هي الآن أقوى!

أدب وفن » دوحة السرد
11 - شوال - 1440 هـ| 15 - يونيو - 2019


1

ﻛﺎﻧَﺖ ﺗﻌﻴﺶُ ﻋﻠﻰ ﺑﻘﺎﻳﺎ ﻛﻠِﻤﺎﺗِﻪ ﺍﻷ‌ﺧﻴﺮﺓ، ﺗﺘﺬﻛَﺮﻫـﺎ ﺟﻴِﺪًﺍ، "ﺍﻧﺴﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻣﻀﻰ" ﻭﻛﻠَﻤﺎ ﺗﺄﻣﻠﺘﻬﺎ، انهمرت -رغمًا عنها- ﺩﻣﻮﻋُﻬﺎ، ودوى صوت ﻛﻞ ﺃﻟﻢٍ ﺧﺒﺄه جوفها..

ﻓﻲ ﺣﺎﻟﻚِ ظلمة خوفها، ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺰﻥ ﺍﻟﺬﻱ توارى في جنبات ﻓﺆﺍﺩﻫِﺎ، ﺣﺘﻰ ﻣﺰﻕَ ﺑﻘﺎﻳﺎ ﺫﻟِﻚ ﺍﻟﻘَﻠﺐ، ﺍﻵ‌ﻥَ ﻓﻘﻂ ﺃﺩﺭﻛَﺖ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻣﻀَﻰ ﺃﺑﺪًﺍ ﻟﻦ ﻳﻌﻮﺩ..

ﺻﻮﺕُ ﺃﻣِّﻬﺎ ﺃﻳﻘﻈﻬﺎ ﻣﻦ ﺷﺮﺩَﺓ ﺣﻠﻤِﻬﺎ، ﺑﻞ ﻛﺎﺑﻮﺳﻬﺎ..

ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣِﻨﻬﺎ ﺇﻻ‌ ﺃﻥ استسلمت طواعية ﻟﺬﻟِﻚ ﺍﻟﺤﻀﻦ، الذي طالما ﺃﺩﻓﺄﺗﻬﺎ ﺷﻈﺎﻳﺎ ﻋﻄﺎﺋِﻪ، وحنانه..

ﺑَﻜﺖ ﺑﺤﺮﻗَﺔ، ﻭﺷﻬِﻘَﺖْ ﺑﺸِﺪﺓ، محررةَ لغصة ﺍﺳﺘﻮﻃﻨﺖ ﺩﺍﺧِﻠَﻬﺎ، ﻭﺃﺑَﺖ ﺃﻥ ﺗُﻨﻔِﺲ ﻋﻨﻬﺎ ﺃﻭ ﺗﺮﺣﻤَﻬﺎ..

ﻫﺪﺃﺗﻬﺎ ﻭﺍﻟﺪَﺗﻬﺎ، ﺃﻭﻝ ﺑﺎﻷ‌ﺣﺮﻯ ﺣَﺎﻭَﻟﺖ.. ﻟﻜِﻦ ﻋﺒَﺜًﺎ..

ﺃﻣﻀَﺖ ساعات ﻓﻲ ﺍﻟﺒُﻜَﺎﺀ، وكانت في عدادها دهورًا ربما.. ﺩﺍﻓِﻨَﺔ ﺭﺃﺳﻬَﺎ ﻓﻲ ﺣﻨﺎﻥ ﺃﻣِّﻬﺎ ﻭﻋﻄﻔﻬﺎ.. ثم ﻫﺎ ﻫِﻲَ ﺃﺧﻴﺮًﺍ ﺗﺘﻠﻌﺜﻢُ ﺑﺒﻌﺾ ﺍﻟﻜﻠﻤَﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺎﻟﻜﺎﺩِ ﻳﻤﻜﻦ ﺳﻤﺎﻋﻬﺎ، ﻟﻜﻦ فؤاد أمها ﻳُﺪﺭﻙ ﺟﻴﺪًﺍ ﻣﺎ ﺗﻘﻮﻝ، ﻓﻬِﻲ ﻟﻴﺴﺖ المرة الأولى التي تتمتم فيها ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ.

ﻓﻤﻨﺬ ﻭﻓﺎﺓِ ﻭﺍﻟﺪِﻫﺎ، ﻭﻫﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﺗﻐﺮﻕُ ﻓﻲ دموعها.. ﺣﺘﻰ ﺳﺌﻤَﺖ ﻣﻨﻬﺎ ﺍﻟﺪﻣﻮﻉ.

ﺗﺬﻛَّﺮﺕ ﻛﻴﻒ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺒﻞ ﺭﺣﻴﻞ ﻭﺍﻟﺪِﻫﺎ، ﻭﺗﻌﺠَّﺒﺖ ﺑﺸﺪﺓ! ﻛﻴﻒَ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺄﻟﻢ ﺃﻭ ﺗﺤﺰﻥ ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻤﻠﻚ ﺭﺟﻠًﺎ ﺑﺎﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷ‌ﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ!

