نحن الحياة

تحت العشرين » صوت الشباب
07 - ربيع أول - 1438 هـ| 06 - ديسمبر - 2016


1

رميت حقيبتي، ومعها وجهي على السرير، وأنا أشعر بالضيق والملل من هذه الحالة بعد أن عدت من المدرسة أمسك بشهادتي الفظيعة، لم أستخدم عقلي يوماً كما استخدمته اليوم، ففكرة تأتي وأخرى تذهب، وأنا أحاول أن ألملمهم لعلي أجد "تصريفة" لهذه الفضيحة التي في يدي.

 فقط بكلمة من أمي جعلت أفكاري تتبعثر، كنت أستطيع أن أراها ترتجف من الخوف، إنها تسألني عن شهادتي، ماذا أفعل بماذا أجيبها ابنتك فاشلة يا ماما؟

 قبل أن أتحدث أو أنطق بأي حرف، علمت أمي بكل شيء بسبب صمتي هذا، ما جعلها تسحب الورقة مني بغضب، سرعان ما تغيرت ملامح أمي من غضب إلى غضب، واستعجاب وعتاب، للدرجة التي لم تستطع فيها سوى أن تقول (خيبتِ أملي).

 ها أنا على السرير أغرس وجهي به من الإحباط، يبدو أنني نمت، استيقظت على صوت أمي، وحاولت أن افتح عيناي أشعر أنها غاضبة لكن قبل أن أشعر بشيء، صوت أمي جعلني أقفز من السرير وأنا أتسآل هل أرتب السرير؟ أم أذهب لأغسل وجهي هل أنظف المنزل؟

 كل هذا يحصل وأمي تنظر إلي، أحسست من نظراتها كأنها تقول: العقل نعمة، أجبتها نعم أمي، ردت عليّ غيري ثيابك بسرعة.

 تعجبت فسألتها لماذا؟ أردفت تخبريني دائماً أنه ليس لديك وقت إلا لدراستك، وأنك لا تستطيعين ممارسة هواية واحدة! من ثم تأتي لي بهذه الشهادة؟

أنزلت رأسي خجلاً، أكملت حديثها وهي تقول: سآخذك معي لأريك بعض تلك الفتيات المتفوقات في مجال دراستهن، وأمور أخرى كمساعدة أمهاتهن، وممارسة هوايةً يحببنها، إضافةً إلى وقت الراحة.

 كلامها جعلني أرفع رأسي، أفكر وهل هناك بشر كأجهزة الكمبيوتر؟!.

خرجت أمي ولحقتها بعد أن لبست، أقلنا أبي إلى مكتبة كبيرة، نزلت أمي من السيارة للمكتبة ولحقت بها أيضاً. عجباً لم تخبرني أو تعرفني بأحد إطلاقاً. فقط أدخلتني إلى قسم من تلك المكتبة أظنه مناسبا لعمري، تركتني أمي داخل هذا العالم الكبير، من كثرة الكتب لم أعلم ماذا سأقرأ؟ إضافة إلى تفكيري بحل هذا اللغز: أين الفتيات التي حكت عنهن أمي؟.

 من بين جميع الكتب لفتني كتاب لتعليم الرسم، أخذته وجلست بقرب فتاة شابة بعمري، ألقيت عليها التحية، لكنها لم تجب! يا ترى ما هذا الكتاب الذي جعلها تركز به للدرجة التي أشعر بها أنها دخلت هذا الكتاب، وربما ستعود منه عند أخر كلمة.

 أمسكت بهذا الكتاب، وبدأت أقلب به وأرى وأتعلم منه عن الرسم الكثير، أعجبني للدرجة التي جعلني ألتفت حولي لعلي أجد ورقة وقلم؛ لأطبق ما في هذا الكتاب، بعد أن حصلت على ورقة، واستعرت قلماً سرعان ما بدأت بالتطبيق والرسم، هذا رائع يا إلهي لم أعلم أن لدي هذه القدرات الرائعة في الرسم، أحببت الرسم كثيراً.

