حصة الأسد

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
14 - شعبان - 1437 هـ| 22 - مايو - 2016


1

كان يا مكان ، في قديم الزمان، الغربال في التبن. وكان أسد في غابة قانونها سائد فيها. حيوانات الغابة كلها تحت سيطرة الأسد. فرض ضريبة على كل الحيوانات، من النملة إلى الفيل، والطير والذئاب، كلها تدفع الضريبة. اسم هذه الضريبة (حصة الأسد). حيوانات الغابة جميعها تعمل، تكدح، تشقى، يتعرق ما تحت ذيولها، لتقتطع الى سيدها أفضل قطعة، وتقدمها كضريبة حصة الأسد، أفضل الإجاص لا يأكله الدب، بل يعطيه للأسد، يقدم الذئب كبد الغزال الذي يصطاده للأسد، واذا علق ديك بأنياب ثعلب، يصبح الثعلب مضطراً ليعطي ألذّ قطعة منه وهي الزّور) للأسد.

 

يتمطرق الأسد في القصر، يأكل ويشرب مرتاحاً مسروراً وسط الراقصين والمنافقين من القرود والحكماء والعلماء من الببغاوات، والمطربين من الغربان، أحيانا يخرج، ليقوم بعمل من جهة، وليهيب رعيته من جهة أخرى، فيستعرض جسمه، يلوح بذيله، يلعق شاربيه، يزأر مرة أو مرتين، ثم يعود إلى القصر ليغوص في ملذاته.

 

وخوفاً من أن تضع الحيوانات عقولها في رؤوسها وتثور يوماً،  ومن قبيل الحيطة، وضع الأسد في قصره كلابا للحراسة، ولأن ما كان يأخذه من الحيوانات كضريبة (حصة الأسد) كان كثيراً جداً، فقد كان يرمي فضلاته للكلاب الحارسة القصر.

 

راح يوم، جاء يوم، اندلعت في إحدى الغابات المجاورة ثورة. الحمامات، جلبن الخبر بأجنحتهن. إذ ذاك أيقنت الحيوانات أن الأسد على باطل. رفعت البلابل أصواتها أولاً:

- لماذا نعطي (حصة الأسد) لأسد مسن هفتان؟

وراحت تزقزق وتتأوّه: حق، عدالة، حرية، مساواة!.

سمعت كلاب الأزقة نجاوى البلابل، فركضت لكونها مكلفة بهذا العمل، وأخبرت كلاب الفينو بالأمر. نبحت كلاب الفينو منادية الكلاب الذئبية الأضخم منها، نبحت الكلاب الذئبية لرؤسائها من كلاب الرعاة. وهكذا دواليك حتى وصل الخبر الى الأسد حاكم الغابة.

تفكر الأسد بالأمر، ثم اهتدى الى طريقة تساعده على فرط الموضوع بالحسنى. أصدر أمره إلى كلب صيد من كلابه بأن ينقل للبلابل هذا البلاغ:

 

- إي يا رعاياي البلابل. تسربت – على ما سمعت – أخبار مفسدة من الغابات الأجنبية إلى غابتنا التي تعيش في هناء، هدفها أن تزعزع الوحدة والتلاحم السائدين في غاباتنا، وها أنتم أولا بدأتم تزقزقون (حرية). يا رعاياي البلابل ذات الأصوات الجميلية، حطوا عقولكم في رؤوسكم!. لماذا تثرثرون وتحرضون حيوانات الغابة، وتعملون على إثارة الفتنة، بدلا من أن تزقزقوا وتغردوا فوق شجيرات الورد؟. تعالوا جميعا إلى القصر !.. سلّوني بأغانيكم العذبة! ذلكم هو الفن! وأنا أعطيكم من حصة الأسد ما يشبعكم.

 وإذا كان من بينكم محبون للحرية لا يفضلون المجيء الى القصر فليثرثروا بقدر ما يشاؤون للورود، وأنا أرضيهم من (النفقات المستورة). أما إن كان منكم من يصر على ارتكاب خلاف هذا، فان العدالة ستأخذ مجراها. ومخلبي يطالكم جميعا!

 

فور سماع هذا الخبر ركض (طار) معظم البلابل إلى القصر. وضعها الأسد في أقفاص ذهبية، وخصّص لها شيئا من حصة الأسد، وقد بدأت كي تسلي سادتها وتفرح قلوبهم، تمتدحهم وتغرد لهم.

وانقطع النفس والصوت في الغابة. وبالرغم من كل ما كان يحصل، بقي بعض بلابل في الغابة، عاندت وقالت:  "القفص قفص، سواء كان ذهبيا أو حديديا ". وترنمت :

-يا عذابك ايها البلبل…  يا عذابك!

نقلت الكلاب النبأ الى الأسد بهز ذيولها، فانتفض الأسد حانقا .

- لم يبق علي حق. بلاء البلابل في ألسنتها. لتقطع ألسنة البلابل التي لم تسكت!

