من أحاديث المجالس: بيتي ثم بيتي ثم بيتي!

عالم الأسرة » همسات
05 - جمادى الآخرة - 1438 هـ| 04 - مارس - 2017


1

جلست بين أترابها، حاملة ابنها الرضيع بحب وحنان، وبجوارها ابنتها ذات الثمانية أعوام التي ملَّت من جلسة الكبار، فانطلقت حيث الصغار يلعبون، فأخذت الأمهات يتحدثن بأريحية، بعد أن ترك الصغار مجلسهن وساد الهدوء المكان.

          قالت لها جارتها: «صُعقت لما علمت أنك قد تركتِ عملك، وأنت التي كان يضـرب بك المثل في المثابرة والنشاط والنجاح؛ فقد ارتقيت بسرعة في سلمك الوظيفي، وأصبحت لك مكانة كبيرة في الشركة، وأنتِ التي كنتِ تصرين على العمل، واشترطت على زوجك ذلك منذ أن تقدم لخطبتك، فما هذا الذي دفعك للتخلي عن حلم تحقيق ذاتك الذي طالما صدعتِ رؤوسنا به، وأكثرت من جدالنا، وأنت تقولين: عملك أولًا، وبعد ذلك أي شيء، فالعمل هو سلاحك وسندك الذي يحميكِ من غدرات الزمان.

قولي لي بالله عليك: "كيف تغيرت أفكارك بهذه الطريقة الجذرية؟".

كانت تستمع إليها بابتسامة هادئة، تنم عن ارتياح للحديث، وجميع الجالسات صمتن تمامًا، وتعجبن من جارتهن، كيف تجرأت على سؤالها، وفتح هذا الحديث معها، فقد كن يتهامسن من ورائها، إنه من المؤكد وراء هذا القرار زوج متعنِّت خيَّرها بينه وبين عملها.

بدأت صاحبتنا حديثها قائلة: أعترف بأني كنت مخطئة، وأن نظرتي للأمور كانت سطحية للغاية؛ فقد كنت أظن أن تحقيق ذاتي هو خارج بيتي، حيث العمل والاختلاط بالناس الذي يكسبني مهارات شتى في التعامل، وحيث الجاه والمنصب، وإشارة الجميع إلي بالبنان، وهذا كان حلمي منذ دخلت الجامعة، والتحقت بكلية الهندسة، وتعبت كثيرًا من أجل الحصول على الشهادة، فكان لا بد وأن أشعر بتحقيق ذاتي وأخرج للعمل، خاصة وأني كنت متأثرة بإعلام مغرض، لا يهمه سوى النفع المادي البحت، من امرأة ضعيفة تطحن نفسها في العمل داخل البيت وخارجه.

في بداية زواجي لم يعترض زوجي مطلقًا على عملي، خاصة وأني قد اشترطت عليه ذلك كما تفضَّلتِ وبينتِ في حديثك، وكان معي نعم الزوج، يعينني على تحمل تبعات البيت، ولقلة المسؤوليات كانت الأمور تسير بقليل من التعب والتوتر، وبتنظيم خفيف، كان يسير يومي هادئًا دون تكدير. وكنا في بداية حياتنا نحتاج إلى الكثير من المال لبناء مستقبلنا، خاصة وأن زوجي قد استدان كثيرًا من أجل إتمام الزواج.

جاء حملي الأول وتغيرت حياتي، ففي العمل يرهقونني بمسؤوليات ترهق الرجال الأشداء، فما بالكِ بامرأة حامل وضعيفة البنية، وينصحها الطبيب بالراحة معظم يومها، وساعات العمل طويلة، فأخرج منذ السابعة صباحًا من بيتي ولا أعود إلا بعد الخامسة عصرًا، كل هذا، وأنا مقيدة على كرسي منهكة بأعمال كثيرة لا تنتهي، ولا أرتاح إلا قليلًا في أوقات الصلوات. صبرت في أول الأمر وعاندت الجميع، أمي تستعطفني لأرحم نفسـي ومن في بطني، وتقول لي: «يا بنتي صحتك أهم من كنوز الدنيا، رجاءً خذي إجازة»، وأنا أرفض ظنًّا مني بأني لو أخذت تلك الإجازة فسيعتاد زوجي ذلك، ولن يسمح لي بعد ذلك بالعودة إلى عملي، وزوجي يراقب من بعيد، يعرض أن أرتاح لكن لا يلزمني.

