متلازمة ستوكهولم!

دعوة وتربية
04 - صفر - 1441 هـ| 04 - اكتوبر - 2019


1

 

تُنسب متلازمة ستوكهولم إلى العاصمة السويدية، التي اقتبست هذه المتلازمة منها اسمها نتيجة حادثة سرقة حدثت في المدينة نفسها منذ عشرات السنين، حيث تمت السرقة مع خطف من تواجدوا في نفس المكان لحين الانتهاء من التفاوض. لكن بعد بضعة أيام كان من المدهش أن أصبح المخطوفون يدافعون عن خاطفيهم، وكوّنوا معهم روابط عاطفية أدت للدفاع عنهم ورفض المساعدات المقدمة لهم لتحريرهم.

ورغم أن المقصود بمتلازمة ستوكهولم حصول التعاطف بين شخصين أحدهما يُلحق الضرر بالآخر ويؤذيه مع الدفاع الشديد عنه، ونشأت في الأصل على هذا المبدأ، غير أننا نعيشها اليوم في مواقف كثيرة من حياتنا لكن مع بعض الاختلاف. ففي الكثير من مظاهر حياتنا نتعاطف مع مواضيع مختلفة رغم أنها تؤذينا بشكل واضح ومباشر ونحن على علم بذلك لكننا مع ذلك ندافع عنها ونتمسك بها بل ونمتدحها ونبرر وجودها في حياتنا وكأنها تمنحنا الكثير من الإيجابيات ويظهر ذلك جلياً في مواقف كثيرة من أهمها:

  • منح أطفالنا أجهزة ذكية ونحن نعلم المخاطر الكبيرة التي قد تُصيبهم من الناحية الصحية وكذلك النفسية من جراء كثرة استخدامه، من نقص المهارات الاجتماعية والعزلة والأخطر من ذلك خطرها على النواحي الفكرية والأخلاقية، خاصة عندما تكون دون رقيب أو تقنين لما فيها من برامج تواصل ومواقع على اختلاف أنواعها. ومع ذلك ندافع بقوة حول امتلاكهم أجهزة ذكية وهم في أعمار صغيرة بحجة أنهم لابد أن يواكبوا عصرهم أو أنهم قد ارتفعت قدراتهم العقلية -على حسب اعتقاد البعض- حتى أصبح هذا الجيل على علم كامل باستخدام الجهاز حتى قبل أن يتعلم القيم الأخلاقية والاجتماعية من أسرته، وكذلك قبل أن يدرك مخاطره؛ فأصبحنا نشتري لكل طفل منا عدواً يرافقه.
  • تمسكنا ببعض العادات الشخصية أو الاجتماعية كالتدخين أو السهر مع الأصدقاء بشكل دائم مما يؤثر سلباً على حياتنا من مستويات متعددة أهمها المستوى الأسري والذي يظهر أثره بشكل واضح في تفكك الأسر وسلوكيات الأولاد غير الإيجابية التي تحتاج لتفرغ تربوي؛ لتقويمها فضلاً عن حاجتهم لقدوة إيجابية يقتدون بها سلوكياً. ومع ذلك نبرر لأنفسنا التمسك بالمتع الشخصية - إن اعتبرناها في الأصل متعاً- وننتقد تغير الجيل وصعوبة تربية هذا الجيل لسوء سلوكياته لا لإهمالنا لهم.
  • تقبل الانفتاح الإعلامي غير المقنن سواء المرئي أو على مواقع وبرامج التواصل مع إدراكنا أنه أحد أهم الأسباب الرئيسية في حدوث الطلاق العاطفي في البيوت على المستوى الزوجي. وكذلك من أهم العوامل لظهور سلوكيات سلبية على أبنائنا؛ لأنه يُقدم لهم ثقافات الشعوب فيتناولون من هذه الثقافات ما يلوث أخلاقهم وقيمهم مع الأسف، ويتجاهلون التقاط العلوم النافعة والثقافات ذات القيم الرفيعة.. ومع ذلك نقف متفرجين إن لم نكن مشجعين أحياناً لأبنائنا لاعتبار ذلك ضمن نطاق الحرية الشخصية، وأن الحرية مطلب أساسي لنمو شخصياتهم فتركناهم يقلدون ما يرون ويقتدون بمن يعجبون به أياً كان سلوكه.. ونشجعهم على ذلك بإهمالنا لشغل فراغهم فضلاً عن هشاشة القيم التي غرسناها فيهم أو لم نواصل تغذيتها فحلت محلها بدائل كثيرة من هنا وكناك.
  • الإدمان الإلكتروني من خلال إدماننا هواتفنا فأصبحنا نستيقظ على تنبيهه، وتقلص تواصلنا إلا من خلاله بل وكثيراً ما نضحك ونحزن بصحبته وحده. فهو رفيق وجباتنا ويلازمنا قُبيل نومنا وسمر ليالينا.. وليس ذلك وحسب بل أصبحنا نشاهد الكثير من السيارات في الشوارع تسير بشكل آلي لانشغال من يقودهم بهواتفهم...مع إدراكنا أن هذا الإدمان يؤذينا وقد يتسبب بالحوادث الخطرة -لا قدر الله- وكذلك بالتفكك الأسري فضلاً عن الأضرار الصحية الأخرى.. ومع ذلك نختلق الأعذار لاستخدامه؛ إما لزحمة الطرق أو لرغبتنا بمعرفة ما يدور حولنا. وندافع بشراسة عن أهميته في كل لحظة في حياتنا.
  • وهناك أمثلة كثيرة أخرى تصور ارتباطنا الشديد بما يؤذينا في مواقف حياتنا المختلفة.
  • لكننا من المهم أن نُدرك أن من أصعب أنواع متلازمة ستوكهولم أن تكون أنفسنا هي عدوتنا الرئيسة؛ لتُسيرنا وراء أهوائها ونحن ندرك تماماً مدى ضررها علينا.. لكننا ندافع عن هواها وكأنها حاجات ملحة من حوائجنا الشخصية والاجتماعية التي لا غنى لحياتنا عنها.. وحقيقة لو وقفنا لحظة تأمل في الكثير من مواقف حياتنا وسلوكياتنا؛ لتيقنا أننا نرتبط عاطفياً مع العادات والمواضيع التي تأسرنا وتخطفنا عن سير الحياة الطبيعية والإيجابية؛ لنكون أسارى لها ومدافعين عنها وفي ذلك تجسيد لستوكهولم أهواء ذواتنا!!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...