ارسم شخصيتك بكلماتك! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

ارسم شخصيتك بكلماتك!

عالم الأسرة » همسات
01 - رمضان - 1439 هـ| 16 - مايو - 2018


1

تكلم حتى أراك: عبارة قالها الفيلسوف سقراط قبل مئات السنين؛ للإخبار عن حقيقة الشخص، وفهم جوانب من شخصيته من خلال كلماته، بغض النظر عن مظهره، الذي قد يشير لدلالات لا تتطابق بدقة مع الشخص نفسه. فقد تُشير المظاهر الخارجية والملابس المنمقة عن عنوان لشخصية يعتقد الرائي أن لها من الجانب الفكري والاجتماعي الشيء الكثير، بينما ينفي الواقع ذلك. والحقيقة أن الكلمات تُخفي في ثناياها الكثير من ملامح الشخصية. ولا نبالغ إن قلنا: إن الشخصية تختبئ خلف ستار الكلمات، فمتى ما انطلقت الكلمة: انكشف الستار عن مكنونات النفس وملامح الشخصية. فكل كلمة تجعل من قائلها قيد التصنيف على مستوى الفكر والعقل والعلم، ومستويات أخرى كلها تظهر بوضوح، خاصة كلما زادت الكلمات، وأصبح الحوار معه أمراً واقعاً.

لذا كان الاهتمام بوضع الكلمة موضعها المناسب، وفي وقتها المناسب أيضا من أدب الكلام؛ لأن الكلمات الموزونة تخبرنا عن شخصية أكثر اتزاناً، من الشخصيات المبعثرة التي تتطابق مع كلماتها. فاختيار العبارات، ومراعاة الأدب في الكلمات خاصة أثناء الحوار؛ ينبئ عن المدى الذي يحترم به الشخص نفسه، قبل أن يحترم غيره. ويبرز درجة أدبه في الحوار، خاصة إن ترك الجدال، وحرص على الاهتمام بإحقاق الحق لإثبات ما يقول. مع ضبط الانفعالات التي تظهر بشكل تلقائي في الأسلوب والكلمات. فكلها دلالات رمزية، تُظهر نوع البيئة الاجتماعية والأسرية التي تربى فيها. فقد لا نرى من نتحدث معه، لكن بالكلمات نستطيع أن نستشف ملامح شخصيته. فمواقع التواصل رغم انفتاحها، وإخفاء الكثير من مستخدميها لأمورهم الشخصية الحقيقية، واعتقادهم أن مشاركتهم لا تحدد هويتهم، لكن في الحقيقة هي تُظهر بوضوح ظل شخصياتهم الحقيقية وبيئة كل مستخدم، وكيف نشأ وما هو عليه الآن من معتقدات وأخلاق، وبعضاً من جوانب شخصيته من خلال مشاركاته، وما ينتقيه من كلمات يتواصل بها مع الآخرين.

فالتعرف على شخصية من نقابل، من خلال كلماته التي تعبر عن مكنوناته الداخلية، ومستوياته الخلقية والاجتماعية والعلمية والفكرية: هي أكثر دقة من تفحص ملامحه وهندامه؛ فهي تجعل من يستمع له: يرسم ملامح شخصيته، من خلال كلماته ووقفاته وصمته أيضاً، ليشكل أشبه ما يكونون بمجسم لشخصيته، ويزداد هذا المجسم وضوحاً بازدياد المواقف والكلمات، وردود الأفعال الصادرة عنه. لذا كان من المهم التخلي عن الكلمات البالية، أكثر من التخلص من الملابس القديمة. وكذلك الاهتمام بتجميل العبارات، وترتيب الكلمات أولى من الاهتمام بالهندام، وتناسق ألوانه.

وفي هذا السياق: كانت قصة المقولة السقراطية: (تكلم حتى أراك) والتي يُروى أنها انطلقت عندما سأل الطلاب جميعهم سقراط، إلا أحدهم لزم الصمت، فأراد أن يفهمه فقال له: تحدث حتى أراك. فمظهره لا يكفي للحكم عليه، بل كلماته هي الحكم.

وفي رواية أخرى: أن سبب مقولتها أنه وجد شخصا جميل الثياب، يتباهى بما يلبس، وكأنه يستثير إعجاب من حوله بحسن هندامه، وعندها قال له سقراط: تكلم حتى أراك. فرؤيا العين لا تغني، إنما رؤيا تطابق الكلمات وأسلوبها ونوعيتها: هي الرؤيا التي تبرز ملامح الجوهر لا المظهر. وأياً من الروايتين كانت قصة العبارة التي قالها الفيلسوف سقراط، فهي واقع نلمسه عياناً في حياتنا الواقعية. فضلاً على أنها تتطابق مع ما قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (الرجال صناديق مغلقة، مفاتيحها الكلام)، وفيها إشارة منه ـ رضي الله عنه ـ عن انغلاق المعرفة الداخلية علينا لمن حولنا، إلا عن طريق التحدث الذي يظهر بالكلمات والأسلوب. فهما أكثر دقة من فكرة عابرة، تكونت من خلال المشاهدة الخارجية لهم. فالصمت لغة يشترك فيها الكثير ممن يستخدمها. أما الكلمات فلغة تميز كل منطوق بعقله، وما تحويه نفسه، وجوهره.  فكل كلمة تقرب المستمع من رؤية مكنونات النفس بوضوح أكبر؛ لأنها نتاج للأفكار وخلاصة التجارب والمستوى العلمي والفكري والنضج الشخصي والاجتماعي للمتكلم.

