إمام وخطيب المسجد الحرام: هذه العلامات الثابتة في السنة النبوية عن ليلة القدر

أحوال الناس
23 - رمضان - 1438 هـ| 17 - يونيو - 2017


إمام وخطيب المسجد الحرام: هذه العلامات الثابتة في السنة النبوية عن ليلة القدر

الرياض - لها أون لاين

أكد إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور خالد الغامدي، على ضرورة اعتنام العشر الأواخر من شهر رمضان في الطاعات، والإكثار من فعل الخيرات، ودعا المسلمين إلى تقوى الله عز وجل، والعمل على طاعته واجتناب نواهيه.

وقال: تكاثرت النصوص، وتوالت في فضائل شهر الصيام، وقيام شهر رمضان المبارك حتى عرف عامة الناس مكانته، وجلالته، وأثره العظيم في تربية الأرواح والقلوب، وتهذيب النفوس، بيد أن هذه المعرفة النظرية لا تتطابق مع السلوك العملي في واقع بعض الناس، ولم تترجم إلى ما هو مطلوب منهم فعله في هذا الشهر الكريم؛ ولذلك انقسم الناس في شهر رمضان إلى ثلاثة أقسام تبعاً لأحوالهم وأعمالهم، ومدى امتلاء قلوبهم بخشية الله ومحبته، وشعورهم بأن أيام رمضان ولياليه فرصة عظيمة لا تقدر بثمن.

وقال الشيخ الغامدي: فمن الناس من لم يشعر بجلالة هذا الشهر وأثاره الإيمانية والروحية والتربوية، فظلم نفسه بالتفريط في الفرائض والنوافل والقربات، وتحقيق الصيام على الوجه الصحيح، ولم يتورع هؤلاء عن ارتكاب معاصي القلوب واللسان، والنظر والسماع في أيام هذا الشهر ولياليه، وانشغلوا بملذات الحياة ومآكلها ومشاربها، وملهيات العصر ووسائل تواصله الاجتماعي، ولم يستفيدوا شيئا من نفحات هذا الشهر وهداياته، ونحن على أعتاب الثلث الأخير منه، ولم يزدادوا من الله إلا بعداً، فاستحقوا أن تصيبهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على من أدرك رمضان فلم يغفر له، فرغمت أنوفهم وثكلتهم أنفسهم، إلا أن يتداركهم الله برحمته، ويدركوا أنفسهم قبل رحيل هذا الشهر المبارك، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)فصلت46.

وبين فضيلت: أن الموفق السعيد، والأريب النبيل هو: السابق للخيرات بإذن الله، الذي عقل عن الله، فرأى في شهر رمضان معلمة كبرى، من معالم الإيمان التربوية الربانية وإصلاح النفوس  وتقويم العادات وتحسينها، وتزكية القلوب والأرواح، فاغتنم هذا الموفق السعيد أيام رمضان ولياليه في التغير النافع، والاهتداء والإصلاح، فاجتهد وعمل، وسارع وسابق ونافس في الخيرات، فسبق وفاز وازداد كل يوم في رمضان قرباً من ربه، ورقياً في مقامات الإيمان، حتى يصل إلى مقام الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، وتنشأ بينه وبين ربه علاقة خاصة، لا ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، وتلك لعمر الحق، من أرفع مراتب الدين ومقاماته، ومن أفخم هدايات شهر رمضان وبيناته.

وأوضح الشيخ الغامدي: أن المعاني والقيم التي يغرسها شهر رمضان في النفوس والقلوب كثيرة ومتنوعة، وكلٌ ينهل من معين رمضان، بحسب استعداده وإقباله على ربه، فمن الناس من قلبه مثل الوادي الكبير، يسع غيث القرآن والصيام والقيام، وكانت أرضه طيبة، فقبلت الماء، وأنبتت العشب والكلا الكثير، بل وحمل معه الجم الغفير من الناس، وأصبح مثل السراج المزهر، والكوكب الدري المنير. ومن الناس من قلبه مثل الوادي الصغير جداً، الذي لا يحتمل شيئاً وكانت أرضه أجادب وقيعان لم تمسك الماء، ولم تنبت الكلا والعشب، وضاقت صدره عن استقبال غيث رمضان المنهمر في كل وقت، وبين هذين الواديين أودية أخرى سالت بقدرها، كذلك يضرب الله الأمثال للناس ليعتبروا ويتعظوا.

وأكد فضيلته: أن من أجل المعاني والقيم التي يغرسها شهر رمضان في قلوب المخبتين الصادقين الخاشعين لله: أنه يربيهم على التجرد لله، فهم إن صاموا، صاموا لله وحده، أو قاموا الليل من أجل الله إيمانا واحتساباً، أو قرأوا القرآن وختموه مراراً حباً لله، وتقرباً إليه ويدعون شهوتهم وطعامهم من أجل الله سبحانه، ويبتعدون عن السباب والخصام والغيبة والنميمة وسائر المعاصي، رجاءً في ثواب الله، وخوفاً من عقابه.

