بين شاعر النيل وأمير الشعراء هل تغيرت صورة المستعمر في ضوء ما يجري في سوريا والعراق لها أون لاين - موقع المرأة العربية

بين شاعر النيل وأمير الشعراء هل تغيرت صورة المستعمر في ضوء ما يجري في سوريا والعراق

أدب وفن » آراء وقراءات
23 - شعبان - 1438 هـ| 19 - مايو - 2017


بين شاعر النيل وأمير الشعراء هل تغيرت صورة المستعمر في ضوء ما يجري في سوريا والعراق

يقول شوقي:

وللمستعمرين وإن ألانوا     

قلوب كالحجارة لا ترِقُّ

 

إنها صورة جميلة موحية معبرة، فالمستعمر وإن ابتسم في وجهك، ووضع العقدة في رقبته، ولبس وتزين وتنعم، فله قلب أقسى من الحجارة لا يرحم.

 

والشاعران حافظ إبراهيم (شاعر النيل)، وأحمد شوقي (أمير الشعراء): عاشا في فترة بروز قوة الفرنسيين والبريطانيين، وسيطرتهما على العالم العربي وغيره من بلاد المسلمين بعد زوال العثمانيين بعيد الحرب العالمية الأولى، وإعطاء وعد بلفور وانكشاف اتفاقية سايكس بيكو؛ فلقد حصل ما توقعه السلطان عبد الحميد، من أن زوال ملكه بداية جريان دماء المسلمين في كل مكان، واستضعافهم واستذلالهم، وتمزقهم، وتسليط أعدائهم عليهم، سواء كانوا أخفياء أم ظاهرين، وما أشبه الليلة بالبارحة والقسوة، برزت منذ بداية الاحتلال لبلادنا في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين.

 

من يتجول في ديواني الشاعرين؛ كي يرسم صورة المستعمر، فلن يعجز، وسيجد المتابع للأحداث اليوم في الشام واليمن والعراق أن صورة المستعمر(المستخرب) الحديث، لا تختلف أبدا عما كانت عليه، ولكن الذي اختلف هو أسلوب إدارة المعركة مع هذه الأمة وأدواتها وأشخاصها وكيفيتها وأسلوب التخطيط، ولكن جوهر المعركة واحد قديما وحديثا. ولا تعجزنا الأدلة لإثبات هذه الحقيقة، وربما أي متابع ألمعي يدرك ما أردت بيانه.

    

واسمع ما قال حافظ إبراهيم في حادثة دنشواي التي وقعت سنة 1906م، وملخصها: أن خمسة ضباط إنكليز قصدوا البلدة للصيد (وهي بلدة من أعمال مركز تلا بمديرية المنوفية) فأصيب برصاص الضباط بعض الأهالي، فثار هؤلاء واصطدموا بالضباط، فقتل منهم من قتل، فأعدمت الحكومة أربعة من الأهالي، وحبس وجلد ثمانية، وتمت هذه العملية بمنتهى القسوة، وقد تبين بعد ذلك أن الضابط البريطاني مات بضربة الشمس.

ليت شعري أتلك محكمة التفتيش 

عادت أم عهد نيرون عادا

كيف يحلو من القوي التشفي      

من ضعيف ألقى إليه القيادا

ثم وصف أحوال الأبرياء من أهل مصر: (والقصيدة يخاطب اللورد كرومر حاكم مصر أيام الإنكليز)

جُلِدوا ولو منيتهم لتعلقوا          

بحبال من شُنِقوا ولم يتهيبوا

شُنِقوا ولو مُنِحوا الخيار لأهلوا     

بلظى سياط الجالدين ورحَّبوا

ثم في قصيدة أخرى يصور الظلم في عهد بريطانيا، حيث صار منظما بعد أن كان من قبل فوضويا، والقصيدة قيلت سنة 1907يخاطب بها كرومر:

لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت    

حواشيه حتى صار ظلما منظما

عملتم على عز الجماد وذلِّنا    

فأغليتم طينا وأرخصتم دما

وقال بمناسبة حرب طرابلس 1912م، وهي حرب انتزاع الطليان طرابلس الغرب من تركية:

