خطيب الحرم: الحج شعار الوِحدة والتوحيد وموسم إعلان العهود والمواثيق وحفظ الحقوق والكرامات وحقن الدماء لها أون لاين - موقع المرأة العربية

خطيب الحرم: الحج شعار الوِحدة والتوحيد وموسم إعلان العهود والمواثيق وحفظ الحقوق والكرامات وحقن الدماء

أحوال الناس
03 - ذو الحجة - 1438 هـ| 26 - أغسطس - 2017


1

الرياض - لها أون لاين

          أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور صالح آل طالب: المسلمين بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، وأن ثمرة أعمال الجوارح والقلوب هي التقوى، فاستجلبوها بحسن القصد وحسن العمل.

وقال: حجاج بيت الله وزوار مسجد نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا بيت الله المعظم وهذا حَرَمُه، هذه العرصات التي قضيّتم أعماركم وأنتم لزيارتها تتلهفون، ومضت أيامكم وأنتم إليها تركعون وتسجدون، هنا معاهد النبي، ومن هنا طاف جبريل، هذه الفجاج شهدت نزول الوحي وصاخت لأول التراتيل، وهذه البقاع التي ارتضاها الله للإسلام منطَلَقَاً ومَأرِزَا(1)، وللمسلمين قبلةً ومَركَزا، وليس في أركان الإسلام الخمسة ركن يختص بأرض إلا هذا الفرضُ في هذه الأرض، فاحمدوا الله على الوصول للمأمول، وهنيئاً لكم هذا المشهد، وطوبى لكم هذا المورد.

وأضاف: الأمة تمر بموسمٌ عظيم من خير أيام الله تعالى، وركن من أركان الإسلام العظام، يتجاوز الله فيه عن الخطايا ويغفر الذنوب، ويقيل فيه العثرات، ويقبل الدعوات, إنه الحج إنها أيام عشر ذي الحجة، إنها الأيام المعلومات والأيام المعدودات.

وأردف: الحج إلى بيت الله العتيق، شعار الوِحدة والتوحيد، وموسم إعلان العهود والمواثيق وحفظ الحقوق والكرامات، وحقن الدماء وعصمة النفوس والأموال. فالجلال والجمال والبهاء هو إيحاء منظر الحجيج في حرم الله وفي دروب المشاعر، وفي اتحاد وصفهم وبياض لُبسهم، وفي تلبيتهم الخالدة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

وقال الدكتور"آل طالب": في الحج آيةُ خالقٍ في خلقه، نادَوا معاً لبيك يا الله، جاشت الصدور عند بلوغ مهوى الأفئدة، وفاضت العيون برؤية الأماني، وانقطعت القلوب إلا من رحمة الله، وخلت النفوس إلا من الشوق له، تركوا الدنيا بضجيجها وزخرفها وخلافاتها وراء ظهورهم، وتكامل وفدُ الله ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم، وله يشكرون، يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانا يزدلفون لأقدس مكان: }إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ {3/96} فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا{آل عمران97،96. ويتحرون فضيلة الزمان، ملبين النداء القديم المتجدد }وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {22/27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ{سورة الحج27، ويؤدون ركن الإسلام الخامس }وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين {آل عمران97. يلبون ويدعون، يأملون من الله القبول، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

وأضاف: على هذه الصُعُدات تتنزل الرحمات، وتغسل الخطايا ويعود الحاج نقيا كما ولدته أمه، وليس مكان في الدنيا له ميزة كهذا المكان, فاقدروا أيها المسلمون للبيت حرمته، وتلمسوا من الزمان والمكان بركته، فنبيكم صلوات الله وسلامه عليه يقول: "مَنْ حَجَّ هذا البيت فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"(متفق عليه), وفي الصحيحين أيضا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ) متفق عليه.

وأردف: هذه الأيام موسمٌ للطاعات والقربات، ومضمار للسابقين إلى الخيرات، أقسم الله بها في كتابه العزيز، فقال جل شأنه: (وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ)سورة الفجر. الاجتهاد فيها أعظم أجرا، وأيامها أرفع قدرا، قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء"(أخرجه البخاري). وعند الإمام أحمد: (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).

