تصحر الحياة الزوجية: الاغتراب الروحي داخل البيوت (2 ـ 2)

عالم الأسرة » هي وهو
22 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 10 - مارس - 2018


1

     طالما تحدثت وغيري عن المشكلات الاجتماعية والحياة الزوجية، وما اعتراها من أمراض ولم أكتف بالعرض وبيان الأسباب، بل ساهمت في تقديم العلاج؛ لعل الله تعالى أن ينفع بها؛ فالحديث في مثل هذه المسائل يهدف إلى بناء مجتمع نقي من الأمراض والعلل، فتعود نسائم الصحة تنعش أفراده، وبالتالي تعود إلى مجتمعاتنا الصحة الاجتماعية والنفسية والخلقية، والروابط التي كانت تشد أفراد الأسرة ـ وهي الخلية الأولى في المجتمع ـ فتجعلها أسرة متماسكة متحابة متعاونة، يألف بعضها بعضا، ويحنو بعضها على بعض؛ فيساعد القوي: الضعيف، والثري: الفقير، ويشعر كل فرد أن سعادته لا تتحقق إلى بوجود الآخر معه؛ فالجميع يلتف حول عمودي الأسرة: الأبوين، يحترم الصغير الكبير، ويرحم الكبير الصغير.

 

     التفكك الأسري: معناه انحلال الروابط بين أفراد الخلية، كلُّ يعيش على هواه! فلا يحس بأنه  مرتبط بغيره، فلا أحد يهتم بأحد، ولا يقدم المشورة والنصيحة لغيره، يلج ويخرج من البيت وكأنه ليس عضوا في هذا البيت، لا يشعر به أحد، وإذا سألت عنه، فلن تجد من يرشدك إلى أحواله؛ فهو حاضر غائب بل يركب أفراد المنزل رؤوسهم،  فلا يستمعون إلى من يرشدهم إلى ما فيه سعادتهم ومصلحتهم.

 

     وقديما لم تكن ظاهرة التفكك في أسرنا على الرغم من بساطة الحياة فيها، حيث قيادة الأبوين بارزة فيها، وليس فيها كل أمارات التفكك التي فشت في المجتمع، وأدت إلى هذا الخلل الاجتماعي الذي فتك بالأسرة، وتوسع حتى عمت مظاهره نواحي الحياة.

 

     لم تعد الأسرة تجتمع على مأدبة الطعام، ولا سهرة في ليلة جميلة، ولا ينصت الصغير إلى الكبير ويطلب منه النصح، ولم تعد تجد الأخ الكبير أو الأخت الكبيرة كأنهما أميران صالحان في البيت، وبقية أفراد الأسرة متنافسون في محبة بعضهم بعضا، يأنسون ببعضهم على عكس ما هم عليه الآن؛ فلا تكاد تشعر بالروابط الأخوية والأبوية، والبنوية، كما خفت رابطة الأمومة والأبوة، فالجميع كأنه سلطان نفسه فلا يهمه أمر غيره، وهذا لم يكن قائما من قبل.

 

     إن أهم سبب في هذا التفكك: يعود إلى ضعف الوازع الديني، وغياب شبه تام لسلطة الأبوين الرحيمة الحكيمة، ثم الطغيان المادي والتقني  الذي أصاب بعض المجتمعات؛ فغرقت في مستنقع الترف والبذخ، فحسبت أن سعادتها في هذا، ولكنه في حقيقته كان وقودا لهذه الأمراض.

 

     إن اعتماد بعض الأسر في تدبير شؤون البيت، وتربية الأبناء على العمالة المنزلية: ساهمت في زرع هذه الفجوة المخيفة بين أفراد الأسرة، فالأم وكلت الخادمة بالبيت، وانصرفت عن أبنائها، والأب ما بين سفر وعمل وانشغال دائم لا ينقطع، والأولاد ضائعون في هذا الجو يتنقلون بين أحضان الألعاب بمختلف أشكالها وربما أصدقاء السوء.

 

     هناك صور لأسر ما تزال تعيش ببهجة التضامن الأسري، وربما نطلب من الذين يعانون من التفكك الأسري أن ينظروا إليها متأملين، ليستفيدوا من حياتها، ويؤوبوا إلى رشدهم، فيحذون حذوهم وتعود إليهم سعادتهم، متمثلة في هذا الجو الحنون بين أفراد الأسرة.

     وقد قيل: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بمعنى: إن الحياة المادية البحتة التي قوامها يقوم على إحياء الجوانب المادية في حياة البيوت، نسي أفراد المجتمع أو تناسى أثر القيم والفضائل والأخلاق الحميدة في بناء المجتمع القوي المتماسك المتراحم، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان؛ بل لا بد من تقوية الجانب الروحي وإسناد القيادة له في إدارة شؤون المنزل دون أن يغفل هذا الجانب صنوه المادي. فتنسجم الحياة وتتوازن، وتستقيم على ما يرضي الله تعالى. وينقشع ظلام الاغتراب الروحي داخل البيوت.

 

     إن التفكك الأسري والاغتراب الروحي الذي يصنع الجفاء والجفاف في البيوت، إذا لم يتدارك أمره ويستأصل من أساسه، ويحل محله الوئام والوداد والتفاهم والانسجام الفكري والعقلي:  فسوف تعيش الكثير من الأسر مستقبل أيامها في مشكلة لا أقول: بيئية؛ وإنما اجتماعية لحياتنا، ينتج عنها التفكك وانفصام العرى، وانعزال كل فرد في البيت عن أخيه؛ فعلينا الإياب إلى ما يسعدنا، ويعيد البهجة إلى بيوتنا، والسعادة إلى قلوبنا ووجوهنا، من خلال الارتقاء الروحي، والدفء الأسري والتماسك.

وعلى الأبوين أن يعودا إلى البيت. وعلى الأولاد أن يستشعروا بأن سرورهم وسعادتهم يكمن في الفيء إلى بيوتهم، يلتمسون منها التوجيه الرشيد، والنصح الوفي، وحب اللقاء الأخوي والأبوي كما كانت الأسر فيما مضى، مع تجاوز الأخطاء التي كانت في المنازل سابقا، فاللهم نسألك حسن الختام. والإياب إلى رحاب الإسلام.

وإلى لقاء آخر، والحمد لله رب العالمين.  

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...