كيف أجمع بين الخوف والرجاء؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

كيف أجمع بين الخوف والرجاء؟

عالم الأسرة » همسات
12 - رمضان - 1438 هـ| 07 - يونيو - 2017


1

تسأل إحدى السائلات تقول: أنا مصابة باكتئاب شديد؛ بسبب الخوف من الله ـ تعالى ـ فأنا أبكي من خشية الله كثيرا، وأخاف ألا أذهب إلى الجنة، وأخاف من سوء الخاتمة ماذا أفعل؟ وكيف أجمع بين الخوف والرجاء؟ وهل صحيح أننا إذا رددنا غيبة أخينا المسلم الله تعالى سيعتقنا من النار؟ وشكراً.

نقول: الخوف من الله تعالى والبكاء من خشيته عبادتان من أجل العبادات قال الله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:175) وقال تعالى: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (التوبة:13)، وقال تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) (المائدة: الآية44)، وأكثر الناس خشية لله تعالى أعرفهم بالله، وهو أكثرهم انتفاعا بما جاء عن الله ـ تعالى ـ وعن رسوله ـ صلى الله وسلم ـ قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر:28)، وقال تعالى: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) (الأعلى:10) وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله" [رواه الترمذي (1936) والضياء في المختارة (2198) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني]. ورواه من حديث أنس رضي الله عنه أبو يعلى (4346)] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم" [رواه أحمد 2/505 والنسائي (3108) والترمذي (2311) وقال (حديث حسن صحيح)، وصححه الألباني] وأين من يبكي في هذا العصر من خشية الله تعالى؟.

أما خوفك ألا تذهبي إلى الجنة: فالواجب على المؤمن إذا فعل ما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، واجتنب ما نهى الله عنه، ورسوله صلى الله عليه وسلم، الواجب عليه أن يثق بوعد الله تعالى له، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء:124)، وقال تعالى: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)(غافر:40). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (النساء:122) وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (المائدة:9) وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:72).

أما ما يتعلق بكيفية الجمع بين الخوف والرجاء: قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: "القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر. ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف، على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره. قال: ينبغي للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد، وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه" ا.هـ (مدارج السالكين 1/516) وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد "ا.هـ (مجموع الفتاوى 10/81).

أما الفقرة الأخيرة، وهي فضل رد الغيبة عن المسلم: فقد قال صلى الله عليه وسلم "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " (رواه أحمد 6/450 والترمذي (1931) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه وحسنه الترمذي، وصححه الألباني). وقال عليه الصلاة والسلام: "من ذب عن عرض أخيه بالغيبة، كان حقا على الله أن يعتقه من النار"(رواه أحمد 6/461 والطيالسي (1632) والطبراني 24/176من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها وحسنه المنذري في الترغيب 3/333 والهيثمي في المجمع 8/95). وهناك أعمال كثيرة ثوابها العتق من النار، يمكن الرجوع إليها في كتاب الترغيب والترهيب للمنذري.

أما أسباب لحسن الخاتمة فكثيرة منها:

  • الاستقامة: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) فصلت30 .
  • حسن الظن بالله: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي) [رواه البخاري(6970) ومسلم(2675)].
  • التوبة: قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور 31
  • الصدق في طلبها عن شداد بن الهاد رضي الله عنه: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه، فقال ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا؟ قال: (قسمته لك) قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا، وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: (إن تصدق الله يصدقك) فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهو هو)؟ قالوا: نعم. قال (صدق الله فصدقه) ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك، فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك"(رواه عبد الرزاق 3/545 والنسائي (1953) والحاكم 3/688، وصححه الألباني]، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
  • روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


    د. نايف بن أحمد بن علي الحمد

    دكتوراة في الفقة.

    جهة العمل: قاضي المحكمة العامة بمحافظة رماح.
    المؤلفات: 1ـ آثار الطلاق المالية "ماجستير". 2ـ تحقيق كتاب "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن القيم ـ أطروحة لنيل درجة الدكتوراه. 3ـ قوادح القياس. 4ـ أحكام الجوار. 5ـ الإيلاء في الفقه الإسلامي.


    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...