ولدى صدور قانون الغابة الجديد هذا، صاروا كلما قبضوا على بلبل يتأوه، قطعوا لسانه. صارت البلابل المقطوعة الألسنة تشكو همومها وعذاباتها بإشارات من الأعين والحواجب. منعت إشارات العيون والحواجب، ثم أصدر الأسد، بعد أن أيقن أنه لا يمكن الوقوف في وجه البلابل المقصوصة الألسنة، قانون غابه جديد يقضي بقطع رؤوس المتمردين.

أصبحت الغابة ساكنة، ساكنة، لكن ماذا تعمل الكلاب؟ يجب أن تعمل حتى تأخذ من حصة الأسد على حسب العمل الذي تقدمه للملك، ولتترق وتترفع.

بدأت تجول في الغابة، لا شيء، لا يمكن سماع همسه، لكن مع هذا يجب أن توجد بعض الأشياء، ولكي تعرف ما إذا كان ما يزال ثمة بلابل مخربة هدامة، دارت الكلاب في أرجاء الغابة. وبعد بحث وتدقيق قام بهما كلب صيد وكلب فينو، وجدا بلبلاً واقفاً على غصن شجيرة ورد، كان البلبل المسكين لا يستطيع أن يغرد أو حتى يغمز. كان  من كبر همه، يغرس الشوك في صدره فيقطر دمه على الوردة، وتنبس من عينيه قطرات ناعمة من الدمع، فكرا بحيلة يغضبان بها البلبل ليجعلاه يتكلم حتى يخبرا الأسد بذلك ويستفيدا.

قال الفينو:

- نعم يا أخي البلبل، نعمل ونشقى ثم نطعم الأسد؟ ما هذا الإجحاف؟ ما هذا التفريق؟

لم يبلع البلبل حيلة الكلبين، لكن كلب الصيد وكلب الفينو نبحا وبكيا، فلم يعد البلبل يطيق صبرا فخرجت من فمه كلمه واحدة :

- صحيح .

-ماذا؟ صحيح؟

وركض الكلبان بأقصى ما يستطيعان، أخبرا الملك بذلك، قال الأسد:

- امسكوه، من يمسكه اجعله رئيس حرس القصر.

ركض الكلبان الى البلبل، نبح كلب الصيد قائلا :

- يا أخي البلبل! إنك تتعب نفسك ولسانك ليلا ونهارا من أجل توعية إخوتنا الحيوانات في الغابة. واضح أنك مرهق للغاية، نم هنا وارتح، نحن نحرسك فلا يستطيع أحد أن يلمس منك ريشة .

صدق البلبل المسكين هذا الكلام، إذ استطاع كلب الصيد التظاهر بالتأثر، وكان البلبل قد أمضى أياما دون نوم، فصدق. أغمض عينيه، وبمجرد اغماضهما غط في نوم عميق. فهل يقف كلب الفينو ؟ هرررررت!. أمسك بالبلبل من جناحيه. عرف البلبل أنه وقع في الفخ، لكن ماذا تجديه هذه المعرفة بعد أن صار الذي صار ومسك به من جناحيه؟!

أخذ كلب الفينو البلبل في فمه وركض، ركض حتى يصل للقصر قبل كلب الصيد، وينال المكافاة من الأسد، لكن هل يقف كلب الصيد متفرجاً؟ لحق بالفينو، نصب له شركا كي يأخذ البلبل من فمه. قال له:

- يا أخي الفينو! تمهل قليلا حتى نصل كلانا إلى حضرة سيدنا الأسد، وننبح معا لنأخذ البشارة.

ولما تمهل الفينو، انقض كلب الصيد على ذيله، صار جناحا البلبل في فم الفينو، وذيل الفينو بين أنياب كلب الصيد. فكر البلبل بخدعة ينقذ بها نفسه من الكلبين فقال:

- يا أخوي الكلبين. لقد قبضتما علي. ومن ذا الذي يعرف ماذا سيقدم لكما سيدنا لقاء هذه الخدمة؟ تعالا، بدلا من الهدية التي سيعطيكما إياها، ندع لسيدنا الأسد يطول العمر ونصفق له!..

شك الكلبان في الأمر، لكنهما من خوفهما من أن يقال: إنهما لم يدعوا لسعادة سيدهما، ولم يصفقا له، وفي مثل هذه الحالة قد يشي أحدهما بالآخر، كانا مضطرين إلى تنفيذ ما اقترحه البلبل.

لكي يصفق كلب الصيد، أفلت ذيل الفينو من بين أنيابه. ولكي يدعو الفينو للملك فتح فمه وفرر. طار البلبل وحط على غصن وردة.

وهنا أطلق البلبل، لأول مره في حياته شتيمة كبيرة. قال:

-الذي يصدق كلام الكلب بعد اليوم فهو:

ونبح كلب الفينو الذي خسر صيده قائلاً:

- الذي يصدق كلام البلابل هو:

شكك كلب الصيد بتعقل قائلاً:

والذي يصفق لسيده قبل أن يقبض المكافأة فهو:

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...