كافحت في حملي الأول، وأكملت عملي، وارتقيت في سلمي الوظيفي، فكان تشجيعًا لي على المواصلة، ووضعت ابنتي الأولى، وقلت الحل يسير أحضر خادمة تلزمني تربي لي ابنتي، وأنا أتفرغ لعملي، وتحت ضغط وإلحاح مني، وافق زوجي على مضض، فقد نشأ في بيت لا يحب أن تكون فيه خادمة، وربتهم أمهم وحدها دون مساعدة أحد.

وجود الخادمة أحدث معي فارقًا كبيرًا، وأزال عني هم ترتيب المنزل ورعاية الصغيرة، وكنت أنا أعد الطعام فقط، ثم أذهب للنوم. ومرت الأيام واعتدت وجود الخادمة، بل صرت لا أستطيع الاستغناء عنها، فأيام إجازتها ينقلب البيت رأسًا على عقب، وتبكي صغيرتي ويتغير مزاجها، وبعد انتهاء الإجازة يعود كل شيء إلى نصابه. وارتقيت أكثر في سلمي الوظيفي، وها أنا ذا أصبحت في سنوات قليلة، أصبحت ذات منصب رفيع في الشـركة، وصرت أحد أعمدتها الإدارية التي لا يُستغنى عنها، وكنت ـ كما تعلمين- قد وضعت صغيري الذي بين يدي، والخادمة ترافقني رحلة حياتي، وصغيرتي قد كبرت، وأصبح عمرها الآن ثمانية أعوام كاملة، متفوقة في دراستها، والأمور على ما يرام.

 غير شيئين كدرا عليَّ صفو حياتي، أولهما: بُعد زوجي الملحوظ عني، وانشغاله الدائم بأعماله؛ لأنه قد اعتاد أني دائمًا مشغولة ولا أجلس معه إلا قليلًا.

 والشيء الآخر الذي كان قاصمة الظهر لي، هو أنني وجدت ابنتي تنادي الخادمة بـ(أمي)، وترتمي في حضنها بحنان بالغ، وتأبى أن تأكل أو تنام إلا وهي بقربها، فتحركت داخلي عاطفة الأمومة، وشعرت بغيرة شديدة، فأمسكت بالصغيرة وأخذتها إلى غرفتي وقلت لها: أنا أمك وهذه هي الخادمة، أنا من حملتك في بطني وربتك، أريدك أن تحتضنيني وتطلبي مني ما تريدين ولا تذهبي للخادمة مرة أخرى. نظرت صغيرتي إلي بتعجب لما أقوله، وقالت لي: (طلبت منا المعلمة في الفصل أن نفعل ذلك مع أمهاتنا، وذكرت أنهن يتعبن من أجلنا، وأنا أراها هي التي تستودعني وأنا خارجة إلى مدرستي، وتستقبلني وأنا عائدة بحضن دافئ وابتسامة جميلة ولمسة حانية، وهي التي تهتم بكل شيء يخصني، فتمشط لي شعري، وتجلسني في حجرها، وتطعمني بيدها، وتحكي لي الحكايات حتى أنام؛ فكيف لا تكون هي أمي؟! قالوا لي في المدرسة: إن التي تفعل لنا ذلك هي الأم(!.

أصابتني كلمات صغيرتي بدوار، وكاد يغمى عليَّ من هول ما سمعت، وجلست أبكي وأحتضنها وأقول لها: «أنا أمك يا حبيبتي»، وتذكرت في هذه الأثناء أني لم أحتضن ابنتي منذ وقت طويل، ولذلك هي لا تتذكر، وتذكرت أيضًا أن كل همي هو عملي وأوراقي ووقتي، كيف أرتبه لأرتاح بعد يوم شاق من العمل، فآتي إلى بيتي وأجدها قد اقترب موعد نومها، وأني لم أنتبه أني لا أجيد الاقتراب منها إلا في المناسبات، وأوقات الإجازات أو وقت ذهابي إلى أمي.

