طارق في غير باب! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

طارق في غير باب!

أدب وفن » دوحة السرد
25 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 13 - مارس - 2018


1

 

- (أبا حارث: أبا حارث! يا أبا حارث!) أي هاتف هذا الذي يطن في أذني!؟ أو لست في خلاء بهيم!؟

 

- معذرة أبا حارث! أنا خالد، مررت مرارا قريبا من باب غرفتك، ومن طول ما الباب مفتوح، داخلني شك وحرص. ففي هذه المرة نظرت إلى الداخل، فإذا أنت! هل لي في يدِ عونٍ لك؟ التفتُ فإذا هو! والباب أيضا نسيته مفتوحا!

 

- أبو حارث: هنا قتيل!

-  خالد: قتيل!!!؟

- أبو حارث: نعم! إنه كتابي، أحدهم دخل غرفتي فمزقه!

- خالد: يا لهول ما كنت قد أخفتني!

- أبو حارث: هذا كتابٌ أنا ولدته، وعانيت في غزله، إنه وليدي! إنه قتيلي!

 

دخل خالد يتفحص متشككا، فإذا قدام أبي حارث أوراق مبعثرة، عليها آثار يد مزقت بعنف وقوة!

- خالد: الأمر غريب! لكن أليس أنت تركت باب الغرفة مفتوحا وخرجت؟

- أبو حارث: أذكر إدارتي المفتاح في قفل الباب في دخولي الأخير هذا، وإن كنت نسيته مفتوحا، فبعد وجودي بالداخل، لما هالني مما رأيت. وليس عادتي.

 

سادت فترة صمت مظلمة على المكان، حتى كأن الشمس غربت بعد أصيل تأملٍ صامتٍ، استمر الزمن صامتا. خطوات كالخائفة تجس الأرض، وأيد حانية تتفحص الأوراق، ولا شيء غير الصمت!

 

فكرا حتى توقف التفكير؛ كأنما فتحا بابا ودخلاه، فإذا به يختفي سرابا. ويجدان نفسيهما في حجرة مستديرة من صخر، ما لها كوة ولا باب!

 

أسدل على صمت اللسان: صمتُ الفِكَر، فأُغشيت سماءُ الغرفة مِزَقَ الأورق معلقة في جوها، من غير أيد تمسكها؛ تخشبت الأيدي فلم ترعَ لها الأعين موضعا من الصورة!

 

اختناق الأفكار ولّد لديهما إحساسا بأنهما على وشك الاختطاف.. داخل شبكة وساوس على وشك الانعقاد! فأحسا معًا برغبة في الخروج. وفي لحظة واحدة: انجرت أرجلهما إلى الباب!

 

خرجا تاركيه مفتوحا، فجعلا ينظران إلى حوالي الغرفة، ثم إلى داخلها، وكأن الخاطر يبحث عن الشيء الذي يمكن أن يتسرب إلى الداخل، ثم تكون شهوته في أن يمزق أوراقًا!

 

كأن نشوة النجاح في الإفلات من زوبعة خامرتهما قليلا، بعيد الخروج!! فرغب أبو حارث في معاودة الدخول، ثم البحث عن آثار دالة على شيء؛ شخصٍ، قصدٍ، أي كان...

 

كالذي يصارع رجلا فيصرعه هو، ثم ينفلت من تحته ويستوي، طالبا معاودة المصارعة، مؤملا أن له في الجولة الثانية نصرًا؛ هكذا خُيل لأبي حارث أنه انفلت من زوبعة قبيل اشتعالها في الغرفة، ثم احتدت رغبته بأن يعاود الانغماس في مجالها!

 

خطا أبو حارث نحو الغرفة كالواثق من إيجاد شيءٍ ما، وبقي خالد يلمحه والمكانَ حواليهما؛ عسى شيءٌ يكلمه بالتفسير!

 

لا شيء في الغرفة عليه آثار عبث أو تخريب، إلا الأوراق متناثرة على هيئةٍ مشعرة كما لو أنها غضبت على ما حولها، فانقضت كالنار تلتهمه! جال أبو حارث بخاطره ونظره في الصورة، محاولا تقمص نفسية الممزِق وقصده، ثم حركته:

 

- لكن لِمَ الأوراق بالذات دون كل أشياء الغرفة التي لم تمس!؟

 

أحس بكُلّاب عجزٍ يشده من قفاه ويجلسه على الأريكة:

 

- لا.. لن تستطيع، لن تفهمه!

 

استجمع قواه التخيلية وحاول التقمص: عليك أن تكون أعنف؛ أخذ أوراقا مما هو ملقى على الأرض، ثم عصرها؛ كل يد تعصر منفردة! فوقعت عيناه على يدي خالد تنحني بحنوٍ إلى الأرض، تجمع برفق وترتب، فأدرك أصابعَ أبي حارث رفقٌ بالأوراق المشدودة إليها! لانت أنامله بُعيد لحظة خاطفة. خُيِّلت إليه فيها نفسُه والممزِق شريكين في عقد غرائبي مكتوب بشِفرة خاصة!!!

 

- (سأمسك هذا الظل الهارب وأمسحه!).

 

تمتم بها أبو حارث، وهو يخرج إلى الممر الذي تصطف على جنباته غرف الجوار والأبعدين، مرّر في ذهنه وجوه ساكنيها الذين يعرفهم بأسمائهم، وأولئك الذين لا يعرف عنهم إلّا سحنات وجوههم؛ مَن مِن هؤلاء يمكن أن يفعلها؟

 

ترتبوا في ذهنه صورا مصفوفة على شكل دائرة تدور، كلما أوقف خاطره عند صورة، لا تلبث إلا مليا، حتى تنزاح عن ضوء التهمة، ويستمر صف الصور المستدير في حركته التلقائية!!!

 

مشى إلى الممرَ، فنزل الدرج، فجال في حديقة الحي الجامعي، ثم رجع منها إلى غرفته: كلما لقي شخصا نظر إلى عينيه يستقرئهما: هل تنمان عن الفعلة!؟

 

ويحك! ألأنك تمزق كتابك تخرج إلى الناس تلتهمهم، وتبطش بمن وقعت عليه عيناك!؟

 

ألا لا عليك من هذا الجاني أن خُيل إليك لحظة كظلك قريبا، ثم ذابت صورته في الزحام، فلئن انسلت زَلِقةً من يدك يدُه، تلك التي امتدت إلى كتابك، فعد إلى الكتاب ذاته، فإن فيه يدا بالإشارة إلى فكرة التمزيق التي حلقت مارة به، ثم انقضت عليه! فلا عجب أن يعرف المجني عليه الجاني، فيقنصه على بُعدٍ!

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...