينفع وحده      ما  لم يتوج  ربه  بخلاق.

   

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...