توبة أبي نواس والأدب لها أون لاين - موقع المرأة العربية

توبة أبي نواس والأدب

أدب وفن » آراء وقراءات
28 - ذو القعدة - 1439 هـ| 10 - أغسطس - 2018


1

دأب كثير من الباحثين في العلوم الإنسانية ـ خاصة الأدب ـ على الاستسلام لمقولات قررها باحثون سبقوهم زمناً وإنتاجاً وشهرة، حتى ليتخذون من تلك المقولات مسلماتٍ وأحكاماً قطعية لا تقبل النقاش، ومن ثم يخرجون بحوثاً مبنية عليها، وعندما يتلبس الخطأ شيئاً من مقولات المشهورين، ولا ينتبه إليه من يأخذ عنهم: يتسع الخرق في الدراسات والأحكام، وتزداد المسلمات الخاطئة حضوراً في تراثنا الأدبي، ومن ثم في ثقافتنا المعاصرة التي نبني قسماً منها على ذلك التراث.

 

ولعل أوضح شاهد على ذلك: ما أطلقه بعض الدارسين المشهورين في القرن الماضي من أحكام على صورة الحياة في القرن الهجري الثاني، وخاصة في الشطر العباسي الذي بدأ في العقد الثالث منه، فقد وصفوه بناء على قراءة في دواوين عدد من الشعراء بالانسلاخ عن القيم الاسلامية وبالمجون والتفلت! وربما سماه بعض المغرضين منهم بالتمرد أو التحرر، ويسوقون الشواهد المختارة من شعر شعراء المجون وأشهرهم عندهم الحسن بن هانئ، الملقب بأبي نواس، الذي أسرف في التغني بالخمرة في عدد من قصائده، وفي وصف القيان والمغنيات والتغزل بهن، ولا جدال أن ما ساقوه من قصائد وأبيات موجود في ديوان النواسي، وأنه شكل من أشكال المجون والعبث والتبذل، يعيدنا إلى صور الفخر بالخمرة، والتغزل بالقيان في شعر طرفة بن العبد الجاهلي ونظرائه.

 

 ولئن كان طرفة ونظرائه من الجاهلين يعبرون عن جاهلية كانت واقع العصر آنئذ، وعن قيم وفطرية متداخلة، لا تفرق بين الكرم والتبذير، وليس في قيمها وازع من شريعة منزلة، فإن الأمر في القرن الهجري الثاني مختلف كل الاختلاف فهو على مسافة قريبة من تنزل الشريعة الإسلامية السمحاء وانتشارها بين الأمم، بل مازالت امتدادات نشر الدين بين الشعوب البعيدة قائمة، وما زالت بعض كتائب الفتوحات تحمل راياتها في بعض أطراف الأرض، فضلاً عن المواجهات بين بقايا إمبراطورية الروم؛ فكيف انقلبت الحياة وفق ما صوره أولئك الباحثون في القرن الهجري الثاني بهذه الصورة!؟ وكيف حدث ذلك الانسلاخ من الشريعة!؟

 

إن صح أنه قد حدث، وهذا يظهر أثر الأخطاء في الاستقراء والاستنتاج، وفي صياغة الأحكام الظالمة، فالصورة القاتمة التي قررها أولئك الباحثون إنما استمدت من قصائد معدودة لشعراء معدودين، لا يعدون شيئاً إزاء الأعداد الكبيرة من الشعراء الآخرين الذين صوروا الحياة آنئذ بشكل مخالف تماماً، ولا تعد قصائد الماجنين كمّاً يُحسب حسابه إزاء القصائد التي تزخر بالقيم الإيمانية، وتعبر عن صورة نظيفة للحياة في عصرهم.. بل - وهذا الأعجب والأشد إثارة- إن الشعراء الذين اقتطفوا من دواوينهم صور المجون تتضمن قصائد أخرى مخالفة تماماً، تثبت بالحجة الدامغة أن المجون كان شذوذاً ونزوة سقطوا فيها حيناً من الزمن، وأبرز الأمثلة والنماذج شاعر المجون الأكبر في وصف أولئك الباحثين الحسن بن هانئ.

