"عيد الأم" ماذا يفعل في بلاد المسلمين؟ (1ـ2)

كتاب لها
10 - جمادى الآخرة - 1437 هـ| 20 - مارس - 2016


1

شخصية الأم  في دين الإسلام هي أكثر الشخصيات قداسة بعد الأنبياء، ولذلك كان ترتيب أداء حقها يأتي في أولويات العبادة بعد الإذعان لله تعالى بالتوحيد، قال تعالى:" وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً " سورة الإسراء / 23. وقد أمر الشرع الحنيف بتكريم الأم والحضّ على برها في كل وقت، وجعل حقها يزيد على حق الأب في البر بثلاثة أضعاف، ويقدم عليه إذا تعارضا.

 عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك"متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال:(مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ"سورة لقمان 14، فسوَّى بينهما في الوصاية، وخصّ الأم بالأمور الثلاثة، وقال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدَّم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك والصواب الأول. (فتح الباري10 / 402)، فكان الواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف في جميع الأوقات. وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها، والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع.

والحق أن الاحتفال بـ"عيد الأم" في البلاد الإسلامية ما هو إلا أحد صور التغريب (1) التي أغرِقَت بها الأمة المسلمة من قِبَل القوى الصليبية التي كانت تحتل أراضيها، إذ كانت تلك هي الخطة البديلة بعد أن فشل احتلال الأرض، فكان البديل هو احتلال العقول والنفوس عن طريق تصدير الثقافات والعادات، وصباغة المجتمع بصبغة غربية وصولاً إلى خلخلة الهوية الإسلامية وإضعافها إلى أقصى حد ممكن في نفوس المسلمين، حتى يصل بهم الأمر الانهزام النفسي الكامل أمام (الآخر)، فيقبلون ما لديه من القيم وعادات بالغة الهشاشة، بكل ترحيب وسرور!!

أعزائي القراء:

إذا كان لأهل الغرب من النصارى أو غيرهم وجاهةُ رأيٍ في أن يؤسسوا عيداً للأم يحتفلون به كل عام، بتفقد أمهاتهم وتقديم الهدايا أو التعبير لهن عن الاهتمام بشتى الصور، وقد ينطلقون في ذلك من منطلق إنساني ديني، فذلك لأن الأم تعاني في هذه المجتمعات من الإهمال والتهميش، وإذا راجعنا سبب حدوث هذا العيد تبين لنا ذلك:

فقد كانت م.جارفس: (1864-1948) صاحبة فكرة ومشروع جعل يوم عيد الأم إجازة رسمية في الولايات المتحدة، فهي لم تتزوج قط، وكانت شديدة الارتباط بوالدتها، وكانت ابنة للدير، وتدرس في مدرسة الأحد التابعة للكنيسة النظامية "أندرو" في جرافتون غرب فرجينيا، وبعد موت والدتها بسنتين بدأت حملة واسعة النطاق شملت رجال الأعمال والوزراء ورجال الكونجرس؛ لإعلان يوم عيد الأم عطلة رسمية في البلاد، وكان لديها شعور أن الأطفال لا يقدرون ما تفعله الأمهات خلال حياتهم، وكانت تأمل أن يزيد هذا اليوم من إحساس الأطفال والأبناء بالأمهات والآباء، وتقوى الروابط العائلية المفقودة.

وبعد ذلك قامت الكنيسة بتكريم الآنسة "آنا جارفس" في كل من: جرافتون غرب "فرجينيا" و"فلادلفيا" و"بنسلفانيا" في العاشر من مايو 1908م، وكانت هذه بداية الاحتفال بعيد الأم في الولايات المتحدة، ثم انتقلت الفكرة إلينا بعد خمسين عاماً.

 وفي الحلقة القادمة نتناول موضوعنا لنبين ملابسات انتقاله إلى بلادنا العربية وانتشاره بها رغم أنه تقليد غربي. فإلى اللقاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • عودة الحجاب ج/2: د.محمد اسماعيل المقدم.
  • المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية:عبد الله بن حمد الشبانة.

 

(1) التغريب: اتجاه شاع في كثير من شعوب الشرق منذ القرن التاسع عشر، يقوم على الأخذ بالنظم والعادات وغيرها من مظاهر المدينة الغربية والعمل بها. وهو أيضاً: تيار فكري ذو أبعاد سياسة واجتماعية وثقافية وفنية ويرمي إلى صبغ حياة الأمة الإسلامية بصبغة غربية.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...