     وهذا لا يعني أن نُغفل ما للمظهر من أثر، غير أنه لا يمكن الحكم المطلق على الشخصية من خلاله، فهو مجرد دلالات قد تعطينا إشارات على نفسية من يرتديه. فالمكتئب مثلاً كثيراً ما يهمل الاهتمام بنفسه، وكذلك من يعاني من بعض المشكلات النفسية الأخرى؛ مما يجعله أقل جاذبية وتناسق في مظهره. بالإضافة إلى الجانب النفسي، فإن في نوعية الملبس: إشارة إلى بعض الجوانب الاجتماعية والدينية، لكنها تبقى إشارات تحتاج للإثبات أو النفي، من خلال الكلمات المنطوقة. خاصةً مع الانفتاح الثقافي والمعرفي، فقد يتشابه الكثيرون في تنميق هندامهم، خاصة إن كان شغلهم الشاغل حب المظهر، وعندها لن تكون الفروقات واضحة؛ لتحديد الجوهر على أساس المظهر؛ لذا كان الأولى الاهتمام بتفحص الكلمات التي تصدر من داخل الشخص، وتكون مرآة صادقة لما تحويه بواطنه التي لا نراها.

وأيضاً إن كان لحسن المظهر في الثياب جانب من الأهمية، لكن دوره ثانوي في القبول أو الرفض، بمعنى إن كان للشخصية قبول: زادها قبولاً، وإن لم يكن له ذلك: زاده نفوراً. لكن لا يجذب المظهر فقط من لا قبول له عند أصحاب العلم والحكمة، والعكس أيضا صحيح،  خاصة بعد التحدث، فقد يظهر مدى إخفاق الفراسة في تحديد الهوية من خلال المظهر العام. فمما يُروى عن الإمام أبي حنيفة: أنه كان يجلس في المسجد بين تلامذته ماداً قدميه لاراحتهما، وفجأة دخل للمسجد رجل كبير ملتح، يبدو عليه علامات الوقار، فاستحى منه أبو حنيفة، وطوى قدميه احتراماً له ولقدره. فجلس الرجل بين طلاب أبي حنيفة يستمع لما يُلقيه عليهم. وفجأة استوقفه، وطلب منه أن يجيبه على سؤاله، فاستجاب له أبو حنيفة. فقال الرجل: متى يفطر الصائم؟ فأجابه بدهشة عند غروب الشمس. فقال الرجل: وإن لم تغرب الشمس فمتى يفطر؟ وعندها قال أبو حنيفة مقولته الشهيرة التي أصبحت مضرباً للمثل: (آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه).

فالكلمات المنطوقة وتعابير الجسم: هي أشبه ما تكون بريشة تنقش على لوحة بيضاء معالم الشخصية. وهذه المعالم قد تبدو واضحة وجميلة وملونة، وقد يظهر عليها آثار تلطخ الألوان وتداخلها بشكل يثير النفور. وذلك بحسب ما يصدر من عبارات، ودرجة تنمقها والأسلوب الذي صدرت به. وكلما كانت الكلمات قريبة من الذات الحقيقية: كلما كان المتلقي لها أقرب، فلا يُخفى التصنع والتقمص في الحديث: شخصية المتكلم.

فالكلمات رداؤنا، فلنسأل أنفسنا بأي رداء نريد أن نظهر، وكيف نُجمل رداؤنا بانتقاء الكلمات والحرص على معانيها ومواقعها. وصدق الفاروق ـ رضي الله عنه ـ حين قال: (أظل أهاب الرجل حتى يتكلم، فإن تكلم سقط من عيني، أو رفع نفسه عندي) وفي السياق نفسه قال: علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - (المرء مخبوء تحت لسانه)، فبالكلمات نرتفع أو نهوي في أعين الناس، وبها أيضا نرسم لأنفسنا مكانة تتناسب مع عباراتنا ومستوى تعبيرنا. ولو لم تكن الكلمات نتاجاً لما تحويه النفس، وتمثيلاً لهيكل ذواتنا، لما كان جزاء الكلمة ما قاله: الرسول - صلى الله عليه وسلم- عندما سأل معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ الرسول - صلى الله عليه وسلم-: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: "ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟)(رواه الترمذي، وغيره وصححه الألباني).

فالكلمات إفراز للعقل والفكر والمشاعر، فبها يُفصح المرء عن مشاعره وأحاسيسه، ويعبر عن أفكاره. وبها تطيب الجروح، أو تتسمم الأنفس والأفكار. فالكلمات لها روح لا يخفى على سامعها. أما المظهر الخارجي: فهو قالب يعطي انطباعاً ولا شك، لكن يبقى الانطباع قيد الاختبار حتى تخرج الكلمات، وترسم الشخصية بكافة معالمها، وتجسد ما بداخلها، وعندها لا يتغير المظهر الخارجي في عين الرائي فحسب، بل قد ينقلب على صاحبه ذلك الحسن، ليُقال جميل المظهر وقبيح المخبر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...