مكة المكرمة في شعر حيدر الغدير 2من 3

أدب وفن » آراء وقراءات
24 - صفر - 1438 هـ| 25 - نوفمبر - 2016


1

ونعيش مع الشاعر في قصيدة أخرى بعنوان: (في الحرم المكي، ص 135، من ديوان سنأتيك يا أقصى) جوا آخر، في روحانية محلقة، إذ تتمتع هذه القصيدة بخصوصية العنوان أولا، وبالجو النفسي الذي كان يكتنف الشاعر إذ ذاك من خلال عتبة النص النثري، الذي جعله بين يدي القصيدة، فيقول: "مرتبة الصّديقين مرتبة عزيزة، لا ينالها إلا ذوو العزم من المؤمنين، رجوتها فوجدت نفسي دونها فحزنت، ثم تذكرت أن رحمة الله الواسعة فتحت بابها لأصحاب الرخص والمقتصدين، ليصلوا إليها، وذلك من خلال ((الصدق))، فعزمت على التحلي به، وعساي فعلت".

 

إذن الشاعر يبحث عن السمو الروحي، ويطمح إلى مرتبة عليا تتقطع دونها الأعناق، وتهلك المطي، وتتيه القوافل في البيداء! ولكنها كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ إذ سأله: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير لمن يسر الله له"(رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه عدد من العلماء).

وحيدر الغدير يستشعر هذا، وما يتمناه ليس أمنية العاجز الذي يتبع النفس هواها ويتمنى على الله الأماني! لذلك يعترف أنه دونها، ويحزن! ولكن الشيطان لا يستحوذ عليه فيدفعه إلى اليأس، فيتذكر رحمة الله الواسعة، فتبطل نزغة الشيطان، ويعيش في عالم الرجاء المتحقق بإذن الله تعالى، وعساه وعسانا!

وقبل أن ندخل مع الشاعر في عالم قصيدته في الحرم المكي نقف عند بيت من القصيدة السابقة (حللت على نعماك) حيث يقول:

وصلَّيت ما بين الحطيم وزمزم  

صلاة منيب من خطاياه هارب

 

هذه الصلاة أظنها ركعتي الطواف التي يصليهما الطائف خلف المقام، أو حيث تتيسر له، وأظن أن الشاعر احتاج إلى الراحة قليلا فاتخذ ركنا من المسجد الحرام، وأسند ظهره ورأسه على جدار المسجد، فأخذته سنة من النوم، فرأى ما يحكيه لنا في هذه القصيدة، يقول حيدر الغدير:

وفي خلوةٍ حسناءَ في الحرم المكي  

ألذَّ من النعمى وأزكى من المسكِ

أتانيَ طيفٌ وجهه الطيب والسنا  

وإشراق ذي تقوى وإغضاء ذي نسك

صموتٌ وأسرار البلاغة صمته  

وفيه بيان الأفصحين إذا يحكي

بشوشٌ كأن الحبَ محضُ فؤاده  

جوادٌ كما يهمي الغمام على الأيك

وكفّاه ما يرجو اللحوح من القرى    

وأجود ما كانا لدى العسر والضنك

 

ومازلنا مع الشاعر داخل الحرم المكي، ولعله لم يخرج من الحرم بعدما رأى في خلوته تلك، فتنبهت أحاسيسه، وغير مجلسه، فجلس في مكان يرى منه الكعبة المشرفة ببصر جسمه، وبصيرة قلبه، فيحدثنا في (ص 163، عن الكعبة الزهراء). ويستهلها بمقدمة نثرية، ترتبط بما سبق من رؤيا، وما دار من حديث بينه وبين الصدق الذي زاره.

وهو بالتأكيد قد استجمع أفكاره، وعاد من حديث النوم إلى حديث اليقظة، وتواردت الخواطر على ذهنه، فأراد أن ينقل تجربته إلى غيره، وجعل قصيدته الجديدة إهداء فقال: "أهدي هذه القصيدة إلى كل من أراد الحج فاستطاع، وإلى كل من أراده فلم يستطع، وعساه ينال بصدق نيته ثواب حجة مبرورة، وأهديها بشكل خاص إلى الشاعر الكبير بدوي الجبل، الذي راعتني قصيدته (الكعبة الزهراء) فحاكيتها بهذه القصيدة".