ﺷﻌَﺮﺕ ﺑﺴَﺬﺍﺟَﺘِﻬﺎ، ﺗﻤﻨَّﺖ ﺃﻥ ﺗﻌﻮﺩ ﻟﻠﻮﺭﺍﺀ ﺑﻀﻊ ﺃﺳﺎﺑﻴﻊ ﻓﻘﻂ، ﻟﺘﺼﻔﻊ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻭﺗُﻔﻬِﻤَﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻠﺤﺰﻥ ﻭﺍﻷ‌ﻟﻢ، ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﻴﺶ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ..

شرعت تلوم نفسها..

أن ﻛﻴﻒ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺄﻟﻢُ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﺩﻩ؟

ﻣﺎ ﻣﻀﻰ ﻛﺎﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﻋﺜﺮﺍﺕٍ ﺃﺻﺎﺑَﺘﻬﺎ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ضجرت ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺳﺨﻄﺖُ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭﻫﺎ..

ﻭﺍﻵ‌ﻥ ﺃﺩﺭﻛَﺖ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻠﻤﻌﺎﻧﺎﺓ، ﺑﻼ‌ ﺃﺏٍ ﻫﻲَ، ﻭﻟﻜِﻦ ﻟﻴﺴَﺖ ﺑِﻴﺘﻴﻤﺔ، ﻓﻬﻲ راشدةُ ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻔﻲ ﻟﺘُﺪﺭﻙُ ﻣﺎ ﺃﺻﺎﺑﻬﺎ ﺟﻴﺪًﺍ..

ﺳﻜَﻨَﺖْ ﻗﻠﻴﻠًﺎ، ﺣﻤﺪﺕ ﺭﺑَّﻬﺎ، ﻭﺳﺄﻟﺘﻪُ ﺃﻥ ﻳﻌﻮﺿﻬﺎ ﺧﻴﺮًﺍ..

ﻓَﺠﺄﺓ ﺗﺬﻛﺮﺕْ ﻭﺍﻟﺪﺗﻬﺎ، ﺍﻧﺘﻔﻀَﺖ ﻣﻦ ﺣﻀﻨﻬﺎ ﺧﺎﺋﻔَﺔً ﺃﻥ ﺗﻔﻘِﺪﻫﺎ، ﻭﻣﺎ ﻟﺒﺜﺖ ﺣﺘﻰ ﻋﺎﺩَﺕ ﻭﺗﺸﺒﺜﺖ ﺑﺄﺿﻠﻌﻬﺎ ﺑِﻘﻮﺓ، ﺧﻮﻓًﺎ ﻣِﻦ ﺃﻥ ﺗﺬﻭﻕَ ﻟﻮﻋﺔَ ﺍﻟﻔﻘﺪ ﻭﺍﻟﻔﺮﺍﻕِ ﻣﺠﺪًّﺩﺍ..

ﺃﻣﺴَﻜﺖ ﻳﺪ ﻭﺍﻟﺪﺗﻬﺎ ﻭﻧﻬﻀَﺖ، ﻗﺒَّﻠَﺖْ ﺟﺒﻴﻨﻬﺎ، ﻣُﺪﺭﻛﺔ ﺃﻥ ﻻ‌ ﺷﻲْﺀ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺪﻭﻡ ﺃﺑﺪًﺍ، ﻓﺎﻟﺒﻘَﺎﺀ ﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ.

ﻫﻜﺬَﺍ ﻛﺎﻧﺖ..

ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻳﻀﻴﻖُ ﺻﺪﺭُﻫﺎ ﻭﺗﺘﻀﺠﺮ ﻷ‌ﺗﻔﻪِ ﺍﻷ‌ﺳﺒﺎﺏ، ﺗﻈﻦُّ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗُﺆﺗﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓِ ﺣﻈًّﺎ..

ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻫﻲَ ﺗﺪﺭﻙُ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻠﺴَّﻌﺎﺩﺓ، ﻭﻟﻠﺤﺰﻥ، ﺗُﺪﺭﻙ ﺑﺄﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﺘﻌﺎﻳﺶَ ﻣﻊَ ﻭﺍﻗِﻌﻬﺎ برضًا أكبر.

وأنها وإن ﺳﺎﺀﺗﻬﺎ ﺍﻷ‌ﻗﺪﺍﺭ يومًا بما لا تهوى، ﻓﻬﻲَ لا تزال ﺗﻤﻠِﻚُ ﺷﻴﺌًﺎ ﺟﻤﻴﻠًﺎ، يستحق أن تحفظه بعناية وحبور..

ﻫﻲَ ﺍﻵ‌ﻥ ﺃﻗﻮﻯ ﺑﻜﺜﻴﺮ، ﺗﻌﻠَﻢُ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻦ ﺗﻌﻴﺶ ﺃﺑﺪًﺍ ﻋﻠﻰ ﻣﺂﺛﺮ ﻣﺎﺽٍ ﺍﻧﺘﻬﻰ..ﻫﻲَ ﺃﺧﻠﺼَﺖ ﺍﻟﻌﺰﺍﺀ ﻟﻤﺎ ﻣﻀَﻰ، ﻭﺍﻟﺒﺎﻗﻲ ﻻ‌ ﻃﺎﻗَﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﻪ، ﻓﻬﻮ ﻗﻀﺎﺀ ﻭﻗﺪَﺭ..ﺣﻘًّﺎ، ﻫﻲَ ﺍﻵ‌ﻥ ﺃﻗـﻮَﻯ ﺑِﻜﺜــﻴﺮ!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...