دار المُقامة..

أدب وفن » بوح الوجدان
29 - ذو القعدة - 1440 هـ| 01 - أغسطس - 2019


1

طليعة يومٍ جديد ، برفقة والديه ، أهله وأحبابه.

اتكأ على أريكةٍ أدنى ما تكون إليه ، ذاكرته تعرض أمامه أيام عناءٍ آن لها أن تنقضي..ابتسمَ وهو ينفض غبار هذه الذكريات عن رأسه..ثمّ أتمّ قائلا : الحمد لله الذي أذهبَ عني الحَزن

والدتُه بجواره تشاركه ابتسامته، يُحدِّثها :

- أَتذكرين يوم شكوت لكِ ضعفي، شكوت لكِ نفاد صبري، وضائقة أمري، يوم بُحتُ لكِ بما أهمَّني؟!

تذكرين كيف حنَوتِ على قلبي بكلماتٍ، رغم بساطتها هدَتني إلى راحةٍ ما كان لعقلي أن يستوعب وجودها؟

بفضل بارئي وبغير حولٍ مني ولا قوة ما كنتُ لأكون هنا

أبديَّةُ النعيم من حوله تجبرهُ على المُتابعة..

ابتسامةٌ تعلو ثغر والدته وكأنها تقول لهُ:

- أردِف ، أنا أستمع.

يتابع بعفوية مطلقة:

- عاجزٌ أنا عن وصفِ ما أشعر به الآن

وجودي هنا ينسيني كل ما مررتُ به ، أو بالأحرى يُريني كم كانت دنيا تافهة، وأنا الذي أوليتُها من الاهتمام أكثر مما استحقت.

الأنهار تجري من تحته ، الثمار الدانية، ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه..

كلها هدايا من الله تُذيقه حلاوة صبره..

تدفعه لِأن يحمد ربه ألف مرة أن لم يكن جازعًا

وأن يحمده أن وُلد مُسلمًا موحدًا، وأن هداه إلى الصراط السَّوي المستقيم.

تتحدث والدته متممة لما كان يقول:

- هذا ما وعدنا الله ورسولُه.. أتذكر يوم قتل أخيك..

يُقاطعها مُصححًا:

- بل استشهاده!

تبتسمُ والدته مُردفة:

- يوم استشهاده.. ربط الله على قلبي، كنتُ أراك في شدة حزنك وكأنك فقدت دنيا كانت قد حُيزت لك يومًا!

غير أني كنت أبذل أقصى ما شاء لي الله لتهدئتك، رغم قلبي الذي تتقطع نياطه حزنًا على ولدي، كنت أخشى أن يؤلمه بكائي..

كنت أصبِّر نفسي بهذا اليوم، فأنا أثق بأن ابني في الجنة برحمةٍ ووعدٍ من ربي.

ثمّ توقفت عن الكلامِ لبرهة..

كان هو يستمع لها وهو في أوجِ سعادته لا يدري ما يقول!

فبالفعل كلما شكى لها كانت تصبره بأحلام لم يكن يفطن لها آنذاك..

لكنه أدرك أن بذرة الواقع حلم.. وأننا حين نسقي أحلامنا بالدعاء، تغدو جنةً ما كان لواقعنا أن يتخيلها.

في الجنة مالا عينٌ رأت ومالم تسمع به الآذان أو يخطر على القلوب.

الجنة نعيم أبديّ ، حياةٌ لا تفنى، الجنة تجمعك بالذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.

الجنة جمالٌ أجلّ من أن يوصف..

لا تحزن في طريقك لها، فحياتك ليست سوى رحلةٍ بسيطة، ليست سوى دار ابتلاء، لا سعادة تدومُ فيها ولا شقاء.

السعادة الحقيقية جنة..

تذكّرَ أخاه، لقد جمعهم الله به الآن، نسي كل آلامه وكل شقاء دنياه.. وهذا من فضل ربه أن وهبه الجنة

ابتسم ، وأتمّ:

- "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ"

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...