هل نحن في عصر الدونجوانية؟

عالم الأسرة » شؤون عائلية
07 - شوال - 1438 هـ| 01 - يوليو - 2017


1

عصر المعلوماتية والاتصالات: لعل هذه هي أبرز سمات هذا العصر، الذي أصبحنا نعيش فيه الانفتاح على عوالم وثقافات كثيرة. وأصبح التواصل الغير مباشر أسهل من تنفس الهواء. بل هو الأكسجين، الذي يتنفسه أكثر أبناء الجيل الصاعد؛ من خلال الأجهزة المختلفة، ومواقع التواصل المتعددة، حتى سيطر على أوقاتهم، ومشاعرهم، واحتل المكانة الأولى لهم وقتاً وفكراً. وهذا التواصل مكن الصغير قبل الكبير من تعدد العلاقات على اختلاف جنسها، تحت غطاء إضافة (صديق). دون أن نتساءل من هو هذا الصديق؟

فهو إن صح التعبير الصديق المجهول، صاحب الرمزية المستعارة، التي من الصعب اكتشاف كهنتها الحقيقية أو حتى جنسها. ومع ذلك فتعدد الأصدقاء عبر مواقع التواصل يفوق بكثير الأصدقاء على أرض الواقع. وأصبح الانجذاب لهذه الصداقات، يتزايد من حيث العدد والتواصل المتعدد عن طريق الكتابة، أو حتى صوت وصورة؛ فلا يمنع من ذلك غير ضغط بضع أزرار في أي وقت وأي زمان.

وإن كان ذلك هو سمة يتعايش معها البعض وكأنها حدث طبيعي. غير أن آثارها الخطيرة سطت على الكثير من البيوت لتدمرها. ولا تكتفي بذلك وحسب، بل بنت قدوة في الجيل الناشئ، حتى أصبحت الشخصيات الدونجوانية، متعددة العلاقات المنحرفة: ثوب الكثير من الشباب والشابات. و تزايدت فأصبحت ظاهرة لا يختلف في وجودها اثنان.

والبيئة الخصبة التي ساعدت هذه الشخصية الدونجوانية، لتنشأ وتتزايد تتمثل ملامحها بالفراغ العاطفي وضياع الأهداف، مع شيء من الإهمال التربوي الذي يمنح الابن الشعور بالدونية، فينطلق في البحث عن بديل يجعل منه محوراً للاهتمام، وجذاباً في نظر الكثيرين، فيجد نفسه منجذبا لوسائل التواصل لإشباع هذا النقص والحرمان العاطفي. خاصة عندما يقع مع من تعاني في محيطها الأسري، أو تبحث عن احتياجات عاطفية مشابهة لاحتياجاته، فتكتمل حلقة التواصل بينهما. لكنها لا تتوقف عليهما، بل تمتد؛ ليكون محوراً لحلقات متعددة، كما هي طبيعة الشخصية الدونجوانية. فينسج لصديقته عالماً من الأحلام، بخيوط من الوهم والدجل. بالأسلوب الجذاب والكلام المعسول الذي يخطف قلب كل حالمة، تحسب أنها وحدها من تربعت على قلبه، ولم تعلم أنها صورة مكررة من كثيرات، عشن الصداقة الواهمة بين أحضان أنانية دونجواني، هدفه جذب اهتمامهن لإشباع عاطفته ورغباته ونرجسيته.

حتى تشكل قالب العلاقات في بعض مواقع التواصل بالقالب الدونجواني، والذي يؤسس مبدؤه من منطلقات خالية من القيم. فلا حرج من تعدد العلاقات فهي صداقات. ولا حدود مع هذه الصداقات ولا تمييز لنوعها. حتى باتت العلاقة بين الجنسين صداقة طبيعية، لا يستنكرها الكثيرون؛ ولذلك فلا عجب أن تمتد وتتمادى، فالتحدث معهن واستمالت قلوبهن، ورسم الخيال الرومانسي لهن هو هدف للإيقاع بهن. وفي الوقت نفسه، وبالأسلوب نفسه، يستميل أخريات ليصل إلى شبكة من العلاقات تعيش أجواء من الكلمات المعسولة الحالمة، واللقاءات العذبة، واستمالة القلوب بالخداع والكذب، والعيش مع كل شخصية عالم خاص من الأحلام، يتناسب مع مقدار حرمانها العاطفي، الذي هوت من أجله، وهي تحمل في طيات نفسها الثقة بصدق، وشفافية هذا الصديق الرائع، الذي أخلص لها بمعرفة العشرات غيرها بالخطوات نفسها. ليصل لذات النتيجة، ويشبع نرجسيته التي تنبثق من نقص في ذاته وشخصيته. فيحاول تعويضهما بين أحضان علاقاته المتعددة والمتزايدة في كل يوم، في محاولة لإيجاد ذاته المبعثرة التي فقدت بريقها في المجتمع. ليصنع بريقاً لنفسه من احتياله عليهن، وخداعه لهن في جوانب حياته المختلفة. فيبدو وكأنه الشاب المثالي الذي تحلم به كل أنثى؛ ليمتلك قلوبهن. فتمركزهن حوله يصنع عالمه الممتع. خاصة مع غياب الجانب الروحاني والاستقرار النفسي.

وهذه الدونجوانية لا تقتصر على الذكور للأسف، بل إنه يوجد من الإناث من تمارس هذه المغامرات باحترافية، لتُظهر حجم الخطر الذي بات يغزونا غزواً بأقنعة ناعمة، تحمل الحرية والانفتاح شعاراً لها. والحقيقة أن ظاهرها فيه رحمة الصديق، وباطنها فيها سموم الفكر والمشاعر التي يبثها أعداؤنا، لإذابة قيمنا وحرف سلوكياتنا، وتنمية الشخصيات الدونجوانية. لتُبنى بيوتنا خاوية من الإخلاص مليئة بالخيانات. وتأصل لأبنائها منهجاً والدياً في تعدد العلاقات المنحرفة للاقتداء به، والتنشئة عليه بشكل مقنع يخفي ما لا يظهر. فنحن لا ننكر أهمية مواقع التواصل في حياتنا، ومع ذلك لا نستطيع أن نخفي واقعنا معها؛ لذلك فإن علينا أن نقف حيال واقعنا في استخدام مواقع التواصل وقفة جادة لنسأل أنفسنا. هل نحن حقاً في عصر الدونجوانية؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...