المرأة المسلمة وصدق الحديث لها أون لاين - موقع المرأة العربية

المرأة المسلمة وصدق الحديث

دعوة وتربية » سنن وفضائل
24 - شوال - 1439 هـ| 08 - يوليو - 2018


1

إن أحد الصفات اللازمة للمرأة المسلمة، لكي تنعم بالسعادة في الدنيا والآخرة هي: صفة الصدق، وقد أمرها ديننا الحنيف بالحرص على الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، والصدق زينة الحديث ورمز الاستقامة والصلاح، وسبب النجاح والنجاة لذلك أمرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم.

ففي صحيح الجامع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: "ذُو الْقَلْبِ الْمَخْمُومِ، وَاللِّسَانِ الصَّدُوقِ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَفْنَا اللِّسَانَ الصَّدُوقَ، فَمَا الْقَلْبُ الْمَخْمُومُ؟ قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لا إِثْمَ فِيهِ وَلا بَغْيَ وَلا حَسَدَ"والحديث رواه ابن ماجه وغيره.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه -  أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا».

الصدق من صفات النبي ـ صلى الله عليه وسلم-:

كان من صفات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصادق الأمين، وساعده ذلك في دعوته لما قام يدعو الكفار، كما جاء في صحيح البخاري، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" صَعِدَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا، لِيَنْظُرَ مَا هُوَ؟ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا" قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ".    

وكان من الأشياء التي استدلت بها خديجة على صدق النبي عليه الصلاة والسلام في بعثته، وأن الله لم يتخل عنه بعدما جاءه الملك في غار حراء، وقال له: اقرأ، فرجع خائفاً مضطرباً، فقالت له خديجة لما قال لها: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: "كَلَّا، أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ"متفق عليه.

والمرأة المسلمة صادقة في بيتها مع زوجها، وهي القدوة في الصدق لأبنائها:

الصدق مع الزوج:

إن المرأة المسلمة تدرك أن الصدق هو قوام الحياة الزوجية السليمة، وأنه لا غنى عنه بأي شكل من الأشكال، كما أنه ضروري لإيجاد التفاهم وحصول المودة.

 كما أن الكذب وعدم المصارحة من أهم أسباب ضعف الثقة، فالزوجة التي اعتادت الكذب، وعدم الاعتراف بالخطأ: تعطي لزوجها المبرر على ضعف ثقته بها وبتصرفاتها وعدم تصديقها، وإن كانت صادقة، والزوج الذي يكذب: يعطي الدليل لزوجته كذلك، ولو التزم الزوج وكذلك الزوجة: الصدق والمصارحة لخفت المشكلات بينهما. والثقة لا تعني الغفلة، ولكنها تعني الاطمئنان الواعي، وأساس ذلك الحب الصادق، والاحترام العميق. وبناء ذلك يقع على الطرفين، والمصارحة تدفع إلى مزيد من الثقة التي هي أغلى ما بين الزوجين.

الصدق هو أساس الحياة الزوجية وهو العمود الفقري في إقامة دعائم حياة أسرية سليمة خالية من الشكوك والأمراض، التي قد تهدد كيان الأسرة بالانهيار. وأنه إذا ارتكزت الحياة الزوجية عليه: كانت حياة هادئة هانئة. أما إذا أقيمت على عدم المصارحة: فإنها تكون حياة تعسة يفقد خلالها كلا الزوجين ثقته في الآخر، ويجب أن يبدأ الصدق في العلاقة من بداية العلاقة بينهما، أي من الخطوبة.

روي أن رجلا تزوج علي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد خضب شعره لما جاء خاطبا، فنصل خضابه بعد أن دخل بأيام، أي خرج وانفصل فأستعدي عليه أهل المرأة إلى عمر ـ والاستعداد طلب التقوية والنصرة ـ وقالوا: حسبناه شابا! أي فظهر خلافة. فكأنهم أدعوا أنه غرهم بخضاب الشعر، فأوجعه عمر ضربا لأجل التأديب، وقال: غررت القوم يخضابك وفرق بينهما.

وكان لسيدنا بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخ يريد الزواج من امرأة من قبيلة مخزوم، وهي قبيلة عريقة في حسبها ونسبها، ولم تكن ترضى بمثل بلال صهرًا لها، فلما أصر أخوه على أن يخطب هذه المرأة: رضخ بلال لقوله، وتوجه معه إلى أشراف مخزوم، وعرض عليهم رغبة أخيه في مصاهرتهم، وقال لهم: يا قوم، نحن من قد عرفتم، كنا عبيدًا فأعتقنا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وكنا فقراء فأغنانا الله، وإني أخطب منكم ابنتكم لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله، وإن تردونا عن قصدنا، فسوف يغنينا الله. فرحب به القوم، وأكرموا وفادته، وقبلوا شفاعته، وقالوا: مرحبا بمؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم زوجوه ابنتهم، فلما خرجا من عندهم أقبل عليه أخوه يلومه ويعنفه، ويقول: يا بلال، هلا ذكرت لهم مواقفنا في الإسلام، فقد أبلينا مع رسول الله بلاء حسنًا، فقال له بلال: اسكت يا هذا، فقد أنكحك الصدق. (موسوعة الأخلاق والصدق - الجزء الأول ص45).

