النخبوية النسوية: ماذا حققت للمرأة العربية؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

النخبوية النسوية: ماذا حققت للمرأة العربية؟

دراسات وتقارير » تيارات
24 - رجب - 1438 هـ| 20 - ابريل - 2017


النخبوية النسوية: ماذا حققت للمرأة العربية؟

من يتأمل واقع الحركات النسوية العربية، منذ نشأتها وحتى الوقت الحالي: يدرك أن هناك مسافة شاسعة بين وجودها الإعلامي النخبوي, وبين حراكها الواقعي وقربها من قضايا المرأة الجوهرية والحقيقية.

فتلك الحركات تجدها في قاعات الاجتماعات, وعلى شاشات الفضائيات, وتفتقدها في واقع المرأة, ولا تكاد تسمع لها همسا حينما تطرح القضايا الجادة، التي تنغص على المرأة العربية معيشتها, إذ إن أجندتها محشوة بقضايا وأفكار لا تمت لواقع المرأة بصلة.

ولذا يمكن القول بأن الخيط الناظم لهذه الحركات النسوية, على اختلاف مشاربها وتوجهاتها النخبوية, فهي لم تكن يوما حركة شارع، تعتني بقضايا المرأة المجتمعية, بل ظلت حركة نخبوية بين النساء المرتبطات والمنبهرات بالثقافة الغربية, ذوات الأجندات الخاصة.

 

الحركة النسوية وواقع المرأة العربية:

فنحن إذا أردنا أن نقيم الدور الذي لعبته الحركات النسوية في البلاد العربية، فسنجد أن النتيجة مخيبة, ولا تستحق الذكر, فنسبة الأمية بين النساء مخجلة، ومعدلات الفقر فاضحة, وأرقام البطالة صادمة!

فنسبة الأمية بين النساء البالغات في الدول العربية قرابة ٣٦.٥٪ في ٢٠٠٩م، وفي دولة مثل اليمن، تبلغ نسبة أمية النساء فيها ٦٥٪.

وبحسب تقرير (الأسكوا) ـ اللجنة الاقتصادية الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة لمنطقة غرب آسيا، ومن بينها ١٣ دولة عربية ـ تبلغ نسبة البطالة بين النساء ٤٠٪ من مجموع العاطلين في بعض الدول العربية.

وتضم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 13 من بين 15 بلدا في العالم، تعاني من أدنى معدل لمشاركة المرأة في القوى العاملة، بحسب تقرير "الفجوة بين الجنسين في العالم لعام 2015م".

أضف إلى ذلك: أن هناك 7 ملايين امرأة سورية، متضررة من النزاع والحرب في سورية، يقمن بإعالة أسرهن، لكنهن يتعرضن للعنف ويحتجن للمساعدة.

ويشهد العالم العربي خلال السنوات الأخيرة: ارتفاعا ملحوظا في نسب الطلاق، حسبما تشير البيانات التي تصدر عن الجهات الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني.

فوفقاً لإحصائيات وزارة العدل في المملكة العربية السعودية لعام 2015م، هناك ما يقارب الثماني حالات طلاق كل ساعة، أي نحو 188 حالة يوميا!

وفي مصر، وبحسب تقرير مركز معلومات مجلس الوزراء، فهناك نحو مليون حالة طلاق سنويا أمام محاكم الأسرة بمصر، وتقع 240 حالة طلاق يوميا، بمعدل عشر حالات طلاق كل ساعة، كما بلغ إجمالي عدد حالات الخلع والطلاق عام 2015م ربع مليون حالة، بزيادة 89 ألف حالة عن عام 2014م.

واحتلت مصر المرتبة الأولى عالميا، بعد أن ارتفعت نسب الطلاق من 7% إلى 40% خلال الخمسين عاما الأخيرة، ووصل عدد المطلقات إلى ثلاثة ملايين.

 

وترجع هذه النخبوية المسيطرة على الحركات النسوية بالأساس إلى عدة عوامل من أهمها:

1/الثقافة العلمية للرائدات النسويات:

إن أغلب قيادات الحركات النسوية العربية، وأهم رموزها من اللواتي درسن في خارج البلاد العربية, وحصلن على دراسات وشهادات عليا من الجامعات الغربية, لاسيما الفرنسية والأمريكية, ومن ثم تجدهن منفصلات إلى حد كبير عن واقع المرأة في البلاد العربية, ولا يعرفن إلا النادر والقيل من القضايا التي تنغص على المرأة العربية معيشتها.

