لماذا تكتئب الزهور؟

تحت العشرين » صوت الشباب
19 - ربيع أول - 1439 هـ| 07 - ديسمبر - 2017


لماذا تكتئب الزهور؟

البنات في البيت المسلم: زهرات يانعات. مانحات للسعادة والبهجة لكل أفراد الأسرة، وليس شيءٌ أحب لوالدي الفتاة من رؤيتها دائمة السرور والفرح، مستقرةٌ في جميع أمورها، ولكن كثيرا من الفتيات قد يبدو عليهن بوضوح علامات الحزن والاكتئاب، خاصةً مع بدايات البلوغ والمراهقة، فهل يعتبر هذا العرض طبيعيا في هذه المرحلة؟ وهل ثمة علاقة بين الاكتئاب والمراهقة؟ ثم ما هو العلاج؟ وهل يمكن وقاية الفتاة من الوقوع في هذا الأمر مسبقاً؟

هذه الأعراض تنذر بالاكتئاب!!

يؤكد البروفيسور" كريستيان غاي": أن الإحباط النفسي غالباً ما يظهر كظاهرة مرضية في سن المراهقة، ويبدأ على شكل إحساس بالكآبة، يرافقه شعور بعدم الرضا النفسي، وإحساس واضح بالدونية، وقد تتفاقم حدة الإصابة بهذا المرض إذا لم يؤدِّ الوالدان دورهما بحرصٍ شديد، وبعدٍ عن القسوة، والتدليل الزائد.

أيضاً هناك أعراض لابد من الانتباه لها، إذا ظهرت على الفتاة، مثل: اللا مبالاة، شكاوى من الآلام، بما في ذلك الصداع، آلام المعدة، آلام الظهر، أو فقدان شهية الطعام، أو الإفراط في تناول الطعام القهري، الذي يؤدي إلى سرعة فقدان الوزن، أو زيادة الوزن، كذلك الأداء المدرسي الضعيف، عدم القدرة على التركيز، عدم الاكتراس بالنشاطات الاجتماعية العادية.

ومن الضروري الانتباه جيدًا إلى كثافة هذه العوارض، فإن دامت أكثر من أسبوعين أو ثلاثة: أصبحت مرضية ولابد من البدء بالعلاج.

هل الفتيات أكثر عرضة للاكتئاب في مرحلة المراهقة؟

أكدَّت نتائج دراسات سابقة: ارتفاع معاناة الإناث النفسية أكثر من الذكور، فالخوف - مثلاً- ينتشر بين الإناث بصورة أكبر من انتشاره بين الذكور، بل إن بعض الأمراض النفسية الشائعة، أصبحت حكراً على الإناث، ولاسيما الاكتئاب، ففي الوقت الذي تتساوى فيه معدلات الاكتئاب بين الجنسين في الطفولة المتأخرة: ترتفع معدلاته عند الإناث بعد البلوغ، وبصورة خاصة في السنتين الأوليين من البلوغ.

أبرز أسباب الكآبة النفسية لدى الفتاة:

-        عدم الرضا عن النفس بسبب تدني الثقة والتقدير للذات.

-        تراجع التحصيل الدراسي، وقد يكون سبباً أو عرضاً.

-        افتقاد التواصل الجيد مع أفراد الأسرة أو الأصدقاء، فكثير من الأسر تفتقر إلى وسائل التواصل الجيد بين الوالدين والأبناء.

-        افتقاد الاستقرار الأسري، لكثرة الخلافات بين الوالدين، أو انفصالهما مع استمرار المشكلات؛ مما يخلق مناخاً مساعداً على اكتئاب الأبناء.

من المعلوم أن هناك علاقة بين (البطالة والجريمة والفشل الأسري) وبعض الأمراض النفسية؛ لذلك كان من الضروري تجنيب الفتاة المسلمة الإصابة بالأمراض النفسية المزمنة، واتخاذ الوسائل الصحية لتحقيق ذلك، والمحافظة على طاقاتها النفسية من التبدد والانحراف، وحشدها للقيام بواجباتها الشرعية تجاه ربها، ثم تجاه خدمة أمتها، بتنشئة أجيالٍ صالحة ورعايتها، ولذلك علينا أن نأخذ بأهم أسباب العلاج والوقاية من الاكتئاب وما شابهه من الأمراض والمتاعب النفسية التي قد تتعرض لها بناتنا الحبيبات، مثل:

-التربية الإيمانية العميقة للفتاة:

إنّ تأسيس الصحة النفسية للمسلم يقوم على الإيمان بالله تعالى وعبادته، ودوام التقرب إليه، فهذا هو السبب الحقيقي للسعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (سورة النحل:79)، فقد خلق الله تعالى  كل إنسان مؤهل لنيل السعادة، والعيش الهنيء في الدنيا والآخرة، إذا عاش على منهج الله تعالى خالق العباد وبارئهم، وهاديهم إلى ما فيه سعادتهم. وكلما زادت درجة الإيمان عمقاً وثباتاً، كلما قلَّت الاضطرابات من قلق واكتئاب بدرجة كبيره عند الفتاة.