 أما في البيت فمسؤوليتها كاملة على الخادمة. وهنا علمت السبب في تعلقها الزائد بأبيها، وهروبها الدائم إليه إذا أقلقها شيء.

جلست مع نفسي جلسة طويلة بعد أن أخذت إجازة من العمل لمدة أسبوع، أخذت في هذا الأسبوع أراجع نفسي وقناعاتي، وأرى كيف تسير حياتي، وأنظر لنفسي بعد عقد أو عقدين من الآن، هل ستكون ابنتي بارة بي، وهل سيظل زوجي صابرًا علي، وهل ستنفعني الأموال التي أحصل عليها من عملي، وهل سأظل طيلة حياتي في هذا العمل؟ أم أنه سيأتي علي اليوم الذي أتقاعد فيه وأتركه، وأجني ما قدمته في سنواتي الماضية.

 وجدت نفسـي وسط هذه الصورة امرأة هزيلة، قد أنهكها العمل المضني طيلة حياتها، ورأيت أبنائي منصرفين عني، لا أحد يهتم بي كما كنت أفعل معهم وهم صغار، ووجدت زوجي وقد تزوج بأخرى، تمنحه الحب والاهتمام الذي حرمتهما إياه بسبب ضغوط عملي وأعبائه.

لا أخفي عليكِ هزتني تلك الصورة هزة عنيفة، وقلت لنفسي: هل هذا هو تحقيق ذاتي؟! وأين مكانتي بين أسرتي؟ قدَّر الله لي أن يكون عملي مرهقًا بدنيًّا ونفسيًّا؛ فلست معلمة أو إدارية لها مسؤولية محددة وساعات عمل قليلة؛ ولذلك قررت أن آخذ إجازة مفتوحة، أتفرغ فيها لبيتي وأعيد ترميم علاقاتي بأسرتي وبجميع من حولي، وأتفرغ فيها لنفسـي، أستعيد توازني وأتطور، فأقرأ وأتعلم كيف أربي أبنائي، وقد اتفق معي مدير العمل أن يعطيني جزءًا من أعمالي أنهيها من بيتي، فأعمل معهم عن طريق الشبكة العنكبوتية، بساعات محدودة نصف الساعات التي كنت أقضيها بين مكتبي والمواصلات.

أعترف لكِ أني قد تغيرت تمامًا، وتيقنت أن سعادتي وتحقيق ذاتي الحقيقي هو بين زوجي وأبنائي، وأني كنت مخدوعة بأناس ماديين لا يهمهم سوى طحن المرأة، والانتفاع بها لتحقيق مطامعهم، ولا يهمهم أسرة متهالكة ولا امرأة أخفقت في تربية أبنائها وإدارة بيتها. لا أعيب على امرأة خرجت من بيتها لتعمل، خاصة لو كانت في أول حياتها أو لم تتزوج بعد، فالمسؤولية لا زالت صغيرة. ولا أعيب على امرأة خرجت لتعمل وتحسن إدارة وقتها، ولا تسمح لأي شخص بتربية أبنائها غيرها، بل ولا تعتمد على خادمة في بيتها.

 ولكن أعيب كل العيب على زوجة تخلت عن مسؤوليتها تجاه زوجها، وأم تركت أبناءها لتربيهم لها الخادمة، وخرجت هي لتحقق ذاتها في الشارع، حيث لا أمن ولا أمان ولا تحقيق ذات أصلًا. وجدت نفسي ضعيفة لا تحسن الترتيب، ولا تجيد تحمل كل هذه الأعباء، فرحمتها وآثرت بيتي وزوجي وأبنائي على كل المناصب والأموال.

 وأنا الآن أشعر بسعادة غامرة، وأعيش حياة لم أعشها من قبل، أنا الآن زوجة تحسن التبعل لزوجها، وأم حانية تهتم بجميع تفاصيل أبنائها، وأنا الآن ملكة وسط مملكتي، فلتبارك لي كل واحدة منكن تبوئي هذا المنصب العظيم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...