طمع ألقى عن الغرب اللثاما    

فاستفق يا شرق واحذر أن تناما

أحرقوا الدور واستحلوا كل ما     

حرمت لا هاي في العهد احتراما

عجز الطليان عن أبطالنا           

فأعَلُّوا من ذرارينا الحُسَاما

كبَّلوهم  قتلوهم  مثَّلُوا        

بذوات الخِدْر طاحوا باليتامى

ذبحوا الأشياخ والزمْنى ولم     

يرحموا  طفلا ولم يُبْقوا غلاما

 

وإذا عدنا إلى شوقي، فهو يصور ذات الأهوال التي تشير إلى قسوة المستعمرين (المستخربين)، وهي تعد بالنسبة إلى ما يجري اليوم من الاستخراب والاستكبار الجديد رحمة!! ولكن طبيعة المستعمر لا تتغير، ولكن الذي يتغير هو الأسلوب كما أشرت من قبل.

 

ولما ضرب الأسطول الإيطالي بيروت قال شوقي:

سالت دماء فيكِ حول مساجد     

وكنائس ومدارس وبنوك

سبعون ليثا أحرقوا أو أغرقوا    

يا ليتهم قتلوا على طبروك

ما كنت يوما للقنابل موضعا    

ولو أنها من عسجد مسبوك

وفي ذكرى استقلال سوريا، قال شوقي قصيدة ذكر فيها يوسف العظمة، الذي استشهد في معركة ميسلون ضد الفرنسيين، وتطرق إلى جرائمهم:

 سأذكر ما حييت جدار قبر     

بظاهر جلق ركب الرمالا

مشى ومشت فيالق من فرنسا     

تجر مطارف الظفر اختيالا

ملأن الجو أسلحة خفافا      

ووجه الأرض أسلحة ثقالا

وأرسلن الرياح عليه نارا     

فما حفل الجنوب ولا الشمالا

 

وها هو يشارك في حفل أقيم لإعانة منكوبي سوريا 1926م في حديقة الأزبكية بالقاهرة، ويصف ما فعله الفرنسيون في دمشق بعد احتلالها من قبلهم:

رباع الخلد ويحك ما دهاها    

أحق  أنها   درست   أحق

بليل للقذائف والمنايا

وراء سمائه خطف وصعق

سلي من راع غيدك بعد وهن      

أبين فؤاده والصخر فرق

 

ولم يغفل شوقي الحديث عن دنشواي؛ فلقد خلدها بقصيدة تشير إلى حقد الإنكليز ووحشيتهم فقال:

يا دنشواي على رباك سلام      

ذهبت بأنس ربوعك الأيام

كيف الأرامل فيك بعد رجالها    

وبأي حال أصبح الأيتام

عشرون بيتا أقفرت وانتابها     

بعد البشاشة وحشة وظلام

نيرون لو أدركت عهد كرومر  

لعرفت كيف تنفذ الأحكام

نوحي حمائم دنشواي وروعي

 شعبا بوادي النيل ليس ينام

 

وأخيرا: فلو قارنا بين جرائم المستعمرين (المستخربين) الذين تحدث عنهم حافظ وشوقي، وبين جرائم الاستخراب الحديث الذي تمثل فيما يفعله الروس وحلفاؤهم في سوريا، وحلفاء الروافض في العراق، وما يقوم به الفرس في اليمن بواسطة عملائهم، لعدت أعمال أولئكم يسيرة؛ فلقد تغيرت آلات التدمير، وتفكك المسلمون وضعفوا، فلم يعد ينجد بعضهم بعضا، كما كان سابقا. وأنا أقرر بأن ما يجري اليوم هو امتداد لما وقع بالأمس، ولكن تغيرت الأسماء والألقاب والخطط والبرامج. وإن المخطط التدميري التهجيري لأهل  السنة في المنطقة، وإحلال أقوام غرباء اليد واللسان والفكر محلهم، لدليل على أن الصور تتكرر بأشكال متنوعة، فعلينا أن ننتبه لهذا.  

 

 

روابط ذات صلة


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...