وقال إمام خطيب المسجد الحرام: إنها أيامٌ تربي المسلم على إحياء السنن وتَنويعِ العبادات، والعودة إلى الله وتزكية النفوس، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (ما مِن أيامٍ العملُ الصالح فيهن) يعني كلَ أنواع العمل الصالح، الذي ينهض بالروح ويربي النفس لتبلغ الكمالات، وتَظهَرُ في تجرد المسلم من أهواءه ودوافعه المادية، وتُخَلصه من المظاهر الدنيوية.

وخاطب حجاج بيت الله قائلاً: اقترب أَوَانُ شُرُوعِكُم في أعمال الحج، فتعلموا أحكامَ مَنَاسِكِكُم، وتحروا صحة أعمالكم قبل إتيانها، تفرغوا لما جئتم لأجله، واشتغلوا بالعبادة والطاعات، فإن ما عند الله لا ينال بالتفريط، أكثروا من الدعاء والتضرع، وألهجوا بذكر الله في كل أحوالكم، فنبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ»   (رواه أحمد، وأبوداود والترمذي وغيرهم وصححه بعض العلماء، وضعفه بعضهم).

وأضاف: إذا وقفتم بعرفات: فأكثروا من ذكر الله تعالى ودعائه، وتذللوا بين يديه، واسألوه خيري الدنيا والآخرة، وألحوا في الدعاء، وأعظموا الرجاء في ذلك الموقف العظيم، فإن "الحج عرفة" كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال أيضاً: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (رواه الترمذي وغيره وحسنه بعض العلماء، وضعفه بعضهم).

وأردف: مَن لم يكن حاجّاً فيُستحَبّ له صيامُ يوم عرفة، محتسِباً أن يكفّرَ الله عنه السنة الماضيةَ والباقية، كما قال ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ"رواه مسلم.

وقال الدكتور"آل طالب": حجاج بيت الله الحرام لترتج هذه المشاعر بالتكبير والتلبية، ولتريقوا على ثراها دماء الهدي والأضحية، وتضرعوا لله في ملكوته بأبلغ الثناء وأصدق الأدعية، وسيروا كما سار أسلافكم في هذه الفجاج وتلك الأودية، واستشعروا أنكم في حرم هو لكل المسلمين غايةٌ وأمنية، وباشروا نسككم مباشرة من لا أمل له بالعود وهو موادع، وقوموا بأعمالكم قيام من هو موقن بأنه إلى ربه راجع، فإنما هي تصرم ساعات وفوات لحظات، ثم هو في زمن غيرِ الزمن وأرضٍ ليست كهذي الأرض، وقد فرط الموسم وتقضت الأيام، وعادت به الركاب إلى حيث كان.

وأضاف: في هذا المكان وبهذا المشهد تطوف على النفس معاني الأخوة والوحدة، وهي المعاني التي امتن الله بها على المسلمين في العصر الأول (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)آل عمران103، فكل فُرقة بين المسلمين هي مدد من عصور الجاهلية، وكل نزاع بينهم هي بعض أنفاس عصور الظلام وفيحٌ من هجيره، وبالتوافق تصلح أحوالُ كل الكائنات، فضلاً عن الإنسان المسلم المأمور بها والموهوبة له سلفاً منةً من الله ورحمة، وكل من أحدث بين المسلمين سبباً للتنازع والشقاق، فقد كفر نعمة التأليف، واقتبس حطباً من نار الجاهلية وعق قومه وغش أمته. إن مقدسات الأمم وأعيادَها ضمانة لكل أمة، إنهم وإن اختلفوا جعلوها سبب اتفاقهم، وإن تنازعوا جعلوها نهاية افتراقهم.

