رثاء الأمهات والأقارب في شعر حيدر الغدير (1من2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

رثاء الأمهات والأقارب في شعر حيدر الغدير (1من2)

أدب وفن » آراء وقراءات
19 - محرم - 1438 هـ| 21 - اكتوبر - 2016


1

للأم مكانة عظيمة لدى أبنائها، وطوبى لمن وفقهم الله في برها، والعمل في كسب رضائها، وتحضرني الجملة الجميلة التي قالها الدكتور الأديب صالح العايد: "يظل الرجل طفلاً حتى تموت أمه!"، وهو يحكي لنا بره بأمه، وقصة وفاتها ودفنها في الكتيب الذي جعل عنوانه تلك الجملة الرائعة في التعبير عن العلاقة بين الأبناء والأمهات.

 

والشاعر حيدر الغدير بنفسه المرهفة الشاعرة، وملكته الشعرية المبدعة؛ يصور لنا تأثره بوفاة أمه ـ رحمها الله ـ وهو يعود بنا إلى ذكريات مختلفة معها من ماضيه البعيد والقريب، ويذكرنا بذلك بأمهاتنا اللائي قد ننساهن في زحمة الحياة، فنتخلف عن القيام بواجب البر والإحسان بالدعاء لهن بعد وفاتهن.

 

وعنوان قصيدته (قد كنت أرجو، ص119 من ديوان من يطفئ الشمس) يلفت النظر، ويشد الانتباه إلى هذا الذي كان الشاعر يرجوه، ويجعلنا نتطلع إلى معرفته. وقد كتب الشاعر على عادته في القصائد المهمة مقدمة نثرية تضعنا في جو التجربة الشعرية التي عايشها وكتب قصيدته فيها، فيقول: "إلى الوالدة الغالية التي أكرمها الله بميتة طيبة فجر الأربعاء16/10/1424هـ-  10/12/2003م لتكون ختاماً حسناً لسيرتها المؤمنة، وحياتها المرزّأة، وشكرها الدائم، ودعائها الطويل، وصبرها الجميل".

 

ولا ننتظر طويلا لنعرف ما الذي كان يرجوه الشاعر، فنجد قصيدته تبدأ بالجملة نفسها التي صارت عنوان القصيدة، يقول الغدير:

 

قد كنتُ أرجو أن أضمَّ ثراك  

وترينني قبلَ الردى وأراك

 

وأقبّلَ الكفَ الطهور متمتماً  

بالآي آمل أن أحوز رضاك

 

وأنام بين يديك نومةَ هانئ  

وكأنني وبيَ المشيب فتاك

 

وكأنني الطفل الذي رضع الهدى  

والدَرَّ منك ودفأه وحجاك

 

وتجول في الوجه المكرم مقلتي  

وتجول فيّ سعيدةً عيناك

 

لكنْ سبقتِ وكلنا في رحلة  

يجتازها الراضي بها والشاكي

 

هذه هي المقولة نفسها. طفولة الرجل بين يدي أمه! الأم التي ماتت وولدها المحب البار بعيد عنها، لا يستطيع الوصول إليها عندما يريد، فبقي ظامئا للقائها، وضم ترابها بين كفيه، وتقبيل كفها الطهور الحاني التي ربته، ومسحت على رأسه، وهزت مهده وهدهدته، وهي تعوذه بآيات الله لينام هانئا هادئا، فهو يريد أن يكافئ تلك الكف بالتقبيل شكرا على ما قدمت؛ ليسدي لها بعض إحسانها. لا..لا.. إنه يريد أن يعود طفلا صغيرا يضع رأسه في حجرها، مستشعرا حنانها وينام قرير العين يملؤه إحساس الأمان الذي يستشعره الطفل الصغير الحائر حين يعود إلى أمه، وليتطلع بعينيه في الوجه المكرم الوقور، ويتشبع من رؤيتها مستشعرا أنها هي هي الأم التي جمع الله سبحانه بين عبادته والإحسان إليها!

 

 ولكن! انقطعت الأماني والآمال دون تحقيق ما كان يرجو، فقد سبقته، بل سبقهما القضاء بالرحيل، وهي رحلة مقضية على الإنسان راضيا كان أم شاكيا.