 

والرابط الحاضر في المقدمة هو (الصدق) وقوله: (عساه ينال بصدق نيته ثواب حجة مبرورة)، وهذه هي آخر ثلاث جمل تحدث بها الصادق مع الشاعر، وغاب، ووعد الشاعر نفسه أن يلتزم به، ومن علامات الصدق أن تنصح غيرك بصدق.

 

فماذا قال الشاعر في قصيدته التي عارض بها قصيدة بدوي الجبل بالعنوان نفسه؟ وهو ملمح آخر للصدق عند الشاعر، لأن بدوي الجبل بقصيدته عن الكعبة تحدث بجواهر الحكمة، ودعا إلى العودة للكتاب والسنة وسماهما النورين.

 

فحيدر الغدير يعبر في المقطع الأول عن دواعي رحلته إلى الكعبة الزهراء، التي هي وسط المسجد الحرام، والمسجد وسط مكة المكرمة. وأهم هذه الدواعي الشوق اللحوح، وتعلقه بها يافعا وشابا وكهلا وشيبا، وكونها أمامه في صلاته، وفي خلوته وجلوته، يقول:

علــى لهــفة مـــن صـــبوة ووجـيب  

وشــوق لحـوح ظـامئ ورحــيب

رحــلتُ إليـها قـــبل جـسمــيَ بالمـنى    

وهــــنّ حــــسان مـــن هــدى وطـــــيوب

ولــــمْ لا وقــد عُلّــقتها مُــذْ يفـــاعــتي  

وحــين اســـتوى عـــودي وحــــين مشــيبـي

وأســـكنـتها قـــبلَ الجـــوارح مهــــجتي    

فــكانـت شــذا عمـــري ونـــور دروبـــي

وكـــانت أمــــامي في صـــلاتي وخـــلوتــي  

وفي الـــربع إن أمــــكث وحـــين ركـــوبي

 

ويجلس الشاعر أمام الكعبة، ويتملى فيها ويملأ ناظريه منها، ويرصد عطاءاتها الجمة فيقول:

هــي الكعبة الـزهــراء جمٌّ عطاؤها

لـــدانٍ إلــى نعمــــائهــا وغريـــب

أنخــــتُ بها بـــعد العـــناء ركائـــبي  

فبــادرنــي ســـيبٌ لها بهبــــوب

ويتجاوز الشاعر لحظات الذروة النفسية، فيهدأ قليلا، ويصيخ إلى صوت قلبه ومشاعره الداخلية، فيسمع ما يسمعه النائم بأذن قلبه، فيقول:

 

ومرتْ ثـــوانٍ قمـــت جذلان بــــعدها  

وثمــــة صــــوت كالمــــلاك مجيــــــبي

يقــــول: لك البشــــرى فربــــك قابـــل  

متـــاب فتـــى مهــــما أســـــاء منــــــيب

فأبــــصرت آمــــالي حســــاناً روانيـــــاً    

كأيـــــك ضحــــــوك المقلتيــــن قشـــــــيب

لأن رجـــــائي فــيه فوق مخــــاوفي  

وأكـــرمْ به من قادر ووهـــوب

فأورق عـــــودي بعــــد طــــول جفـــافه  

وأشــرق وجهـــي بعـــد طــول شــــحوب

وجـــاءت لــيَ النـــعمى ودانـــت ليَ المنـى    

فـــعدت إلى نجــواي عـــود طــــروب

أردد حـــــمد اللــه دون مــلالــة  

بفـــرحــة محـبور وبــــوح أديــــب

 

ينطلق الشاعر بعد شعوره بالفوز بعيدا في الزمان والمكان، فيعود إلى بداية بناء البيت العتيق، ويستعرض في ذاكرته، ويستحضر إبراهيم عليه السلام وهو يؤذن في الناس بالحج امتثالا لأمر الله سبحانه، فإذا قافلة الحج تبدأ ولا تتوقف أبدا، فيقول:

