زوجتي تحرمني من كلمة «أُحبُّك»

عالم الأسرة » هي وهو
27 - ربيع الآخر - 1438 هـ| 25 - يناير - 2017


زوجتي تحرمني من كلمة «أُحبُّك»

          

       جلس يفضفض مع صديقه قائلًا: «تصوَّر يا صديقي أني متزوج منذ تسعة عشـر عامًا، ولم أسمع من زوجتي كلمة (أحبك) طيلة هذه السنوات»! ولما أخبره صديقه بأن زوجته دائمة الثناء عليه، وتكثر من الدعاء له لحسن خلقه معها، وقد علم ذلك من زوجته، قال له: «أعلم ذلك، وأُسَرُّ له، ولكنه لا يساوي عندي وزن هذه الكلمة، فكم أتمنى أن أسمع منها: «أحبُّك» وأشعر بدفئها، ولو لمرة واحدةٍ في أيامي المتبقية معها»!!

 

الكلمةُ الطيبة صدقةٌ، والتعبيرعن المشاعرالدافئة أصبح أمرًا ضروريًّا؛ لإبقائنا على قيد الحياة، خاصةً في هذا الزمان؛ فقد صرنا نعيش أحداثًا جسامًا يشيب لها الوِلْدان، ولا تجعل الأمل والسعادة إلا سرابًا؛ نهرول وراءه ولا نجده شيئًا. فما هو خارج بيوتنا موحشٌ وقاسٍ، والظروف الخارجية ظروفٌ عصيبةٌ وعنيفةٌ علينا جميعًا، ووتيرةُ الحياة سريعة وذات منعطفات خطرة. وجميعنا ينتظر أن ينسى هموم الخارج وقسوته بدفءِ الداخل واحتوائه؛ فمن حقِّنا أن نشعر بنبض قلوبٍ أحببناها واخترنا إكمال مشوار حياتنا معها، وبذلنا لها من مهجنا الكثير، وليس ذلك عليها بعسير.

 

     فكلمة (أحبك) قليلة الحروف، حُلوة المنطق، لها مفعول السِّحر في نفوس البشـر، فبها تتلاشى الهموم، وتطمئنُّ القلوب وتسكن النفوس، وبها يهدأ الثائر الغضبان، وينقلب الرجل القاسي طفلًا وديعًا، والمرأة المستأسدة دُميةً لطيفة، وبها يُعدَّل سلوكُ الولد العاق، والطفل المشاغب، والطالب المشاكس والكسول. وبها ننقذ أمةً من الضياع والخواء الروحي بغرس قيمة الحب في الله والتعبير عنه بين أفرادها.

 

وبعض الناس لم يعتد على التلفظ بهذه الكلمة؛ لظروف خارجة عن إرادته؛ فقد يكون نشأ في بيئةٍ تجدُ حرجًا من التصريح بالحب بين أفرادها، فلم تعتد أذنه سماع كلماته، ولم يشعر بحضنٍ دافئ ولمسةٍ حانية في بيته.

   

 وقد يكون شخصًا ذا طبيعة عقلانية، لا يعطي للمشاعر أهميةً في حياته، ولا يجيد التعبير عنها. وكم عانت زوجات يتمتعن بعاطفةٍ جيَّاشة مع أزواجٍ عقلانيين، لا يجيدون التعبير عن مشاعر الحب، ولا يمنحونهن تلك المودة التي ينبغي أن تكون سائدة في بيوت المسلمين، ولا يعترفون بأن مثل هذه الأمور أساس الحياة المستقرة الهانئة، والعكس موجود أيضًا - وإن كان قليلًا- فقد يُرزق الزوج العاطفي بزوجة عقلانية تنظر إلى الحياة نظرةً جامدةً لا دفءَ فيها ولا عاطفة، وتعبِّر عن حبها واهتمامها بطريقة عملية، كأن تحسن تدبير البيت وتربية الأبناء وإدارة شؤون زوجها بمهارة، لكن لا تجيد منح الحب ولا قول الكلمات المعبرة عنه، وتخفق في منح الحضن الدافئ لأفراد أسرتها. ونراها -أيضًا - لا تمنح نفسها الفرصة للوقوف قليلًا لتعيش بروح الأنثى الوَدود، التي أضاعها ثقل المسؤوليات والانهماك في أعباء الحياة التي لا تنتهي.

