رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم ذات الهجرتين

واحة الطفولة » واحة القصص
13 - ربيع أول - 1438 هـ| 12 - ديسمبر - 2016


1

أيُعقل أن يسمع عثمان بن عفان (رضي الله عنه) داعي الجهاد ينادي بالخروج إلى غزوة بدر، ويهمَّ بالخروج، فيأمَره النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء إلى جانب زوجته يخدمها؟

فمن هذه الزوجة؟ وبمَ استحقت هذا التكريم؟

هي المهاجرة الصابرة رقيةُ بنتُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ القرشية الهاشمية، وأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وعمها أسدُ اللهِ حمزةُ بنُ عبد المطلب، فهي ابنةٌ لعائلةٍ من أكرم عائلات قريش وأفضلها.

ولدتْ رقية بعد أختها زينب، وفرح والدها وأمها بولادتها فرحًا شديدًا، وكان ذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بسبع سنوات، وبعدها وُلدت أختُها أمُّ كلثومَ ثم فاطمةُ.  

ولأنها من أسرة محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم ، وأمُّها إحدى فُضليات نساء قريش وأعقلهن وخيرهن، فما إن كبرت رقية وأختها أم كلثوم قليلًا حتى جاء وفدٌ من آل عبد المطلب يتقدَّمه أبو طالب يَخطِب من محمدٍ ابنتيه رقيةَ وأمَّ كلثومَ لابنيْ عبدِ العُزَّي بن عبد المطلب (المعروف بأبي لهبٍ)، وهما: عتبةُ وعُتيبة.

كانت هذه الخِطبة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فوافَق أبوهما محمد وتمت الخِطبة، وكان أبو لهب من أشد السعداء بهذا النسب الرائع؛ فقد كان يحبُّ أبن أخيه محمدًا حبًّا جمًّا.

نشأت رقية بين أحضان والديها ودعوة الإسلام الوليدة،  فآمنت مع أمها وأخواتها، وتشرَّب قلبُها حبَّ الإيمان والإسلام، ورأت كيف يجاهد أبوها سرًّا في نشر الإسلام بين مَن يتوسَّم فيهم الخير والصلاح والعقل الراجح، لكنها لم تتخيل ما ستجرُّه عليها هذه الدعوة من تضحياتٍ بعد ذلك، فما إن جهر أبوها بالدعوة في مكة حتى بارزه أهل مكة بالعداوة والاستهزاء، وأول مَن تجرَّأ على تكذيب الصادق الأمين والسخرية منه هو عمه أبو لهب؛ حيث قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن أعلن للناس دعوته: "تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟! تبًّا لك سائر اليوم"(متفق عليه).

عندئذ بدأت قريش تكيد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومَن آمَن معه، والنبي يصبر عليهم ويدعوهم في رِفقٍ ولين، فلا يزيدهم ذلك إلا اشتدادًا في إيذائه، وتَوعُّدًا له بكل شرٍّ وسُوء، حتى قال أحد خبثائهم: "إنكم قد فرَّغتم محمدًا من هَمِّه، فرُدُّوا عليه بناته فأشْغِلوه بهن"!

فما كان من أبي لهب إلَّا أن جمَع ولديه وقال لهما: "رأسي من رأسيكما حرامٌ إنْ لم تُطلِّقا ابنتيْ محمدًا"؛ وذلك ظنًّا من أبي لهبٍ أنه بذلك يَحرِم محمدًا من فرصة ثمينة للزواج من ابنيه.

وقد أطاع الابنانِ الكافرانِ أباهما الفاجر وطلَّقا ابنتي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

ما إن عادت رقية إلى بيت أبيها حتى عوضها الله خيرًا؛ حيث بادر واحد من خيرة فتيان قريش، وأغناهم مالًا، وأحد العشرة الذين بشَّرهم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة إلى طَلَبها للزواج؛ وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه، فوافق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الفور، وتزوج عثمان برقية مستشعرًا أنه فاز بكنزٍ عظيم، فقد أصبحت بنتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجتَه، ورسولُ الله حَمَاه، فيا له من شَرَفٍ عظيم لا يُدانِيه شَرَف!

ازداد أبو لهب وزوجته وأبناؤه حقدًا وحسرةً، والتهبت قريش غيظًا، واشتد أذاهم لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين، وكذلك عانتْ رقية مع زوجها من إيذاء المشركين، فصبرت واحتملت، وكانت نِعْم الزوجة التي تجتهد في إرضاء زوجها وإسعاده، وتُؤيِّد تصرفاته الحكيمة في الإنفاق بكرم وسخاء على دعوة الإسلام، وعلى ضعفاء المسلمين، وتدعو له بالليل والنهار بالتوفيق.

لكن إيذاء المشركين للمسلمين لم ينقطع، فأذِن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها ولزوجها بالهجرة إلى الحبشة، فهاجرا معًا، وفارقت رقية بذلك أهلَها وأحبَّ الناس إليها.

وما هي إلا سنوات قليلات وعادت مع زوجها إلى مكة بعد أن أتعبتهم الغُربة، واشتد بهم الحنين إلى أهلهم، وقد سمعوا أن أهل مكة دخلوا في الإسلام، لكن المفاجأة التي أوجعت قلب رقية أنها فوجئت بوفاة أمها خديجة (رضي الله عنها)، كما تبيَّن لها ولزوجها أن أهل مكة لا يزالون على كفرهم.

بعد ذلك، هاجرت رقية مع زوجها الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة؛ حيث وضعت طفلها عبد الله، فشعرت بالفرح والراحة، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلًا؛ فقد مات طفلها في السادسة من عمره، ولم تلد بعد ذلك.

تأثرت رقية بفقد ولدها الوحيد تأثرًا عظيمًا، ومرضت بعد وفاته بأيامٍ بالحمَّى، التي اشتدت عليها إلى درجة أنها لا تستطيع القيام، فلازمها زوجها الحنون يُمرِّضها، ويقوم برعايتها، وما هي إلا أيام حتى سمع عثمان داعي الجهاد ينادي بالخروج إلى غزوة بدر، فهمَّ بالخروج تلبية لنداء الجهاد، لكن أمره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالبقاء إلى جانب زوجته يواسيها ويخدمها.

لكن المرض ازداد على رقية، واستمر عثمان زوجها الوفي إلى جانبها يرعاها ويخدمها حتى انتقلت إلى الرفيق الأعلى، فماتت وأبوها صلى الله عليه وسلم والمسلمون يجاهدون الكفار في غزوة بدر، فرضي الله عنها وأرضاها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...