أحسن إلى ولدك.. قبل أنْ يولد!

دعوة وتربية » نوافذ
02 - ذو القعدة - 1440 هـ| 05 - يوليو - 2019


1

جرت عادة الناس عند بناء بيوتهم؛ باختيار الموقع المناسب والخامات الجيدة التي تكفل سلامة البناء وجودته،وتضمن بقاءه إلى حين.

وإذا كان هذا هو شأن الناس في إقامة الأبنية المكونة من الأحجار والطين، فإن بناء الأسر المكونة من الرجال والنساء والأطفال أولى بالدقة عند الاختيار، وأجدر بالتقصي والاستفسار؛ لأن بناء البيوت من الأحجار إصلاحٌ للمعاش، أما بناء الأسر التي ستحل بها وتسكنها فبَهِ –إن صلح-  سعادة الدنيا، ثم يمتد أثره السعيد إلى الآخرة.

إن أول الجهد المبذول في تأسيس الأسرة:

 ينبغي أن ينصرف للبحث أولاً عن الزوجة الصالحة، و إلا فسيظل البنيان متخاذلاً كثير الثغرات. (محمد إسماعيل المقدم:عودة الحجاب،ص:235)

تماماً كما حدث في بنيان هذا الرجل الذي جاء إلى الفاروق شاكياً عقوق ولده فاحتج الولد على أباه بأنه لم يحسن أساس البناء أولاً، فقد شكا أحد الآباء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  عقوق ابنه، فقال له عمر: ما حملك على عقوق أبيك؟ فقال الابن: يا أمير المؤمنين ما حق الولد على أبيه؟ قال:أن يحسن اسمه، و أن يحسن اختيار أمه، و أن يعلمه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، فالتفت عمر للأب وقال له: لقد عققت ولدك قبل أن يعقك!!

فأول إحسان الوالد إلى ولده:

 أن يختار له الأم الصالحة التي تربيه على الإيمان والتقوى، وتنشئه على مكارم الفضائل والأخلاق.(هداية الله احمد شاش:موسوعة التربية العملية للطفل،ص:92)

كما قال الشاعر:

فأول إحساني إليكم تخيري         لماجدة الأعراق بادِ عفافها

ولا عجب؛ فتأثير الأم على أبنائها لا يخفى، حتى قيل:"كادت المرأة أن تلد أخاها"، فما ظهر في الأبناء من خير أو شر؛ فلابد أنّ للأم نصيب كبير في توريثهم إياه، وباقية من جرّاء تربيتها لهم، وقيامها على أمرهم.

أما الوراثة؛ فقد أثبتت بعض الدراسات أنّ النباهة والامتياز تستند إلى خصائص وراثية"(عبد المنعم وحلمي المليجي:النمو النفسي: 106).

كما أنّ علماء "الجينات"يرون أنّ للوراثة قوة عجيبة تفرض نفسها على المولود، وهذا الاعتقاد ساق بعضهم إلى القول إنّ الحصول على أفراد ممتازين لا يعود إلى التعليم؛ بل يعود إلى العمل على تحسين النسل.(ألكسيس كاريل:الإنسان ذلك المجهول،ص:286).

ويكاد يجمع علماء الأخلاق على أن: الوراثة مع البيئة هما العاملان الأساسيان في تكوين الأخلاق.(محمد عبد السلام نصّار:الوراثة والبيئة وأثرهما في تكوين الخلق،مجلة التربية،عدد:19،ص:66)

وقد أكد العلماء: أن الأم هي المسؤول الأول عن ذكاء الطفل، فلبن الرضاعة الطبيعية يزيد أولاً من ذكائه، وقد ورد في حديث ولكنه ضعيف جدا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن رضاع الحمقاء.( راجع مجمع الزوائد للهيثمي 4/256، والسلسلة الصحيحة للألباني 5602.

 ثم بتدريب الأم لوليدها على مهارات الاعتماد على النفس والاستقلال،وتحديد مسؤولياته في حدود طاقاته النامية،وتشجيعه على التنافس والنشاط، وغير ذلك مما يزيد ذكائه وتطوره الانفعالي.