 

 فديوان هذا الشاعر يتضمن قصائد ومقطوعات تدل على أنه صحا من نزوته، وأحسَّ بأن ما تردى فيه من مرحلة شبابه كان إثماً يندم عليه، وأن تقدمه في العمر تجاوز به ماغشَّى بصيرته من لذائذ محرمة، وأنه لجأ إلى باب الله يعلن أسفه على ما فرط من عمره، يقولك:

ماحجتي فيما أتيت وما                        

قولي لربي بل وما عذري

أن لا أكون قصدت رشدي أو                  

أقبلت ما استدبرت من أمري

ياسوأتا مما اكتسبت ويا

أسفي على مافات من عمري

 

وتتوالى بعد ذلك مقطوعات يؤكد فيها توبته لله، ويستغفر مما كان منه، وينيب إليه ويستجير به من عقوبته، يقول:

أيا من ليس لي منه مجير                        

بعفوك من عذابك أستجير

أنا العبد المقرّ بكل ذنب                          

وأنت السيد المولى الغفور

فإن عذبتني فبسوء فعلي                         

وإن تغفر فأنت به جدير

أفر إليك منك وأين إلا                           

إليك يفر منك المستجير

 

واللافت للنظر في شعر الندم والتوبة عند النواسي: أنه لا يقتصر على تصوير حالته بهذا الأسلوب العذب، بل يتحول إلى ناصح للآخرين، الذين تغشى بصائرهم صغائرُ الدنيا، ولا يحسون بما أحس به من تفاهتها، ومن هول المصير لمن استغرق فيها، فقد أحس أن الحياة الدنيا قصيرة، وأن بوابة الموت مشرعة يسير الخلق إليها، ولن يتخلفوا عن عبورها، ولهم فيمن سبقهم إليها العبرة والعظة الكبيرة، فأي نقص في التبصر والاعتبار يجعلهم يغفلون عنها، لذلك يتجه إلى هؤلاء بصوت عال مؤنب يقول:

يا بني النقص والعبرة                          

وبني الضعف والخَوَر

وبني البعد في الطباع                         

مع القرب في الصدر

أين من كان قبلكم                              

من ذوي اليأس والخطر

سائلوا عنهم المدائن                           

واستحثوا الخبر

سبقونا إلى الرحيل                            

وإنّا على الأثر

من مضى عبرة لنا                           

وغداً نحن معتبر

 

ثم يواجه من يخاطبهم بصورة قوية ليهز نفوسهم الغافية، فيحدثهم عن الموت الذي سيحل بهم غير بعيد، حيث تنتهي كل لذائذهم القصيرة، وينتقلون إلى الحفر المظلمة يقول:

إن للموت أخذة                        

تسبق اللمح بالبصرْ

وكأني بكم غداً                         

في ثياب من المدرْ

قد نقلتم من القصور                   

إلى ظلمة الحفر

حيث لا تُضرب القباب                

عليكم ولا الحُجَرْ

حيث لا تظهرون فيها                  

للهوٍ ولا سمر

ويستثمر الشاعر هذه الهزة فيوجه مخاطبيه إلى ذكر الله واستغفاره، ويؤكد لهم أن الله يغفر لمن يستشعر مخافة الله، فيتوب من ذنوبه يقول:

رحم الله مسلماً                        

ذكر الله فازدجر

غفر الله ذنب من                     

خاف فاستشعر الحذر

وبعد: فلا شك أن هذا الشعر المليء بالمشاعر الإيمانية، جدير بأن يعدّل الصورة الوحيدة الجانب، والمظلمة الشائهة للحسن بن هانئ، ويؤكد أن الخمرة والمجون اللذين استغرق فيهما نزوة شباب، وأنه صحا منها، وأبدع شعراً يحمل من مشاعر الندم والتوبة والاستغفار ما يجعله لوناً من ألوان الأدب الإسلامي التراثي، وأن المجون والتفلت زاوية صغيرة معتمة من زوايا الحياة في القرن الهجري الثاني، وأن الساحات الفسيحة من الحياة آنئذ: كانت تتألق فيها القيم الاسلامية، ويتألق فيها العلماء والفقهاء والمحدثون والأدباء الذين يمتلئ شعرهم بتلك القيم.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...