 

وديننا دين المودة والرحمة، يحثُّ على نشر الحبِّ بين أفراده؛ فقد أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن نصرِّح لأحبابنا بحبِّنا لهم، ففي الحديث الصحيح، عن أنس -رضي الله عنه- أن رجلًا كان عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فمرَّ رجلٌ، فقال: يارسول الله إني لأحب هذا. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم: «أَعْلَمْتَه؟» قال: لا. قال: «أَعْلِمْهُ». فلحقه فقال: إني لأحبك في الله, فقال: أحبك الله الذي أحببتني له.[رواه أبوداود، وحسَّنه الألباني]. وعن المقداد بن معد يكرب - رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ـ: «إذا أحبَّ الرجلُ أخاه؛ فليخبرْه أنه يحبه»(رواه أبو داود وغيره، وصححه الألباني). والسُّنَّة المطهَّرة مليئة بالأحاديث الصحيحة التي تعبِّر عن حرص نبينا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم- على التعبير عن حبِّه لآل بيته، كالسيدة خديجة ـ رضي الله عنها- حين قال عنها: «إني قد رزقت حبَّها»[رواه مسلم]، والسيدة عائشة، والحسن والحسين، وأمهما فاطمة، رضي الله عنهم. وكذلك تصريحه بحب الأنصار واختصاصه لهم بالدعاء، وتصـريحه بحبِّ كثيرٍ من أصحابه الكرام كأبي بكر وعمر وزيد بن حارثة وابنه أسامة، رضي الله عنهم جميعًا. وقد صرَّح أيضًا بذلك الحبِّ لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه- حين أخذ بيده وقال له، كما في الحديث الصحيح: «يا معاذ، واللهِ إني لأحبُّك...»(رواه أبو داود، وغيره وصححه الألباني).

 

وأولى الناس بحبِّ المرأة زوجها، وهو أكثر من يحتاج أن يشعر باهتمامها وحبِّها، ويتوق دائمًا لأن تقول له: «أحبك»، فليس عيبًا أن تعبِّر المرأة عن حبها لزوجها بتلك الكلمة الدافئة. ومن تجد حرجًا في قولها، لطبيعة تستعصـي عليها، أو لأنها لم تعتد سماعها في بيت أبيها، أو لشعورها بالحياء من قولها، فلتجاهد نفسها في إخراجها، فما أجملها وهي تخرج منها دون تكلف، وستزداد جمالًا وهي تخرج لأول مرةٍ على استحياء!.

 

ومن تعجز عن قولها فلتراسل بها زوجها، فكما أننا نجيد استهلاك أوقاتنا في وسائل التواصل الاجتماعي، نكلم هذه، ونفضفض مع تلك، فلنحسن أيضًا استغلال تلك الوسائل في تحسين الصلة بأحبابنا، ولنجعلها تحمل رسائل حبِّنا لهم، فكلنا يجيد كتابة كلمات الحب، أو نقل صور بها تلك الكلمات، فلنرسلها لأزواجنا وبناتنا وأبنائنا؛ فهم أولى الناس بها، ولنعقد العزم على التغيير، وتعويد أنفسنا على التعبير لهم عن مشاعرنا الدافئة بالكلمات الحانية التي تذيب جليد العلاقات المتوترة، وتنهي خلافات استعصـى علينا حلها، وتمنحنا حياةً سعيدة ومريحة.

   

عزيزتي الزوجة: صرِّحي بحبك لزوجك وأبنائك، ولا تخجلي من كلمة (أحبك)؛ فهي إكسير الحياة، والدفء الذي لا بدَّ وأن يصاحبنا دائمًا. قولي: «أحبك يا زوجي»، وصرِّحي بها أمام بناتك لتستطيع كل واحدة منهن قولها بلا خجل، حتى إذا صارت زوجة سهل عليها التودُّد بها إلى زوجها، وقد ورد في الحديث الصحيح، عن أنس – رضي الله عنه – قال - صلى الله عليه وسلم-: «تزوجوا الودود الولود...» (رواه أبو داود، وغيره وصححه ابن حجر وغيره).

 

وإذا كان زوجك لا يحسن التصريح بها لك، فابدئي أنت، واستحثِّيه على قولها، كأن تقولين له: «إني أحبك، وأحب سماع كلمات الحب منكَ؛ فهي تعني لي الكثير». ولا تخجلي من قولها أمام أبنائك الذكور وهم في جميع مراحل عمرهم، فالرجل الذي اعتاد سماع كلمات الحب الدافئة منذ نعومة أظفاره، يصبح فيما بعد زوجًا لين الطباع، حسن العشرة، رقيق القلب، فياض المشاعر، وهذا يزيده رجولة وقوة، وليس كما يظن بعض قاصري النظر. ويصبح – أيضًا- أبًا رحيمًا محبًّا لأبنائه، وقبل كل ذلك يكون ولدًا صالحًا بارًّا بوالديه، ويكون  ـ أيضًا- أخًا عطوفًا لا يظلم أخواته ولا يهضمهن حقوقهن، وشخصًا سويًّا في المجتمع، لا يحمل حقدًا ولا غلًّا ولا عاهات أخلاقية أو شطحات فكرية، فيعامل جميع الناس بالحسنى؛ لشعوره نحوهم بسلامة الصدر الذي يحمل الحبِّ الفطري. الحب الذي لا يتمنى إلا تقديم الخير للعالمين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...