كما أن الأم المؤمنة –خاصةً- تغذي وليدها بالإيمان مع اللبن، وبالقيم والمبادئ مع الطعام، وتسمعهم من ذكر الله والصلاة والسلام على  نبيه ما يشربهم التقوى وحب الإسلام، والمرء يشيب على ما شبّ عليه، ولذلك فقد اهتم الإسلام بالوعاء الصالح الذي ينتج وينمي الولد ،فأمر النبي  صلى الله عليه وسلم  بتخير المرأة الصالحة ذات الدين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :" تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، الحديث متفق على صحته. وسيأتي تفصيل ذلك.

    وبين بعض العلماء قديما دور الوراثة قبل أن يعرفه علماء النفس والوراثة بقرون طويلة، فقد قال بعضهم"تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم"، وهذا كلام منقول عن بعض التابعين، ونسبه بعضهم خطأ للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم أيضاً:"اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة".

و في الوقت ذاته حذّر من التساهل في اختيار المرأة الصالحة، تامة الخصال الحميدة عند الزواج، قال الإمام علىّ رضي الله عنه :"إياكم وتزوّج الحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع"(هداية الله أحمد شاش:موسوعة التربية العملية للطفل:ص:92).

دور الأم في إعداد العظماء:

وباستقراء سيرة الكثير من العظماء: نجد أنهم كانوا نتاج أمهات كريمات، كان لهن السبق والفضل في إعداد أبطال الصحابة من أمثال:

- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة وأحفلها بعظيم الخلال، فكان مغداه على فاطمة بنت أسد، ومراحه على خديجة بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

- والزبير بن العوّام فارس رسول الله  وحوارييه،الذي كان الفاروق يعدله بألف رجل،هذا البطل العظيم إنما قامت بأمره أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم  وأخت حمزة أسد الله، فقد شبّ في كنفها،ونشأ على طبعها وتخلّق بسجاياها.

- والكَمَلَة العظماء:عبد الله والمنذر وعروة أبناء الزبير:كانوا ثمرات أمهم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه ،وما منهم إلا وله الأثر الخالد،والذكر الحسن.

دور الأم في بناء شخصية الابن:

و كذلك كان للأم المسلمة السبق في إعداد الطفل وبناء شخصيته علمياً، حتى وإن غاب أباه أو مات، مثل:

الإمام المحدث المشهور (سفيان بن سعيد الثوري) الذي قال عنه الإمام الأوزاعيّ: "لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان" كانت أمه هى التي وجهته لطلب العلم، وكفته مؤونة ذلك بعملها في الغزل، فقد روى عن الإمام أحمد أنه قال: "قالت أم سفيان لسفيان:"يا بني ! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي" ثم كانت-رحمها الله- تتعهده وتتابع مدى انتفاعه وتطبيقه لما يتعلمه وأثر ذلك على سلوكه، فكانت تقول:" يا بني إذا كتبت عشرة أحرف؛ فانظر:هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك؛ فاعلم أنها تضرك ،ولا تنفعك".

    فقد فطنت أمه إلى أن العلم ليس حشدا للمعلومات، بل هو تفاعل بين الإنسان والعقيدة والفكر يظهر أثره في السلوك.

فهؤلاء العظماء..من أيّ المعاهد خرجوا؟وفي أي المدارس خرجوا؟

إنها مدرسة الأم الصالحة المؤمنة، صاحبة الهدف الكبير الواضح تماماً لديها، في أن تقدم للأمة أبناءاً عظماء يكتبون بأمجادهم صفحات مضيئة في سجل التاريخ.

 

ولكن كيف يختار المسلم أماً صالحة لأبنائه؟

أولا: الدعاء:

الدعاء بالتوفيق  للارتباط بالزوجة الصالحة من أهم الأسباب الموصلة إلي تحقيق هذا الهدف، وقد حثنا القرآن الكريم على التوجه إلى الله تعالى في أمر صلاح الأزواج والذرية،قال تعالى:"والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريّاتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً"-الفرقان:  74-  .  قال الحافظ بن كثير فى تفسيرها:" يعنى الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له."