 وتساءل كم هي الأفراح في رمضان، التي تغمر القلوب المتجردة لله. فهم طيلة شهر كامل يتربون على معاني التجرد لله والإخلاص والصدق.

          وقال فضيلته: إن ذلك سوف ينعكس إيجاباً على حياتهم وأخلاقهم وأقوالهم وتصوراتهم، فإن من ذاق لذة العمل لأجل الله وحده، استغنى بربه، وأشرقت روحه، وهانت عنده لذات الحياة كلها، واحتقر اللهاث والسعي وراء رضا الناس وحمدهم، واستعلى بإخلاصه وتجرده وترفع على حظوظ النفس ومطامع القلوب، وتلك نفحة من نفحات رمضان وهداياته، وأثر من أثار أنواره وبيناته.  فيا سعادة من ذاق طعمها وحلاوتها فقد أردك جنة الله المعجلة، ويا بؤس من لم يذق لذة هذه المعاني الإيمانية الرمضانية، ولم يشم لها رائحة قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)البقرة185.

وحث إمام المسجد الحرام إلى اغتنام الثلث الأخير، والعشر المباركات؛ لشرفها وجلالتها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصها بكثرة العبادة والاجتهاد في القربات والاعتكاف والخلوة بربه، ثبت أنه "إذا دخلت العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر"(متفق عليه).

فيجتهد فيها مالا يجتهد في غيرها، وقد اختص الله هذه العشر بليلة القدر، التي لا مثل لها ولا نظير، فهي الليلة التي أنـُزل فيها القرآن، فإما أن يكون المراد أن ابتداء نزول القرآن على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في هذه الليلة، أو يكون المراد أن نزول القرآن من اللوح المحفوظ ونسخه منه جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، كان في هذه الليلة المباركة؛ ولذلك يكثر فيها نزول الملائكة إلى الأرض، فتضيق بهم من كثرتهم، حتى إن جبريل عليه السلام ينزل إلى الأرض لجلالة هذه الليلة وعظمتها عند الله، ـ سبحانه ـ كما قال سبحانه وتعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)سورة القدر.

ولفت فضيلته إلى أن ليلة القدر ليلة سالمة من كل سوء وكدر، طلقة سمحة معتدلة، لا حارة ولا باردة، منيرة مضيئة، لا يُرمى فيها بنجم، ولا ترسل فيها الشهب، ولا يخرج شيطانها حتى ينبلج الفجر، وتطلع الشمس في صبيحتها حمراء ضعيفة لا شعاع لها. مؤكداً أن هذه العلامات ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأوضح أن من جلالة هذه الليلة: أنها ليلة التقدير السنوي، فيفصل فيها ما في اللوح المحفوظ على صحائف الملائكة من أحداث الدنيا والوقائع العامة والخاصة التي تحصل في الكون للسنة القادمة، كما قال تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)سورة الدخان5،4، فجميع ما يكون في السنة القادمة: يقدره الله ـ تعالى ـ من رزق وحياة وموت وعزة وذل وغنى وفقر وغير ذلك، يفصل من اللوح المحفوظ في هذه الليلة الشريفة العظيمة القدر. فلا غرو إذاً أن تكون العبادة فيها والطاعات، أفضل وأعظم أجراً من عبادة ألف شهر، يعني ما يقارب أربعا وثمانين سنة.

وقال فضيلته عن أهمية ليلة القدر: فقد كان السلف يتحرون إدراكها بعناية بالغة، ويحرصون عليها حرصاً شديداً، حيث تحراها النبي صلى الله عليه وسلم وحث صحابته على تحريها، وهي في العشر الأواخر قطعاً، والغالب أنها في الأوتار، وقد تكون في الأشفاع، وهي في سبع بقين، أو سبع يمضين أرجى، وكثيراً ما تكون في ليلة سبع وعشرين، خاصة إذا وافقت ليلة جمعة، والمشهور عند كثير من العلماء أنها تنتقل في الغالب، وليست ثابتة في ليلة معينة في كل الأعوام، وهذا التنقل مقصود حتى يجتهد العبد في كل العشر، ولا يتكل على ليلة واحدة، ولا يحرص على تتبع رؤى وتعبيرات المعبرين وحسابات الحاسبين.

 وأضاف قائلاً: إذا اجتهد العبد في ليالي العشر كلها، فقد أصاب وأدرك ليلة القدر قطعاً، فاتقوا الله أيها مسلمون، وأروا الله من أنفسكم خيراً، واجتهدوا فيما بقى من الشهر، فالأعمال بالخواتيم، والسابق من سبق في هذه الأيام، والمحروم من حرم الخير والمغفرة والأجور في رمضان، ولا أعظم حرماناً وخسراناً من حرم من رحمة الله وفضله ومغفرته في ليلة القدر، ولن يهلك على الله إلا هالك قال تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)النساء27.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...