هو الحــــج بـــاق كالزمـــان وأهـــله  

جــــديداً قـــديماً دون أي مغـــــيب

ويــــمتد في يـــومٍ من الســـلم باســــمٍ  

وآخــــر مـــثل الغاشيـــات عصــــيب

لقــد قـــام إبراهــــيم يدعــــو لـــه الدنــا  

فكـــان صـــداه الضخـــم زحـــف شـــــعوب

قوافـــل شـــتى وحّـــد اللــه بينهـــا  

فكانـــت حبيـــــباً يحتـــــفي بحــــــبيب

قوافـــل كالتــــاريـــخ تمـــضي ولا تني  

وليـــس بها مــن حســــرة ولغـــوب

تســــير تـــرجّ الأرض رجـــاً كأنهـــا  

كتـــائب جيــــش حافـــل ولجيب

 

ويصور مسير قافلة من تلك القوافل وهي تحث السير، وتلبي بصدق، حتى إذا رأت البيت الحرام خرت ساجدة شاكرة لله سبحانه، ويزول عنها كل ما كابدته من مشقات الطريق ومخاطره، فيقول:

 

مضـت وهي لا تأْلو تسير بها المنى  

تلّـــبي بــصدق شــف غيـر مشوب

إلى ربـــها ترجــو نـــداه ورحمــة  

مداها سهوب تنتهي بسهوب

فلما رأى البيتَ الحرامَ دليلُها  

وبشرها هبت هبوب كَسُوب

لتسجد للرحمن شكراً وفرحة  

بإقبال أوّاب ولمح أريب

وزال العنا منها سريعاً وغردت  

هناءتها تختال ملء قلوب

 

وفي هذه الرحلة الذهنية التي يخرج إليها الشاعر وهو جالس أمام الكعبة الزهراء، يعود إلى حاضر الأمة الإسلامية ليجدها على غير ما يسر من الضعف والهوان والتنازع، كالغريق الذي يصارع الموت ولا يمد يده إلى طوق النجاة الذي بين يديه، فلا يجد ملجأ إلا الله سبحانه وهو في رحاب بيته، فيدعوه قائلا:

 

دعوتك ربي قبل نفسي لأمتي  

فكن لهما يا رب خير مجيب

 

ونقتحم خلوة الشاعر، ونتسور محرابه مرة أخرى، لنجده هذه المرة طائرا مع حمامة من حمامات الحرم، يتحدث إليها، وتتحدث إليه، في جو من الأنس والأمن والطمأنينة، وقد افتتح قصيدته (أنا أدرى، ص 88، من ديوانه عادت لنا الخنساء) قائلا: "في خلوة ساجية لقيت حمامة في الحرم المكي الشريف فقلت لها، وقالت لي".

 

وحمامات الحرم لافتة لنظر مرتادي الحرم، فهي تقترب من الناس، وتسير بين أرجلهم لشعورها بالأمن، ولإقبال الناس على رمي الطعام لها، وكثيرا ما يجلس الإنسان داخل الحرم فيتأمل في فضاء الساحة المفتوحة في المطاف يتأمل الحمامات التي تطير محلقة فوق الكعبة المشرفة وحولها، وكأنها تطوف مع الطائفين، فتمتلئ النفس بهجة وراحة لهذا المنظر، وتشارك الطيور الأخرى الحمام في هذا التجوال، بل ترتفع تغاريدها وضجيجها في المساءات جاذبة أسماع رواد الحرم وأنظارهم. ولأن الحمام وحده يقترب من الناس، وينزل على الأرض فقد اختار شاعرنا حمامة ليتحدث إليها، فماذا قال لها، وماذا قالت له!؟

ويبدأ يبث إليها مشاعره التي يحملها نحوها، ومحبته لها في جولة واسعة في فضاءات الزمان والمكان والمشاعر الإنسانية، فيقول:

يبث الحب والخيرا  

هديلك في دمي نجوى

سَكَنَّ بخافقي عمرا  

وأحلام مرفرفة

وجدت بها وما أحرى 

 أتيتِ بها فما أحلى

فما أسنى وما أثرى  

ملأنَ العمرَ أفراحاً

وكان عطاؤها نهرا  

رضيتُ بها فأعلتني

أجوب البر والبحرا  

ورحت وراءها غرداً

حبتني الصفو والطهرا  

إلى دنيا مكرّمة

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...