 

- تربية الفتاة على القوة النفسية وتحمل صعوبات الحياة الدنيا:

إنّ الإنسان خلق في هذه الحياة وسط تيار جارف، وجو عاصف، تنتابه الأحداث العظام، وتحل به الكوارث؛ فمن لم يعتقد في إله يتخذه ملجئاً له، وركناً يعتمد عليه، ومعزياً له في المصائب، ومساعداً له في المتاعب، ومأمناً له ضد الأخطار، ومواسياً له عند الحزن: كان كبناءٍ لا يستند إلى أساس، وبيت ليس له دعامة؛ قال تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت: 41)، أما المؤمن فإنه صلب لا ينكسر أمام المصائب وتقلبات الأيام، لأنه يثق في حكمة الله تعالى وعدله، ويعلم أن هذه الابتلاءات من ورائها خير كبير، عن صهيب بن سنان ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ : "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء: شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء: صبر فكان خيرا له"(رواه مسلم:109).     

 

-الارتباط بذكر الله تعالى مع التدبر في معانيه:

تعويد الفتاة منذ الصغر على ذكر الله تعالى، وذلك بالمحافظة على الأذكار الراتبة في أوقاتها المعلومة، والتدبر في معاني الأذكار، فإنها أكبر حصانة نفسية ضد الاكتئاب وسائر أشكال المتاعب النفسية، قال تعالى:"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد:28)، وتعليمها ما ورد من الذكر في أوقات الكرب والهم،

 

 

فعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ،  عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي. إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا». (رواه ابن حبّان 972 وغيره، وحسنه عدد من العلماء منهم الألباني).

 

-التعود على ملء الوقت بما هو مفيد ونافع:

أحيانا يكون الفراغ أحد أسباب الإكتئاب؛ إذ يعني للفتاة انعدام الهدف الذي تمضي وقتها سعياً لتحقيقه. وقد يكون من أهم أسباب الوقاية والعلاج لشعور الفتاة بالاحباط والكآبة: أن تشغل وقت فراغها بالعمل النافع، والبذل، والجود، والإحسان إلى نفسها بتطوير نفسها ومهاراتها، وإلى الآخرين من حولها، لا سيما في مجال العمل التطوعي الخدمي، الذي يقوم على تقديم المساعدة للفقراء والمساكين الأيتام.

 

- أهمية التنفيس عن المشاعر:

على الوالدين أن يوفرا للفتاة الجو الأسري الآمن الذي يسمح لها بإطلاق العنان؛ للتعبير عن مشاعرها وأحاسيسها بطريقة صحية، فقد يكون ذلك ضرورياً لمحاربة الاكتئاب، فمن خلال ذلك: يتمكن الوالدان من التعرف علي العديد من المشاعر السلبية التي تعاني منها ابنتهما، ومن ثم يقومان بتوجيهها إلى العديد من الأنشطة التي تعد تنفيسا أيضا عن تلك المشاعر، مثل: الرسم أو الكتابة، أو تطبيق أصناف من الحلوى والطبخ.

-الاهتمام بتنظيم النوم:

النوم عادة يلعب دورا هاما في التأثير علي ما يشعر به المراهق - المراهقة -  من الناحية البدنية والعاطفية، فيجب مراقبة عادات الفتاة في النوم وتعديلها، بحيث تحصل على عدد كافٍ من ساعات النوم المطلوبة (8 ساعات) كل ليلة، وتتجنب السهر لغير ضرورة.

-الاهتمام بتغذية الفتاة:

الطعام هو الذي يعطي الطاقة للجسم وللعقل أيضاً؛ فبعض أنواع الأطعمة، قد تؤثر بالسلب علي الاكتئاب، والبعض قد يؤثر بالإيجاب، فالفتاة التي تعشق الوجبات السريعة التي ليس لها أية قيمة غذائية، إذا بدأت في تناول بعض الأطعمة الصحية ذات القيمة الغذائية: قد يساعدها ذلك كثيراً في اعتدال مِزاجها واستقرارها النفسي.

 

وأخيراً:

إنّ الوصول بالفتاة إلى الاستقرار النفسي والسعادة، لا يتم إلا بمتابعة التربية الإيمانية لها، وأن تكون حياتها مؤسسة على صلتها بمولاها جلّ وعلا، وأن تكون صاحبة هدف ورسالة جادة في الحياة، قال تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {6/162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"الأنعام 163،162، وبذلك تدوم سعاتها ولا تكتئب الزهور أبداً.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- صناعة التميز: محمد سرار اليامي.

- دع الحزن وابدأ الحياة: عبد الله بن سعيد الزهراني.

- الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة: حنان عطية الطوري.

- محمد بن إبراهيم الحمد: أروع المقالات الأدبية في العصر الحديث.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...