الرحمة وآثارها التربوية في ضوء ما يجري في سورية والعراق لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الرحمة وآثارها التربوية في ضوء ما يجري في سورية والعراق

دعوة وتربية » سنن وفضائل
23 - محرم - 1438 هـ| 25 - اكتوبر - 2016


1

    الرحمة خلق نبيل أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ"رواه البخاري وفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ" وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: "مَنْ لَا يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ"

     إن غلاظ الأكباد من الجبارين، والمستكبرين - هم في الدرك الأسفل من الانحطاط الخلقي، وإن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة؛ فهي أبدا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الغضب والضغينة.      

 

     الرحمة كمال في الطبيعة البشرية يجعل المرء يرق لآلام الخلق، ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم، فيتمنى لهم الهدى.

 والقسوة ارتكاس بالفطرة إلى منزلة البهائم. بل إن الحيوان قد تجيش فيه مشاعر مبهمة تعطفه على ذراريه، وفي الحديث: عنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي" (رواه الترمذي وقال:حسن غريب، وضعفه الألباني).

      وإن مما نراه في الأرض من تواد وبشاشة، وتعاطف وبر، أثر من رحمة الله التي أودع جزءا منها في قلوب الخلائق؛ فأرق الناس أفئدة، أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة، وأرهفهم إحساسا بحياة الضعفاء.

     إننا نعيش في عصر تصحرت فيه قلوب كثير من الناس، ولا سيما الذين بيدهم مقاليد التوجيه والتغيير في هذا العالم، وقد اغتصبوا حرية الإنسان والتي هي هبة الله إلى البشر، واستولوا على عقله، وتحكموا في أحاسيسه ومفاهيمه؛ وهم بعيدون عن منهج الحق سبحانه؛ فهؤلاء أذاقوا بني آدم كؤوس الذل والمهانة، وانتزعوا من البشر أخلاقهم وكراماتهم، وأجبروا الناس على السير في هذه الحياة في ضوء منكوس، وفكر أعوج، وعقيدة سمجة، ومنهج هو للحياة الحيوانية أقرب، فإن لم يستجيبوا فالموت البشع ينتظرهم، ينزل عليهم بأساليب لم يعرفها عالم الحيوانات.

     "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ"، وهذه الرحمة تشمل الإنسان، والحيوان، فإذا ذبحتها فأحِدَّ شفرتك لتريح ذبيحتك.

     إن ما نشاهده مما يجري في سورية وبقية مناطق العالم (بواسطة آلات التدمير الوحشية، كالطيران الحربي، ورمي الناس بالأسلحة الكيميائية، والقنابل الفراغية والعنقودية والبراميل المتفجرة) من تدمير، وقتل وتهجير، وتعذيب، وتجويع وحرمان الناس من الاستشفاء، وتهجير، وسلب ونهب، وترويع، وتغيير قناعات الناس بالقوة، ليدل على فقدان قلوب الأشقياء (الذين فقدوا الرحمة) من شآبيب العطف والحنان، وأولئكم  ذئاب البشر أبوا إلا الاعتراض على الرحمة المرسلة من الرحمن إلى عباده، والتي شملت البر والفاجر والشجر والحيوان، والطير وخاصة أصحاب الأمراض والعاهات والمعوقين، وذوي الاحتياجات الخاصة.

     إن القسوة التي استنكرها الإسلام: جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة. إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى، وأما الرحمة فهي أثر من الجمال الإلهي الباقي في طبائع البشر يحدوهم إلى البر، ويهب عليهم في الأزمات الخانقة ريحا بليلة ترطب الحياة، وتنعش الصدور.

     ومن مواطن الرحمة أن ننصر المظلومين، و أن نحسن معاملة الخدم، ونعطف على المرضى والمصابين والأيتام والأرامل، وأن نرفق بالحيوان؛ وإن القسوة معهم جرم عظيم.

     إن أولئك الذين يدمرون المشافي على رؤوس مرضاها، ويقتلون الأطفال، ويقطعون الشجر والزرع، ويهدمون البيوت على رؤوس ساكنيها، وفيها العجزة، وكبار السن والنساء، هم قساة القلوب، والقسوة دليل على نقص كبير في خلق الإنسان وجبلته.

الرحمة يا عباد الله: وقد وصف الله تعالى نفسه بالرحمة في كثير من الآيات القرآنية، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَالبقرة 64. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾البقرة 173. وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾الأنعام12، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾الأعراف 156، قالا: وسعت في الدّنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للّذين اتّقوا خاصّة.

وفي الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

وفي صحيح البخاري وغيره عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ".

ولقد أمر الإسلام بالتراحم العام، وجعله من دلائل الإيمان الكامل؛ فالمسلم يلقى الناس قاطبة، وفي قلبه لهم عطف مذخور، وبر مكنون، فهو يخفف عنهم جهد ما يستطيع، ويوسع لهم، وصدق رسول الله حين قال: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِى الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلاَئِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»متفق عليه من حديث أبي هريرة.

 وفي صحيح مسلم عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِئَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِى الأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ».

الرحمة وقسوة القلب: عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال: "إنْ أردْتَ تَلْيِينَ قلبِكَ، فَأَطْعِمْ المِسْكِينَ، وامْسَحْ رَأْسَ اليَتِيمِ" (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وفي رواية: "أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلٌ يشكو قسوةَ قلبِه، قال: "أتحِبُّ أن يلينَ قلبُك وتُدرِكُ حاجتَك: ارحَمِ اليتيمَ، وامسَحْ رأسَه، وأطعِمه من طعامِك يلِنْ قلبُك وتُدرِكْ حاجتَك"(رواه الطبراني وحسنه الألباني). 

فالرحمة خلق عظيم وجليل وجميل من أخلاق هذا الدين، وهو ينبعث من شعور العبد بما يقاسيه غيره من هموم وآلام وأحزان، فيحمله ذلك على معاونته ومساعدته والوقوف إلى جانبه، وإسداء المعروف إليه. فهذا خلق حسن من أخلاق الأنبياء والمرسلين، وسمة من سمات عباد الله الصالحين. إنه خلق الرحمة والتراحم.

فينبغي التراحم بين الخلق، بنشر الرحمة بينهم ويكون ذلك بالتآزر والتعاطف والتعاون، و بذل الخير والمعروف والإحسان لمن هو في حاجة إليه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...