الموهبة والأدب لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الموهبة والأدب

أدب وفن » آراء وقراءات
27 - رمضان - 1439 هـ| 11 - يونيو - 2018


1

يمر الإنسان في حياته بأحوال مختلفة من القوة والضعف، الصحة والمرض، السراء والضراء، فمن نواميس الله سبحانه وتعالى في الحياة البشرية: أن تتعدد أحوالها، ولا تكون على وتيرة واحدة، وأن يكون الابتلاء فيها بالقلة والكثرة، والفرحة والحزن، والقلق والطمأنينة، وما تُدرَكُ النعماء أحياناً إلا بضدها، ولا يتذوق المرء لذة الحلاوة ويقدِّرها حق تقديرها، إلا إذا عرف شيئاً من المرارة ولذعتها.

 

والمرء مهما بلغت قدراته وإمكاناته: لا يعدو أن يكون عرضة لتلك المتضادات من الأحوال، ومهما بلغت قواه وجبروته فسيحس عندما يستشعر حالة من حالات الضعف البشري: أنه محدود ضعيف يحتاج إلى من يعينه، ويخلِّصه من حالة ضعفه طويلة كانت أو قصيرة.

 

فإن كان ذا سلطة وجاه: سخَّر ما أوتي منهما ليخرج من ضائقته. وإن كان ذا مال وعزوة: أنفق الكثير الكثير ليعود إلى ما كان عليه من طمأنينة واستمتاع. فإذا ما أحس أن ما استعان به لن يغني عنه شيئاً، ولن يجتاز به أزمته: ركبه الهم والحزن، وربما ذهب به في آفاق لا تدرك من الكآبة والمرارة والضياع. وكم سمعنا وقرأنا - وربما شهدنا - حالات انهيار ويأس قاتم، انتهت بصاحبها إلى أن يخرج من الحياة الدنيا بهمه وغمه، أو بجريمة قتل نفسه.

 

ولا شك أن من يبلغ به الأمر هذا المبلغ، فقَدْ فقَدَ كل وسائل العون، وفقدَ معه الأمل، ولا شك أنه قبل ذلك كله، كان فاقداً الإيمان واليقين، لا يعرف دروب الخلاص التي يفتحانها له، فتراه استعان بكل الوسائل، ووقف عند كل الأبواب غير باب واحد لم يوفق للوقوف عنده، ولا للولوج منه؛ لأنه باب مفتوح دائماً لا يغلق، باب الله الواسع، باب الله المعين المنقذ. ولو وفق إليه لما انهار، ولما تردى فيما تردى إليه من التهلكة.

 

وبالمقابل نجد الذين آتاهم الله وقدة الإيمان: يواجهون الابتلاء بالصبر، والشدة بالأمل، ويمضي بهم يقينهم إلى أبواب الله المشرعة، يقفون عندها وقفة محاسبة للنفس، ليتطهروا من أوزارهم، ويوسِعوا قلوبهم برحمة الله المأمولة، وفرجه المرتقب، وهم على ثقة بقدومه.

 

وعندما يكون هذا المبتلى ذا قريحة ثرة، ومَلَكةٍ بيانية مقتدرة؛ يظفرُ الأدب بعطاء متميز، قصيدة أو مقالة أو قصة أو مسرحية، عايش فيها أصدق المشاعر، وأبدع الصور، وعذب البيان.

 

وفي سجلات الأدب قديمه وحديثه نماذج رائعة من هذا العطاء، منها قصيدة للشاعر محمد سليمان أحمد، قالها بعد أن اجتمعت عليه محن كثيرة: أقلها الاغتراب القسري، وتنكر من كان يظهر الود له، وتقدم السن، وكان في قلبه يقين بأن بعد العسر يسراً، وأن الله سبحانه الذي قدر عليه هذا الابتلاء هو وحده الذي يكشفه، لذا لم يقصد من الأبواب إلا بابه، لم يشكِ إلا له، ولم يأمل الفرج إلا منه، يقول مبيناً أن كل أمل في غير باب الله سراب خادع:

 

أنــا كــالــمسافر لاح لــي أيك وأغــرمـتـني قـباب

وتفتحت حولي الرياض الخضر واصطفق العـباب

ووثــقــت أن الــنــهر مـلك يـدي فـفاجأني السراب

أنــا لا أرجــي غـيــر جــبــار الســمـاء ولا أهــاب

بـيـنـي وبـيــن الله مــن ثـقـتـي بـلـطف الله بــــاب

أبـــداً ألــوذ بــه وتـعـرفـنـي الأرائــك والــرحــاب

يــا رب بــابـــك لا يـــرد الـلائــذيـن بــه حــجـاب

مــفــتــاحــه بــيــدي يــقــيــن لا يــلــم به ارتياب

ومـحــبــةٌ لا تــكـــدر بـــالـــريـــاء ولا تــــشـــاب

وبموازاة هذا اليقين العالي، يقف الشاعر قبل أن يلج باب الله المشرع ليطهر نفسه، ليقر بذنوبها، وليمسح دموع الندم والتوبة فيغسل بها أدرانها. يقول مقراً بين يدي الله ومبتهلاً إليه:

وإذا سألت عن الذنوب فإن أدمعيَ الجوابُ

هي في يميني حين أبسطها لرحمتك الكتابُ

أنت المرجى فلا تناخ بغير ساحتك الركابُ

أنا من بحارك قطرة مما تحمَّله الربابُ

ألقى بها بعد السفار فضمها قفر يبابُ

لا أشتكي وبمهجتي ظُفْر يمزقها ونابُ

مسح الحياء على الدموع وغص بالشكوى اقتضابُ

تكفي ببابك وقفةٌ وأسىً تَجَمَّل واكتئابُ.

 

إزاء ذاك اليقين بالله، وهذه الوقفة للتطهر من الذنوب، يحث الشاعر نفسه على ولوج باب الله، والعبور منه إلى واسع الرحمة والعطاء، لينجلي العسر ويعم اليسر. يقول:

يا دمعة المزن اغتربت وشط أهلك والخبابُ

حــثــي خطاك فللفروع إلى أرومتها انجذابُ

حثي خـطـــاك فشاهق يُرقى وموحشةٌ تجابُ

فالعسر أيــام قــد اخــتصرت وآمـــال رحابُ

وغــداً لـــرحمته وما بعــدت يتم لي انسيابُ.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...