مضى الوقت وأتت أمي لكي تأخذني بعد أن انتهت هي أيضا من القراءة، ألقيت عليها التحية، ثم بدأت بالكلام ولم أتوقف ولو للحظة، الجميل في الأمر أن أمي كانت مستمتعةً وهي تستمع إليّ، عندما انتهيت من الحديث سرعان ما عقدت حاجباي لأسألها أمي أين تلك الفتيات اللاتي أخبرتني عنهن؟

 أجابتني ستتعرفين إليهن عما قريب، عدت إلى المنزل، وجلست على مكتبتي واضعة كلتا يدي على خدي، وأشعر وكأني سأطير، قمت برسم جميع ما أتذكره في ذلك الكتاب حتى أتى موعد النوم فنمت.

 أنا الآن في المدرسة، في الحصة الأخيرة أنتظر أن أعود إلى المنزل، ومن المنزل إلى المكتبة بفارغ الصبر. أخيراً أني أقف أمام غرفة أمي أطرق الباب والابتسامة تشق وجهي، ما أن سمحت لي بالدخول حتى أسرعت إليها أستأذنها أن نذهب لتلك المكتبة، ما هذا علي أن أقوم بحل واجباتي، وحفظ دروسي. حسناً سأحاول أن أضاعف جهودي لأنتهي بسرعة.

 وأخيراً قد فرغت من حل جميع وظائفي، وحفظ جميع النصوص، عدت أمام غرفة أمي أطرق الباب، والابتسامة هذه المرة تصل إلى فوق أنفي، فتحت أمي الباب ابتسمت وقالت: لا يمكننا الخروج اليوم فلدي عمل كثير في المنزل، ولن أنتهي منه بسرعة، ولن نستطيع الذهاب في الليل لأنه وقت عملي.

 نظرت إلى المنزل وأخذت نزهة فيه، ثم عدت إلى أمي وقلت: أعدك بأن أنظف المنزل بسرعة؛ لكي نذهب فهلا وافقتي؟

 يا للروعة ها قد انتهيت من عمل المنزل بسرعة، والبيت يلمع، أخبرت أمي بانتهائي، تجهزنا جميعاً وخرجنا إلى المكتبة.

 سلمت على أمي، ودخلت القسم الخاص بي بسرعة، حتى كدت أن أقع على وجهي، أمسكت كتاب تعليم الرسم، وبدأت بالتعلم، ولم ينته اليوم إلا وقد قرأت فيه كتابين.

 أشعر بالسعادة، أصبحت المكتبة مكاناً أذهب إليه يومياً، وهكذا أصبح روتيني أعود من المنزل أدرس، وأساعد أمي، ثم أذهب للمكتبة لأقرأ وأتعلم الرسم.

 في اليوم الذي عدت فيه إلى المنزل أحمل شهادتي الرائعة، قالت لي أمي، وأخيراً: إنها ستعرفني على تلك الفتيات، جلست بقربها وأنا أبتسم: الآن من هن؟

قالت لي: أنتِ هي تلك الفتاة التي حدثتك عنها.

 وقفت وأنا أفكر هل كنت أنا تلك الكمبيوتر؟!!  رددت على أمي: لم أفهم وضحي لي؟

عندها أخبرتني: أنت الآن تمسكين بشهادةٍ رائعة، تساعديني دوماً بالأعمال المنزلية، تحبين القراءة، وتتعلمين الرسم، أنت فتاة رائعة أليس كذلك؟.

قد علمت بأني لم أكن أحتاج جميع الوقت لأنجز عملاً واحداً، علمت بأني لم أكن أحتاج توزيعاً للوقت أو جدولاً له؛ بل كل ما كنت أحتاجه هو الشغف؛ الشغف الذي يجعلني أنهي جميع أعمالي، أضاعف جهودي، أعمل بإخلاص، احتجت هذا الشغف كي أنضج. أعقل، وأكبر، فالحياة مليئة بالأشياء، وعلينا أن نكون كتلك الحياة مملوئين بجيد الدنيا، مصلحين لفسادها، محامين لظلمها، محافظين على جمالها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...