الولاية المغلوطة: وأد جديد (2-4)

كتاب لها
25 - ربيع أول - 1438 هـ| 25 - ديسمبر - 2016


1

ذكرنا في الحلقة الأولى أن حرمان المرأة من ميراثها الشرعي، نوع من ممارسات الولاية المغلوطة والظلم، يشبه في آثاره وبشاعته وأد الجاهلية، واليوم نستكمل حديثنا حول نوع آخر من الوأد يتمثل في الولاية المغلوطة عند تزويج الفتيات؛ إذ أي دفن وقهر هو أشدُّ على نفسِ فتاةٍ عفيفة كريمة ذات رأي وعقل مِن أن يُجبرها وليُّها على أن تتزوج مَن لا ترغبه، أو ليس كفئا لها، أو يَعضلها ويمنعها من الزواج بالكُفْء الذي يتقدَّم لها وترغب فيه؟!

إن أكثر الآباء قد يأخذون رأي بناتهم الصغيرات في نزهةٍ قصيرة، أو يُخيِّروهن بين أنواع من الحلوى قبل أن يشتروها لهن ـ مع التزامهم بالتوجيه والإرشاد إنْ أسأْنَ الاختيار، بل والمنع إذا اخترن أشياء قد تضرَّ بهن ـ وهكذا في أمور كثيرة، ولو لم يأخذوا رأيهنَّ فيها لما كان عليهم لوم أو عتاب؛لأنها أشياء قد لا تؤثر في مسيرة حياتهن ولا مستقبلهن. وإن كانت ممارسة الاختيار لها فوائد كثيرة لا تخفى على أحد، ولكن هؤلاء الصغيرات إذا لم تعجب إحداهن النزهة قد تحتملها إرضاءً لأبيها، كذلك الحلوى إذا اشتراها والدها من نوع لا ترغب فيه، يمكنها أن تتخلص منها بطرق شتى؛ لأن اختياره لم يُوافق مزاجها والطَّعم الذي تحبه، مع أنها لو أكلتها لن تتضرر، وطعمها يزول بعد دقيقة أو أقل.

فإذا كان أي عاقل يقول باستحسان الاختيار والمشاركة في القرار في مثل هذه الأشياء اليسيرة جدًّا، والتي لا تشكِّل ـ غالبًا ـ تأثيرًا في مسار حياة بناتنا الصغيرات، فكيف يمكن أن يأتي بعض الآباء أو أولياء المرأة ليحرموا فتياتهن المقبلات على الزواج من حقهن في إبداء رأيهن في قرارات مصيرية؛ كالخاطب الذي يتقدم لطلب الزواج بهن، وأخذهن لبَناءأُسرة جديدة، وبيت جديد، وحياة جديدة يقضين فيها بقية عمرهنَّ؟ إن قرارها هنا سيؤثر على حياتها لثلاثين أو أربعين عامًا أو أكثر.

إن وجود بعض الفتيات ضعيفات الرأي أو غير الناضجات أو السيئات، اللاتي يَحْتَجنَ إلى مزيد من الرعاية والوصاية وحسن التدبير لمصالحهن مِن أوليائهن، لا يُمكن أن يلغي الأصل العام؛ وهو حق الفتاة في الموافقة أو الرفض تجاه مَن يتقدم لخطبتها، ما لم تكن مُتَّهمة في عقلها أو رأيها أو ضَعْف نفسها، حتى وصل الأمر بالإسلام في اعتبار رأيها أن يأتي التوجيه النبوي صريحًا في وجوب أخذ الأمْر مِن الأيِّم لإمضاء عقد الزواج؛ حيث قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تنكح الأيم حتى تُستأمَر»[رواه البخاري وغيره]. والمرأة الأيم هي التي لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيِّبًا، مطلَّقة كانت أو مُتَوَفًّى عنها، ويريد بالأيِّم في هذا الحديث الثِّيَّبَ خاصَّة.

وإذن فاعتقادُ أو ظنُّ بعض الآباء أو أولياء المرأة بعدم أحقية ابنتهم في الاختيار وقرار الارتباط بخاطبٍ ما ليس صحيحًا، ونزيد على ذلك أن كثيرًا من أهل العلم رأوا أنه يحقُّ لها أن تلي بنفسها لنفسها عقد النكاح، إذا احتاجت لذلك أو دعت إليه الحاجة.  

قال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار": "ظاهر الأحاديث أن البكر البالغة إذا تزوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم".

وقال الإمام ابن القيم في "زاد المعاد"، بعد أن ذكَر ما حكم به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من وجوب استئذان البكر: "وموجب هذا الحكم ألا تُجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوَّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي نَدين به، ولا نَعتقد سواه، وهو المُوافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه".

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن حرص الإسلام على إثبات الولاية لأولياء المرأة في تزويجها، خاصة أن الجمهور يرى أن الولي شرطا للزواج؛ أخذًا بحديث: "لا نكاح إلا بولي"[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وصححه العلماء].

والحق أن هذا الحرص لحِكَمٍ تتعدد وتتنوع، منها أن يتم الزواج بتراضي أسرتي طرفي العلاقة، وكي لاتكون المرأة إن تزوجت بغير إذن أهلها، تحت رحمة الزوج وتسلطه؛ حيث لم يكن لأهلها رأي في زواجها، كما أن اشتراك الولي في تزويجها، وحدوث الزواج تحت إشرافه يُثبت إقرار العائلة لهذا الزواج؛ مما يساعد على توثيق روابط المودة بين العائلتين، وبين الزوجين أيضًا؛ فالزواج ليس مجرد علاقة بين امرأة ورجل، وإنما هي أيضًا بداية لصلة وتواصل بين عائلتين أو أسرتين. 

وهكذا نرى أن ولاية التزويج ليست سيفًا مصلتًا في أيدي أولياء المرأة، بحيث يزوجونها لمن شاءوا أو يعضلونها ـ عَضْل المرأة يعني منعها من الزواج مِن كُفْئها ـ دون اعتبار لها أو لإرادتها الحرة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- اسماعيل فايز - مصر

25 - ربيع أول - 1438 هـ| 25 - ديسمبر - 2016




مقال رائع ومتمز ويمس الواقع الذي نعيشه

-- Fatma Ismail - الإمارات العربية المتحدة

28 - ربيع أول - 1438 هـ| 28 - ديسمبر - 2016




مقال يستحق القراءة والعمل به كما أحب أن تتكلم عن الازواج الذين يعتبرون المرأة مجرد تابع ولا يحق لهاأن تبدي أي رأي في الحياةوهي بالنسبة له مجرد خادمة للأولاد وأنا اعتبر هذا وأد وفِي بعض الأحيان الأهل يكملون هذا الوأد لمجرد ألا تعود إبنتهم الي بيت اَهلها وهي مطلقة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...