الرجل الشبح (1-2)

واحة الطفولة » واحة القصص
15 - محرم - 1438 هـ| 17 - اكتوبر - 2016


1

فجأة ارتعشت الأرض، وارتدت من تحت أقدام الناس، وتشققت الطرقات، وتهدمت البنايات في لحظات معدودة، ومن كل المسارب سقطت الجسور، واندفع الناس فزعا من الخوف على حياتهم يصيحون يستغيثون إنها الكارثة! إنها الكارثة! إنه الزلزال!. ماعدا شخص واحد ظل يتأمل ما جرى في دهشة، وكأنه غير مبال لما يجري، فتسمع الناس يقولون له: ابتعد يا رجل، لا تبق هنا!

وبعد برهة من الزمن، بدأ يتحرك عندما هدأ الزلزال، وهو يسمع صياح وعويل وأنين النساء والأطفال من تحت الأنقاض، لكن الزلزال قاس، فقد عاود الرجة، هذه المرة خفيفة نعم خفيفة بعدما دمر كل شيء، فتذكر الرجل الآية القرآنية: "إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا {1} وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا {2} وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا"صدق الله العظيم.

الكل خرج، ولكن المنافذ انسدت أمام الناس، والشوارع غصت وأصبحت ركاما من الحجارة والأتربة والفوضى دبت في كل مكان!

ملامح المدينة تغيرت فجأة.

قال بصوت أجش - رخيم - حزين: آه! أين ذهب بك الزلزال يا مدينتي!، آه! لم يبق أمامي أي حل، سوى أن أشمر على ساعدي، وأكون متيقظا للغاية،  وأساعد أبناء جلدتي.

تقدم نحوه مسؤول عن المدينة المنكوبة، وسأله: من تكون؟

رد عليه قائلا: أنا الرجل الشبح!

تعجب المسؤول ونظر إليه قائلا: هيا ابتعد من هذا المكان أيها الشبح، قد تعرض نفسك للأذى!

الشبح لم يهتم بالمسؤول، بل واصل طريقه وتقدم نحو الأنقاض و بيده منديل أبيض.

وبعد برهة من الزمن، شبع الرجل الشبح تأملا فيما ألت إليه الأوضاع بعد الكارثة، و قرر أن يندفع بجسده غير مبال بالأخطار التي تحدق به من كل جانب، و هو يرى بأم عينيه الفزع الكبير والفوضى والناس تهرول وتولول، والرجل كعادته غير عابئ لما حصل، ولا يريد أن يستسلم للهزيمة ومرارة الضياع، ويأبى أن يطيع من جاءه صارخا في وجهه: هيا ابتعد  من هنا، فقد تعرض حياتك للخطر!

لكن الشبح رفض الابتعاد، وشمر عن ذراعيه، وتقدم ثابت الخطى حذرا، مسرعا لكل من طلب النجدة، يتحول بين الركام، تحت وفوق الأنقاض، وبين حطام وحطام و كل من يصيح و يستغيث، يتوقف ليفكر قليلا: كيف سينقذه؟  وبأي طريقة يمكن ضمان نجاته، ولا يتركه لوحده يواجه مصيره، فتراه يقترب منه،  ويهدئ من روعه، ثم يبدأ عمله، ويخرجه من تحت الأنقاض بسلاسة، وبأخف الأضرار.

رجال الإنقاذ قالوا له: هيا ابتعد أيها الرجل، اتركنا نقوم بعملنا، فالمكان خطر عليك، إنك تلعب بالنار، وستلقى حتفك!

التفت إليهم مبتسما ـ رغم المرارة ـ وقال: دعكم من هذا الكلام، فلا مفر من الموت،  ثم إن الإنسان خلق من أجل مساعدة الآخرين، هكذا أوصانا الله سبحانه و تعالى.

الرجل الشبح مد يده بشجاعة ليجذب هذا الطفل، و يخرج ذاك من تحت الأنقاض، و يجذب هذه الطفلة أو تلك المرأة، وهذا الشيخ المسن يرفعه على ظهره ويوصله إلى مكان آمن، ثم يعيد الكرة.  وهكذا كان حقا منقذا شجاعا بل بطلا.

المنقذون من رجال المطافئ وعناصر الجيش، وعلى رؤوسهم قبعات سوداء خدشتها الحجارة، و امتلأ وجههم بالغبار وأيديهم ملطخة بالدماء، أعجبوا بشجاعته، و الرجل لم يجد بدا غير التحدي، رغم أن الأخشاب تهوي على جسمه النحيف، يعانق الكلس(الجير) ويقاوم بشدة، وبيديه ورجليه، لا معول ولا فأس يحملهما.

وفي المرة القادمة نرى ماذا فعل الرجل الشبح!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- جيهان مبارك - مصر

18 - محرم - 1438 هـ| 20 - اكتوبر - 2016




من خلال قرائتي للنص لاحظت انه نص روائي ناجح وفيه بناء و حبكة و احداث و شخصيات عرف الكاتب كيف يصنع الحدث بصياغة فيه فن و ابداع تجعل القارئ ينتظر بقية الأحداث و يتخيلها كيف ستكون النهاية شكرا لكاتبنا الأستاذ رضا على هذا العمل الأدبي الراقي و شكرا لموقع لها أونلاين صديقتكم جيهان مبارك جمهورية مصر العربية

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...