 

لقد رحلت الأم الأبية، العالية الهمة، المؤمنة بأن العمر برق خادع، فلذلك زهدت فيها زهد الصالحين، وجعلت أمرها لله وحده في السراء والضراء، فشكرت وصبرت، حتى جاء أمر الله الذي لا يرد. فلقيت ربها برضى المؤمنة، فكان قبرها بإذن الله روضة من رياض الجنة، يقول الشاعر:

 

ووجدتِ في القبر المنوَّر روضةً  

                     طابت بعاقبةِ التقى وشذاك

 

ممطورةً بالآيِ قد رتَّلتِها  

وجزيلِ ما جادت به يمناك

 

والشكرِ قد أُشْرِبْتِه وعشقتهِ  

فغدا لك الكنزَ الذي أعلاك

 

والشوقِ للفردوس وَهْوَ المنتهى

                   إني لأقسم أنه مثواك

 

ويتذكر الشاعر أشياء كثيرة، ولكن أعظمها لقاؤه بأمه عندما جاءت حاجة بيت الله الحرام، فتحركت أشواقها، وسالت دموعها، وكم عبرت عن فرحتها بلسانها، وما لم تعبر عنه مما في قلبها أكثر:

 

والذكريات كثيرةٌ وأجلّها  

لما رأيتُ الحجَ قد ناداك

 

فعدتكِ أشواق وسالت دمعة  

وتزاحمت في أصغريك رؤاك

 

مسكين هذا الولد الحبيب البار، الذي جاء يسأل أمه عن سبب بكائها!؟

 

وعظيمة تلك الأم المؤمنة التي أخفت حقيقة مشاعرها مع ربها عن ولدها لتقول له: إنها محمومة!! يقول الشاعر الغدير:

 

وأتيتُ أسألكِ الأناةَ فقلتِ لي:         محمومةً، والشوقُ قد أضناك   

الحـــجُ أكرمُ أمنيـــــاتي إنها          أبداً معي في هدأتي وحَراكي

 

إذاً فهي دموع الفرح والشكر أن حقق الله لها أمنيتها بزيارة البيت الحرام، وأداء مناسك الحج، وإذ تكون أمام البيت ينتشر الرضا على وجهها، سائلة الرضا من الله سبحانه عنها، يقول الشاعر:

 

ورأيتِ بيتَ الله فانهلَّ الرضـــــا              كالغيثِ في ريعانه فرواك

 وبسمتِ والرضوانُ فيك غلالة              وسألتِ مالكه الرضا فحباك

    فرجعتِ مَحْضَ السعدِ في محضِ الرضا            عيناك تشكر ربّها ويداك

 

ويتعلق الشاعر بأمر آخر، وهو الحصول على دعاء الأم، الأم التي لا تنقطع عن الدعاء، فهو دأبها وديدنها، ويسألها أن تدعو له، فتستجيب وتدعو، يقول الشاعر:

 

أما الدعاءُ وأنتِ مَنْ أدمنتِه                  فغدا المنى محبورةً وشِفاك

وطمعتُ فيك ويا له من مطمع               أن تجعلي لي حصةً بدعاك

 فهششتِ لي وبششتِ لي ودعوتِ لي       وأجدتِ ثم أطلتِ لي بثناك

 فشعرتُ أن مكاسبي لا تنتهي            وشعرت أني في ذرى الأفلاك

 

أما وقد انقطعت هي عن الحياة، ولم يبق لها من عمل صالح يصلها سوى ولد صالح يدعو لها، فليكن شاعرنا ذلك الولد إن كان يستطيع أن يكون، وطوبى إن كان! يقول الشاعر عن نفسه:

 

 أترينني أنساكِ؟ كلا والذي             خلق الوفاء الحرَّ لنْ أنساك

 وأنا الوفيّ وتعلمين شمائلي         وَهْيَ التي شبّت على نعماك

 سأظلّ أهتف بالدعاء لك المدى       وتظــــــلّ فيَّ طريةً ذكراك

 

لقد رحلت الأم الحنون إلى ربها راضية مرضية بإذن الله، وعسى أن تكون دعواتها، قبلت!

 وينهي الشاعر الغدير قصيدته بالتنبيه على حقيقة الموت، وحقيقة ما ينتظر الناس بعد الموت، وعسى أن يلحق الله سبحانه الذرية الصالحة بالوالدين في جنان النعيم، يقول الغدير:

 

أماه إن الموتَ غايتنا التي            تطوي قناةَ البَـرِّ والأفاك

والحشرُ موعدُ صادقٍ ومنافقٍ      وأخي البكاء الحق والمتباكي

 أماه إن عزَّ اللقاء وفاتني           فغداً يطيب على الجنان لقاك

 

 ونحن نقول معه: غدا يطيب على الجنان لقاء الآباء والأمهات.  ذرية صالحة بعضها من بعض.

 وقد توفيت والدة الشاعر في سورية بمدينة دير الزور، ولم يكن يستطيع لقاءها، ولا حضور جنازتها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...