وتابع بالقول: أي مشهد أبهى من هذا التجمع الإيماني العظيم، فيه اجتماعُ الأمةِ وائتلافُهَا، وظهورُ قِيَمِهَا وأخلاقِها (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ)البقرة 197. قيم التسامح والإخاء والبعد عن الخلاف والمراء، قيم المساواة والعدل والأخوة والمحبة, إنه نبراس لسبيل نهضة الأمة وقوتها، والذي لا يتأتى إلا بالوحدة والاجتماع، وتجاوز الخلافات والتسامح, إنه حج البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، ليُجمِعوا أمرهم وليوحدوا صفهم، ولن تكون الوحدة إلا بالانتماء للإسلام الصحيح.

وقال "آل طالب": الانتماء الإسلامي هو الشرف الباذخ والعز الشامخ، وأن أرهقته الليالي وأثقلته الأيام، فالإسلام هو الدين الذي توارث الأنبياء الدعوة إليه، والقرآن هو كلمة الله الأخيرةُ للبشر، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ورسول رب العالمين، فكيف يكون الانتماء إليه خفيض الصوت أو موضع الإهمال؟ أم كيف تتقدم عليه انتماءات بشرية وأرضية؟، فيارب هيئ لنا من أمرنا رشدًا، واجمع أمة نبيك محمد على الهدى والسنة وألف بين قلوبهم، وأطفئ عنهم نار الفتن والحروب والخلافات وأنزل عليهم رحمتك يارب العالمين.

وأضاف: بُعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر كان فوضى في السياسة والأخلاق، ومتخلفاً في الحضارة والتعليم، وتائهاً في الغايات والأهداف ومع ذلك كله عَمَدَ صلى الله عليه وسلم أول ما قصد إلى الدعوة إلى التوحيد، وتصحيح العقائد في نفوس معتنقي الدين الجديد، (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {6/162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)الأنعام 163.  

وأردف: لا يجوز أن يُحوَّل الحجّ إلى ما ينافي مقاصدَه، فلا دعوةَ إلاّ إلى الله وحدَه، ولا شعارَ إلاّ شعارُ التوحيدِ والسنّة، فالدين دين الله والشرع شرعه، والواجب على من بلغه كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع الحق ويطرح ما سواه، ولا يترك القرآن والسنة لقول أحد مهما كان، والله تعالى يقول:(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)النور63. وما وهنت الأمة إلا بقدر ما تسرب إليها من البدع والمحدثات واتباع الهوى.

وتابع: حجاج بيت الله الحرام، لقد كان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مواطنُ يُكثِرُ فيها من الدعاء، حريٌّ بالمسلمِ الحرصُ عليها، منها يومُ عرفة، وبالأخصّ آخرَ النهار، وبعدَ صلاةِ الفجرِ بمزدلفةَ حتى يُسفِرَ جدّاً، وبعدَ رميِ الجمرة الأولى، وبعد رمي الجمرة الثانية من أيام التشريق، وكذا الدعاء فوق الصفا والمروة، فاجتهدوا في تمام حجكم، واتّقوا الله فيما تأتون وتذَرون، وأخلِصوا لله في عملكم وقصدِكم، واتّبعوا الهُدى والسنة، واجتنبوا ما يَخرِمُ حَجّكم أو يُنقِصُه، وعليكم بالرِّفق والسكينة والطمأنينة، والشفَقة والرحمة بإخوانكم المسلمين، سيما في مواطن الازدحام، وأثناءَ الطوافِ ورميِ الجمار وعندَ أبوابِ المسجِد الحرام، واستشعروا عِظمَ العبادة وجلالة الموقف.

وقال "آل طالب": الدولةَ بِرِجَالَاتِهَا وأجهزتها ومؤسساتِها، تبذُلُ جهوداً هائلة لخدمة حجاج بيت الله الحرام وتيسير حجهم، وإن النظامُ وُضِعَ لمصلحتهم، والجهودُ كلُها لأجلهم، ويجب الالتزام بالتوجيهات، واتباع التعليمات، واستشعار عظمة المكان والزمان والتزام السكينة والوقار والاجتهاد في العبادة والإخلاص لله سبحانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • إشارة إلى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا"(رواه البخاري).
  • روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...