2/الوسط الاجتماعي:

تنحدر غالب القيادات النسوية من شرائح اجتماعية ثرية, وقد أثر هذا الوسط الاجتماعي على تمثلهن للواقع النسوي، إذ جعلهن ينظرن إلى القضايا النسوية من منظور وضعهن الاجتماعي المتعالي, وذلك من خلال تركيزهن على قضايا نخبوية، دون التطرق إلى البحث في وضعية الشرائح الشعبية، التي تنتظر تغييرا لوضعيتها الاقتصادية والاجتماعية.

3/الانتماء الحضري:

يضاف إلى ما سبق أن غالبية الرائدات النسويات ينتمين بحكم النشأة إلى الحواضر والمدن, وهذه النشأة قد أثرت بشكل كبير على تفكيرها وسلوكها وتصرفاتها، ورؤيتها لواقع المرأة في البوادي والقرى, والتي تعاني أكثر من مثيلتها الحضرية.

فقضايا المرأة في المدينة، تختلف إلى حد كبير في حجمها ونوعها وطبيعتها، عن قضايا المرأة في الريف والقرى, وهؤلاء النسويات النخبويات يفتقدن الدراية والمعرفة بهذا الواقع, وربما لا يعرفنه إلا من خلال الاطلاع والقراءة فقط. 

 

لماذا كانت النخبوية سببا في فشل النسوية؟

وسيطرة هذا الطابع النخبوي على أجندة الحركات النسوية العربية, كانت من أبرز أسباب فشل تلك الحركات, ولعل ذلك يبدو واضحا في المعالم الرئيسة التي ميزت الحركات النسوية العربية, وهي:

1/ارتبط التنظير النسوي بواقع المرأة الغربية:

فالحركة النسوية, بجملتها, حركات غربية مستودرة, وأقحمت في جسد البلاد العربية إقحاما, وكان حريا, والأمر كذلك, أن تعد النسويات العربيات أجندة عربية خالصة، منبثقة من واقع ومعاناة المرأة العربية, ولكنهن فضلن مع ذلك أن يستوردن القضايا والآليات والممارسات والأفكار من الخارج, فكانت حركات منبتة عن واقعها.

وإذا كانت الحركات الغربية النسوية، اعتمدت مبدأ النقد في ضوء التحولات التي مرت، وتمر بها المجتمعات الغربية, فإن نظيرتها في البلاد العربية متكلسة جامدة، لا تريد أن تخرج من شرنقتها الغربية، لتلامس حرارة الواقع الحقيقي للمرأة العربية, واستمرئت الحديث في قضايا تغريبية، يلفظها الواقع العربي جملة وتفصيلا.

فالنسويات العربيات يمثلن في كثير مما يطرحنه من أفكار صدا لما تتناوله النسويات الغربيات، أكثر مما يعبرن عن احتياجات المرأة العربية ومعاناتها, إذ يرون المرأة الغربية قدوة على المرأة العربية أن تحاكيها, حتى في طبيعة مشكلاتها!

2/طرح أفكار وقضايا فلسفية جدلية:

إن كثيرا من أطروحات النسوية في العالم العربي هي: أطروحات فلسفية جدلية، تعكس في طبيعتها الثقافة الغربية لرائدات تلك الحركات, ومن ثم بدت مختلفة عن القطاع الكبير من النساء اللواتي ينتمي أغلبهن إلى القرى أو إلى مدن صغيرة تتميز بمحافظتها؛ وهو ما يجعل من الصعب أن تتماهى هذه الجماهير النسوية العربية مع هذه القيادات التغريبية.

ومن ثم فقد بقيت الحركة النسوية النخبوية متعالية على واقعها في خطابها وأسلوب حديثها، حيث عادة ما تستعمل لغة وخطابا، لا يتم استيعابه من لدن أوسع الفئات النسوية, فنظرت لها المرأة المسلمة كمجرد سفسطة فكرية لا جدوى منها ولا ضرورة للاشتباك معها.

