أنت أكبر مبرمج!

كتاب لها
29 - ربيع أول - 1441 هـ| 27 - نوفمبر - 2019


1

إن الإنسان كائن قابل للتربية، للتعلم، للبرمجة، للمرونة، ولديه سرعة استيعاب المتغيرات الهائلة التي تجتاح العالم، وهناك عدة عوامل لها تأثير كبير على هذا الإنسان منها: الأب، والأم، والأخ، والأخت والمدرسة، والبيئة والانتماءات والشخصية المؤثرة والعواطف الحادة.

وعندما ندعو الإنسان إلى برمجة حياته لا أقصد بمفهوم البرمجة أن نقولب الإنسان ضمن خط معين، وأطر معينة وكأننا نقوم بعملية تدجين، وإنما أقصدها مفهوما شاملا للإنسان ـ الثنائي الازدواجية ـ تكوينا وتربية وتعليما.. فالتربية برمجة، والتعليم برمجة.

إن فلسفة البرمجة في منظورنا ينبغي أن تكون جزءا من رؤيتنا العامة للكون والحياة والإنسان، والدنيا والآخرة ، كما ينبغي أن تكون في الوقت نفسه منفتحة على ما يتراكم من الخبرات في الوعي التربوي العالمي، مما يعد تعزيزا لرؤيتنا العامة أو تفريعا عليها.

فما أهمية البرمجة؟ وما أهمية أن يربي الإنسان ذاته؟ وهل يمكن إعادة برمجة حياتنا؟ وهل يمكن تشكيلها كيفما نريد؟ يحدونا الإيمان بالله وبالقدر خيره وشره؟ وهل يمكن أن نحول حياتنا السلبية .. المتشائمة .. الحزينة إلى حياة إيجابية.. متفائلة.. سعيدة مرحة؟ وكيف يبرمج الإنسان نفسه ليجد السعادة .. النجاح .. وما يتمنى؟ وهل يمكن أن نبعد النفس والأمة عن الانتظارية واللامبالاة اللتين ابتلينا بهما؟

 إن الإجابة على هذه التساؤلات تأخذ صفحات ومجلدات، ولذا ستكون الإجابة موجزة دون إخلال بعون الله.

وبالإمكان أن يعيد الإنسان برمجة نفسه وذاته، من خلال التعرف عليها أولا، وأن يعيش وفق هذا التعرف فهو يتكون من جسد وروح، أي من ثنائية لا تنفصل وعليه أن يراعي متطلبات كل منهما دون أن يطغى جانب على آخر.

فالإنسان ثنائي التكوين، نفخة من روح الله وقبضة من الطين .. روح وجسد .. وأقرب صورة للعلاقة بينهما هي السلم الخشبي ذو القائمتين تربط بينهما قوائم عرضية، وهذا السلم يرتكز على قائمتين شبه متوازيتين، تلتقيان – نظريا – لو مددنا كل قائمة إلى نهايتها، ولكنهما في وضعهما الموجود بالفعل تلتقيان عن طريق العوارض الصغيرة التي تربط  كلا منهما بالأخرى، والراكب على السلم يرتكز على كل من القائمتين في الوقت ذاته عن طريق هذه العوارض، وقد يكون ثقله أحيانا أقرب إلى هذه القائمة أو تلك، ولكنه في كل حالاته مرتكزا عليهما معا في ذات الوقت، ولا تمر عليه لحظة واحدة يكون مرتكزا فيها على إحدى القائمتين دون الأخرى.

فكل عمل يقوم به الإنسان يؤديه بنفسه وجسمه في آن واحد ومهما يكن من بروز أحدهما في لحظة من اللحظات، فالاتصال بينهما قائم في كل لحظة، والعمل يرتكز على كل منهما في الوقت ذاته.

قبضة من طين الأرض: تتمثل في حقيقة الجسد: عضلاته ووشائجه وأعضائه وأحشائه، وتتمثل كذلك في مطالب الجسد وألوان نشاطه، فالعلم يقول إن الجوع والعطش أمران يرجعان إلى التركيب البيولوجي للجسم، وكذلك النشاط الجنسي وأنواع النشاط الجسمي الأخرى التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان من حيث الدافع، وإن لم يتماثلا في الصورة التي يتخذها النشاط ولا الغاية التي يصل إليها.

والشهوات كلها أو الدوافع الفطرية أو القوة الحيوية للإنسان هي نشاط جثماني أو نشاط قائم على قاعدة جسمية، بحيث تتعطل أو تزول لو أزيل العضو الذي يقوم بها أو الغدة التي تبعث نشاطها.

ونفخة من روح الله: تتمثل في الجانب الروحي للإنسان، تتمثل في الوعي والإدراك والإرادة، تتمثل في كل القيم والمعنويات التي يمارسها الإنسان. فالخير والبر والتعاون والإخاء والمودة والحب والصدق والعدل والإيمان بالله والإيمان بالمثل العليا والعمل على تحقيقها في واقع الحياة... كل ذلك نشاط روحي أو نشاط قائم على قاعدة روحية.

وملاك الأمر في هذه الطبيعة المزدوجة هو التوازن.. فالتوازن سمة بارزة في هذا الكون، وفي الحياة، وفي الإنسان.

وبمعنى آخر يمكن أن يعرف الإنسان نفسه وذاته بالإجابة على أسئلة لا مفر منها:

من أنا؟ وأين أنا؟ وما هويتي وانتمائي؟ وهل الله راض عني فعلا؟ وما هي اهتماماتي في الحياة؟ وكيف أرفع مستوى إيماني؟ وكيف أغذي روحي فلا أجعلها خاوية؟ وكيف أنمي عقلي وجسدي؟ وكيف أحافظ على صحتي؟ وما الكتب التي أريد قراءتها ؟ وأين الخلل في شخصيتي؟ وأين مظاهر ضعفي؟ وما هي أهم المشاريع التي أنجزتها في حياتي؟ وما هي أهدافي؟ وكيف أنظم وقتي؟ وكيف أسيطر وأتحكم  بذاتي؟ وكيف أكتسب الثقة بنفسي؟ وكيف أتقن فن التركيز؟ وكيف أفكر بطريقة صحيحة؟ وكيف أتخذ قراري؟ وكيف أقوي ذاكرتي؟ وكيف أكسب الآخرين وأقيم معهم علاقات ناجحة؟ وكيف أدير عملي؟ واجتماعاتي؟ وأرفع إنتاجي؟ وكيف أتعامل مع المشكلات؟ وكيف أتقن فن التفاوض؟ وكيف أطور عملي وأضع له رؤية مستقبلية؟  وغيرها ...  

وثانيا: من خلال رصد السلوكيات التي يرغب بتجنبها أو اكتسابه عادات جديدة .. { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } سورة الرعد:11. وأن يعيد النفس إلى فطرتها ويزيح عنها ركام سنين من الصياغة السلبية التي تملأ طريقها نحو الإنجاز والفاعلية بالعوائق والعراقيل.

والله أعلى وأعلم وصلّ اللهم على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...