مفاهيم مغلوطة في ولاية الرجل على امرأته (1ـ 2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

مفاهيم مغلوطة في ولاية الرجل على امرأته (1ـ 2)

كتاب لها
15 - ذو الحجة - 1437 هـ| 18 - سبتمبر - 2016


1

نقرر ابتداء أنه لا ولاية للرجل على زوجته، لأن الولاية تكون للأعلى تجاه الأدنى، والحياة الزوجية مبنية على الشراكة بين الزوجين، فعقد الزواج هو ـ في المقام الأول- شراكة اجتماعية بين طرفين، هما الرجل والمرأة، ويتم بإيجاب وقبول بينهما، غير أنه لما كان الزواج شراكة، فهو مثل الشراكات لابد فيه من يدير هذه الشركة الاجتماعية؛ فكان حقا للرجل دون المرأة، غير أن الشراكة قائمة على أن كل واحد منهما له حقوق وعليه واجبات، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]، وذلك تقسيما للأدوار في مؤسسة الزواج، وشأن أي نوع من الشراكة، فإن مدير الشركة ليس مطلق التصرفات، بل هو أمين على تطبيق اللائحة الداخلية المنظمة للمؤسسة، وقوانين اللائحة الداخلية للأسرة مأخوذة من الكتاب والسنة؛ فهي لائحة تشريعية تضمن استقامة الحياة الزوجية من لدن رب العالمين.

فالقوامة تعني المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: من الآية34). وقوله تعالى: {لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا}آل عمران75 أي: ملازما محافظا. (تاج العروس ، ج33/ 317، و لسان العرب (12/ 497)

وحقيقة القوامة تتمثل في رعاية الرجل زوجته والقيام بمصالحها، وهي بهذا المعنى تخرج عن معنى السلطة، لكن الزوج له حق الطاعة على زوجته في غير معصية، فتكون القوامة لصالح المرأة؛ فزوجها هو قيمها الذي يرعى مصالحها وفق ما أبان الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة، ووفق ما تكون فيه مصلحة الأسرة والحياة الزوجية.

أما الولاية فهي سلطة تخول صاحبها التصرف في شؤون المولى عليه دون الرجوع إليه أو أخذ إذنه، والحق أن هذا المعنى لا ينطبق على العلاقة بين الرجل وزوجته، وإنما يتعلق بعلاقة الفتاة بأبيها أو جدها، وكذلك قد تكون للولد إن كان بالغا، فيتولى عقد النكاح عن أمه، كما تولى عمر ابن أم سلمة نكاح أمه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قالت له: "قم فزوج رسول الله"(1)، بل قدم بعض الفقهاء ولاية الولد على الأب في النكاح.

ولكن يأتي التساؤل هنا: لما جعلت الولاية لأصل الزوجة كالأب والجد، وجعلت القوامة للزوج؟

والجواب: أن الولاية لما كانت سلطة تصرف بغير إذن المولى عليها، كان من الأوفق أن تكون لمن سعيه لمصلحة المرأة من باب الفطرة لا من باب التكسب والمجاهدة، وأن الوالد ومن في مقامه  -في غالب الأمر- يكون سعيه لمصلحة ابنته ليس محلا للخلاف، فهو مفطور على ذلك؛ فوافق أن تكون له السلطة، ومن خالف هذه الفطرة، كأن يتعسف بعض الآباء في تزويج بناتهم؛ فإن من حق البنت أن ترفع أمرها للقاضي؛ لأن صاحب سلطة الولاية – وهو الأب- خالف المقصد الشرعي الذي من أجله جعل الشارع السلطة في يده، فترفعه إلى من هو أكبر منه، وهو الحاكم ومن يقوم مقامه من القضاة، وهو ما يعرف في الفقه بـ" تعسف الولي"، فإن كان الزوج المتقدم كفئا لها؛ أجبر القاضي صاحب سلطة الولاية كالأب على الموافقة، أو نزع منه السلطة، وتولاها هو وزوجها من الكفء لها؛ لأن (الولاية منوطة بالمصلحة)، كما قرر الفقهاء في قواعدهم.

أما القوامة فهي للرجل على زوجته، والقوامة هو أن يقوم على مصلحتها من الإنفاق عليها، وحمايتها وحراستها، وتدبير شأنها؛ فهذا من مقتضيات عقد النكاح، وفي المقابل، فله عليها حق الطاعة، والقرار في البيت إلا بإذنه، وأن تحفظ نفسها وماله، فكانت القوامة من مقتضيات عقد النكاح، فلا محل للسلطة هنا؛ لأن عقد النكاح شراكة اجتماعية قائمة على الحقوق والواجبات المتبادلة، فناسبها القوامة لا الولاية، وهو باللغة المعاصر ما يسمى بالمدير، كما هو الشأن في كل الشراكات.

ومما لا شك فيه أن الولاية أقوى من القوامة، وحق الوالد أكبر من حق الزوج، غير أن انتقال المرأة من بيت أبيها إلى بيت زوجها؛ أوجب طاعة الزوج؛ باعتباره أحد بنود عقد النكاح، وطاعة المرأة زوجها في بيت الزوجية مقدمة على طاعة والدها، إن كان ثمة تعارض بين طاعة كل منهما، أما إن كان يمكن الجمع بينهما، فتطيع المرأة والدها كما تطيع زوجها؛ لأن طاعة الزوج غير ناسخة لطاعة الوالد.

بل استثنى بعض الفقهاء من وجوب استئذان المرأة زوجها في الخروج: بر الوالدين، والقيام بشأنهما خاصة في حالة المرض الذي لا يجد الوالدان معه من يقوم بتمريضهما إلا ابنتهما، واستثنى الفقهاء استئذان الزوج في حج الفريضة؛ لأن حق الله تعالى مقدم على حج الزوج.

على أنه لا يتصور أن المرأة حبيسة الوالد والزوج، وأنه لا حق لها في نفسها، بل قرر الفقهاء أن الولاية أنواع، منها: الولاية على النفس، والولاية على الغير، ومثلوا على الولاية على الغير ولاية الأب على ابنته في النكاح، لكن المرأة قد تكون لها ولاية خاصة على نفسها، سواء كانت في بيت والدها، أو في بيت زوجها، فهي لها ولاية خاصة على نفسها في مالها، وقد قرر الفقهاء أن للمرأة ذمة مالية خاصة، سواء كان هذا المال من كسب يدها بموافقة زوجها للخروج للعمل، أو كان من ميراث، أو من هبة، أو من أي طريق شرعي، ولا يحل للزوج أن يتدخل في مال زوجته إلا بالنصيحة والإرشاد، وليس له عليها ولاية أو قوامة ولا أي نوع من السلطة، وقد تتاجر المرأة وهي في بيتها، أو تدير أموالها دون أن تخرج، فإن احتاجت للخروج استأذنت زوجها.

ونستكمل حديثنا في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم، وابن سعد، وضعفه عدد من العلماء، منهم الألباني في الإرواء.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...