قال ابن عباس رضي الله عنه:" يعنون : من يعمل بطاعة الله فتقرّ به أعينهم فى الدنيا والآخرة."

قال عكرمة رحمه الله: " لم يريدوا صباحة ولا جمالاً ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين."

وقال ابن جرير رحمه الله:" يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرّون علينا الجرائر."

ولقد سئل الحسن البصرى رحمه الله تعالى عن هذه الآية فقال:" أن يُرٍى الله تعالى العبدَ المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، لا والله لا شىء أقرّ لعين المسلم من أن يرى ولداً أو ولد ولد (حفيد) أو أخاً أو حميماً مطيعاً لله عزّ وجل."

فنعمة الولد وقرة العين به لا تتم إلا إذا كان صالحاًَ،ولا يصلح الولد حتى يصلح المحضن الذي نشأ وترعرع بين جنباته.

ثانياً: اتباع ما أوصى به النبي  عند اختيار الزوجة:

لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم  الأسس التي يختار الناس زوجاتهم بُناء عليها "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها"  ثم اختار منها الدين فاصطفاه وقدّمه على غيره ليكون الأساس الأول الذي لا يصح أن يتنازل عنه المسلم عند اختيار الزوجة "فاظفر بذات الدين" وإلا فقد دعا عليه "تربت يداك" الحديث متفق على صحته.

فذات الدين والخلق الكريم أهلٌ لإنجاب أطفال مؤهلين للصعود في معارج الكمال.(محمد اسماعيل المقدم:عودة الحجاب،ص:239)

ثالثاً: حسن السؤال والتحري عن مؤهلات الأمومة الناجحة:

ويبين لنا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى كيفية السؤال والتحرّي، ويوضح بعض الجوانب الخلقية التي يراعي الرجل عند اختيار زوجته السؤال والتثبت من وجودها، مما يكون له الأثر المباشر على الزوج والأبناء فيما بعد،فيقول رحمه الله:

"ويسأل عن دينها ومواظبتها على صلاتها، ومراعاتها لصيامها، وعن حيائها ونظافتها، وحسن ألفاظها وقبحها، ولزومها قعر بيتها، وبرّها بوالديها...ويبحث عن خصال والدها ودينه، وحال والدتها ودينها وأعمالها"(الغزالي:الأدب في الدين،ص:49).

ويقول الإمام الماورديّ:"من أول حق الولد على أبيه:أن ينتقي أمه،ويتخير قبل الاستيلاد منهن الجميلة الشريفة الديّنة العفيفة، العاقلة لأمورها، المرضية في أخلاقها، المجرّبة بحسن العقل وكماله،المواتية لزوجها في أحوالها"(نصيحة الملوك:أبو الحسن الماوردي،ص:162).

فتذكر عزيزي القاريء والمربي..أنه ليس من سمات زمانٍ مضى صلاحُ أبنائه، ومن سمات زمان آخر –زماننا- فساد الأبناء،فهذه لغة العاجزين، الذين لم يأخذوا أنفسهم بوصية الدين، ولم يستقرؤوا تاريخ النابغين، ليعلموا أن مبدأ صلاح الأجيال ومنتهاه عند اختيار الأم الصالحة التي تودع في جنبات نفوسهم روح السموّ وأسرار الكمال .

وصدق القائل:

وأخلاق الوليد تقاس حُسنــــاً         بأخلاق النساء الوالدات

وليس ربيب عالية المزايـــــا         كمثل ربيب سافلة الصفات

وليس النبت ينبت في الجنان            كمثل النبت ينبت في الفلاةِ

وكيف يُظَنُّ بالأبناء خيـــــــراً        إذا نشأوا بحضن الجاهلات

وهل يُرجَى لأطفالٍ كمـــــــالٌ         إذا ارتضعوا ثُدَىّ الناقصات؟

المراجع:

الأدب في الدين: أبوحامد الغزالي

 نصيحة الملوك:أبو الحسن الماوردي

عودة الحجاب:د.محمد إسماعيل المقدم

موسوعة التربية العملية للطفل:هداية الله أحمد شاش.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...