الرخصة في كذب المرأة على زوجها:

وقد رخص الكذب على الزوج في بعض الحالات؛ لكي تستمر الحياة الزوجية.  والكذب الجائز يكون في تظاهر كل منهما للآخر بالحب في حال عدم ميل أحدهما للآخر؛ وذلك من أجل تسيير سفينة المنزل ولعل هذا الميل المتصنع ينقلب إلي حب حقيقي بعد ذلك، ولا يجوز الكذب في غير هذه الحال؛ لأن الله مطلع سبحانه وتعالي، وما عدا ذلك فينبغي أن يسود الصدق بينهما، وإلا زالت الثقة والتي يتعذر الحياة بدونها.

 

فعن أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ عُقْبَةَ بن أَبي مُعَيْطٍ -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْراً أَوْ يَقُولُ خَيْراً (متفق عليه)، زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم، "ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها".

الصدق مع الأبناء:

كما أن المرأة هي القدوة لأبنائها والنموذج الذي يقتدون به في سلوكهم وأفعالهم؛ لذلك فهي تحرص على أن تصدق فيما تخبرهم به، وتحثهم على الصدق.

إن من أعظم وسائل التربية: التربية بالقدوة الحسنة، وهي أن يرى الولد الخصال الحميدة التي نريد أن نربيه عليها في والديه ومن حوله، فإذا أردنا أن نربيه على الصدق: فلا نكذب عليه.

وقد حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التهاون في الكذب على الأبناء، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟» قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ»(رواه داود، وحسنه الألباني).

إن من الأمور المهمة في التربية: تربية الأولاد على الصدق، فالإسلام يوصي أن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال؛ حتى يشبوا عليها وقد ألفوها في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وتأمل في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه ـ : أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: "من قال لصبي: تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة" (صحيح الترغيب والترهيب).

فهذه الحركة التي تفعلها بعض الأمهات، فتقبض يدها وتقول للولد: تعال أعطيك، لو كانت يدها فارغة فهي كاذبة، وتكتب عليها كذبة، فانظري كيف يعلم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأمهات أن ينشئوا أولادهم نشأة يقدسون فيها الصدق، ويتنزهون عن الكذب، ولو تجاوزت الأمهات عن هذه الأمور وقالوا: هذه توافه وهينة؛ فإن الأطفال سيكبرون وهم يعتبرون الكذب هيناً، وهو عند الله عظيم.

فيجب على المرأة: أن تراعي الصدق مع أولادها، فلو طُرق الباب وفتح الولد الباب، فسأله الطارق عن أبيه: نعوده أن يقول الصدق.

ويحكي: أن أحد طلبة العلم، أراد أن يذهب إلي بغداد لطلب العلم، وكان صغيراً، فأعطته أمه أربعين ديناراً ميراثه من أبيه وقالت له: "ضع يدك في يدي وعاهدني علي التزام الصدق فلا تكذب أبداً" فعاهدها علي ذلك. وخرج مع قافلة يريد بغداد، وفي أثناء الطريق خرج اللصوص ونهبوا كل ما في القافلة. ورأوا هذا الصبي رث الثياب،، فقالوا له: هل معك شئ؟ فقال: معيَّ أربعون ديناراً، فسخروا منه وحسبوا أنه أبله، وتركوه ورجعوا إلى كهف كان به كبير اللصوص، ينتظر ما يأتون به، فلما رآهم قال: هل أخذتكم كل ما في القافلة؟ قالوا: نعم، إلا صبيا سألناه عما معه، فقال: معيَّ أربعون ديناراً، فتركناه احتقاراً لشأنه، نظن أن به خبلا في عقله، فقال: عليَّ به، فلما حضر بين يديه، قال: هل معك شئ؟ فقال: نعم، معيَّ أربعون ديناراً، قال: أين هي؟ فأخرجها وسلمها له، فقال كبير اللصوص: أمجنون أنت يا بني؟ كيف ترشد عن نقودك وتسلمها باختيارك؟ فقال له: لما أردت الخروج من بلدي، عاهدت أمي علي الصدق، فأنا لا أنقض عهد أمي، فقال كبير اللصوص: لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت تخاف أن تخون عهد أمك، ونحن لا نخاف أن نخون عهد الله؟ ثم أمر برد جميع ما أخذ من القافلة. وتاب على يديه، ومن معه جميعا.

 

إضاءة:

سئلت امرأة مؤمنة عن أدوات تجميلها فقالت: استخدم الصدق لشفتي، والقرآن لصوتي، والرحمة والشفقة لعيني، والإحسان ليدي، والاستقامة لقوامي، والإخلاص لله لقلبي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، الجزء السادس ص 329.

- الصراحة بين الأزواج عبد الله عبد الباري، دائرة معارف الأسرة المسلمة.

- صلاح البيوت، محمد على محمد إمام،  ص201، نسخة الكترونية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...