3/أجندتها الرافضة للثوابت الدينية:

إن الثقافة والتعليم الغربي لرائدات الحركة النسوية العربية، وزياراتهن المتكررة إلى عواصم الدول الغربية، للمشاركة في المؤتمرات النسائية العالمية: قوى من استلابها الفكري والسلوكي, فبدت في طريقة تفكيرها ولباسها صادمة لشريحة كبيرة من نساء المجتمعات العربية، اللاتي هن محافظات بطبيعة النشأة والتكوين.

لذا لم تجد هذه النسوية النخبوية أي رواج يذكر, فهي لم تقنع الشريحة الكبيرة بنبرتها التشكيكية الرافضة للثوابت الدينية والمجتمعية, ولم يقبل عداءها الصارخ للدين.

فأنموذج المرأة المعادية للرجل، بضاعة كاسدة في البلاد العربية، يقابلها مجتمع النساء قبل الرجال بالسخرية والاستهجان, بالقدر نفسه الذي يمتعض منه من أفكار تعد من جوهر الفكر النسوي، من أمثال: معاداة الأب بدعوى مواجهة الفكر الذكوري والبطريركية الأبوية! والتمرد على مفهوم الأسرة بدعوى تحرير المرأة!

4/تجاهل السياق الخاص المحيط بالمرأة العربية:

لأسباب متعددة، أهملت الحركة النسوية العربية، ما يمكن تسميته بالمجال الخاص للمرأة, مع توجيه عنايتها للمجال العام، الذي يتيح لها فرصة أكبر للظهور الإعلامي، وتبوأ مقاعد الوجاهة في المجتمع, وإشباع طموحها السياسي.

وتناست في خضم هذا التوجه إلى الفضاء العام، ما تواجهه المرأة العربية في فضائها الخاص، من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية بالغة السوء.

 

وأخيرا نقول للحركات النسوية في عالمنا العربي والإسلامي:

1- إن وضعية المرأة هي جزء من وضعية الإنسان العربي، المكبل بأغلال التخلف والتهميش الممنهج والإقصاء, ومعالجتها يجب ألا ينفصل عن هذا السياق العام.

2- لكي تتحرر الحركات النسوية من النخبوية، يجب أن تكون ذات ارتباط حقيقي وحميم بمتطلبات المرأة العربية، وبشكلٍ خاص في مستوياتها الاقتصادية والتعليمية.

3- إن تغيير وضعية المرأة، وتلبية مطالبها لا يأتي بترديد الشعارات والمفاهيم التحررية، والتوقيع على الاتفاقيات، ولا بتبني الأفكار النسوية النخبوية، في مفهومها المتمرّد على القيم الدينية والعادات المجتمعية, وإنما بتبني أجندة وطنية خالصة، متصالحة مع قيم المجتمع وعاداته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ داليا جبر ـ المرأة العربية بين الواقع.. وما يجب أن يكون.

ـ أم يحيى بنت محمد ـ الحركات النسوية تعيش تحت عباءة الأنظمة المستبدة.

ـ د.محمد شقير ـ خوارم الحركة النسائية في المغرب.. تبعية وتشرذم ونخبوية.

ـ سوسن زكزك ـ الحركة النسائية العربية و"النخبوية".

ـ محمد السلايلي ـ المرأة القروية ونخبوية العمل النسائي بالمغرب.

ـ مها السويس ـ  10 حقائق لم تعرفها عن المرأة في العالم العربي.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


عصام عبدالباسط زيدان أبوزيد

1ـ بكالوريوس علوم سياسية ـ كلية التجارة ـ جامعة الإسكندرية

2ـ ليسانس شريعة ـ كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر بالقاهرة

3ـ دبلوم دراسات إسلامية ـ المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة

4ـ دبلوم شريعة وقانون ـ كلية الحقوق ـ جامعة الإسكندرية.

1ـ مدير مركز نهضة أمة للدراسات الإنسانية.

2ـ كاتب بتقرير البيان الاستراتيجي.

3ـ كاتب بالعديد من المواقع الالكترونية.

4ـ نائب مدير تحرير موقع لواء الشريعة.


الكتب المنشورة:

1ـ مبادئ التحليل السياسي.

2ـ أسس الدراسات المستقبلية..التقنيات والتطبيقات (تحت الطبع).


الدراسات المنشورة:

1ـ الاحتجاجات السياسية المعاصرة وضوابطها في الفقه الإسلامي.

2ـ مأسسة الجهود لمواجهة التنصير في العالم الإسلامي.

3ـ الإستراتيجية الغربية لاحتواء الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...