علاج الغضب بين الطب الحديث والسنة النبوية (1)..

كتاب لها
24 - ربيع الآخر - 1441 هـ| 22 - ديسمبر - 2019


1

عندما نذهب للأطباء ينصحوننا بالبعد عن الضغوط، والانفعالات، وخصوصا الغضب الذي يؤثر على الصحة، بل ويضر بالقلب لأنه يرفع الضغط، ويصيب الإنسان بالتوتر والانفعال، ويمكن أن يؤدى إلى الإضرار بشرايين القلب واحتمال الإصابة بأزمات قلبية ونتيجة لذلك يتجه كثير من الناس لتناول المهدئات.

تناول المهدئات:

وقد أكد الطب الحديث أن علاج الغضب لا يكون بتناول المهدئات؛ لأن تأثيرها يأتي بتكرار تناولها، وفي حال الإكثار منها لا يستطيع متعاطي المهدئات أن يتخلص منها بسهولة، ولأن الغضب يغير السلوك فإن العلاج يكون بتغيير سلوك الإنسان في مواجهة المشكلات اليومية فيتحول غضب الإنسان إلى هدوء واتزان.

علاج الأطباء للغضب:

 وقد اكتشف الأطباء علاجا للغضب يتلخص في الاسترخاء، والتدريب على كيفية الوصول إليه، ومن يتأمل طريقة الطب الحديث في التخلص من الغضب يجد أنها الطرق التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا ما ورد في بحث عن "الإعجاز العلمي في الإسلام والسنة النبوية" محمد كامل عبد الصمد الغضب وآثاره السلبية، يقول الدكتور أحمد شوقي إبراهيم ـ عضو الجمعية الطبية الملكية بلندن واستشاري الأمراض الباطنية والقلب ـ: إن الميول الإنسانية تنقسم إلى ثلاثة(أربعة) أقسام, ويختلف سلوك وتصرفات الأشخاص باختلاف هذه الميول ومدى السيطرة عليها: الميول الشهوانية، وتؤدي إلى الثورة والغضب، الميول التسلطية وتؤدي إلى الكبر والغطرسة وحب الرياسة، الميول الشيطانية وتسبب الكراهية والبغضاء للآخرين(1).  ومهما كانت ميول الإنسان فإنه يتعرض للغضب فيتحفز الجسم ويرتفع ضغط الدم فيصاب بالأمراض النفسية والبدنية مثل السكر والذبحة الصدرية.

 وقد أكدت الأبحاث العلمية أن الغضب وتكراره يقلل من عمر الإنسان. لهذا ينصح الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في حديثه للرجل الذي طلب منه الوصية فقال: "لا تغضب"رواه البخاري، وليس معنى هذا عدم الغضب تماما، بل عدم التمادي فيه وينبغي أن يغضب الإنسان إذا انتهكت حرمات الله كما في ورد في حديث رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما خُيِّر النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثمُ كان أبعدَهما منه، واللهِ ما انتقم لنفسه في شيءٍ يؤتى إليه قطُّ، حتى تُنتهك حرماتُ اللهِ، فينتقم لله". ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمن يغضب أن يسكت، كما في الحديث:"وإذا غضِب أحدُكم فلْيسكُتْ" رواه أحمد وصححه الشيخ شاكر، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة؛ لأن أي سلوك لهذا الغاضب لا يمكن أن يوافق عليه هو نفسه إذا ذهب عنه الغضب ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا يَقضِيَنَّ حَكَمٌ بينَ اثنينِ وهو غَضبانُ" رواه البخاري.

ويذكر الدكتور أحمد شوقي أن الطب النفسي توصل إلى طريقتين لعلاج المريض الغاضب:

الأولى: من خلال تقليل الحساسية الانفعالية، وذلك بتدريب المريض تحت إشراف طبيب على ممارسة الاسترخاء مع مواجهة نفس المواقف الصعبة، فيتدرب على مواجهتها بدون غضب أو انفعال.

الثانية: من خلال الاسترخاء النفسي والعضلي وذلك لأن يطلب الطبيب من المريض أن يتذكر المواقف الصعبة وإذا كان واقفا فليجلس أو يضطجع ليعطيه فرصة للتروي والهدوء.

هذا العلاج لم يتوصل إليه الطب إلا في السنوات القليلة الماضية بينما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أحاديثه: "إذا غضب أحدُكم وهو قائمٌ فلْيَجْلِسْ، فإن ذهب عنه الغضبُ وإلا فليضطجِعْ" رواه أبو داود وصححه العراقي في تخريج الإحياء، والسيوطي، والألباني في صحيح أبي داود.(2).

علاج الإسلام للغضب:

أما العلاج الذي ورد في الإسلام والذي سبق الوصفات الطبية، فهو ما ورد في عدة آيات تحث على الأخلاق الفاضلة، والدفع بالتي هي أحسن، والعفو والصفح والتسامح والمغفرة، قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) سورة الفرقان 63 ، ويقول الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [سورة فصلت 34 ]. ويقول تعالى (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) [ سورة الشورى 42].

ووردت آية كريمة في الحث على كظم الغيظ والنهي عن الغضب، في قول الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[سورة آل عمران:133، 134].

فكظم الغيظ دليل على قوة الإيمان والإرادة، والتحكم في النفس، و الصبر مع القدرة على العفو, وفيه عظم الثواب يوم العرض على رب الأرباب.

و عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ" رواه ابن ماجه في الزهد باب الحلم 4179، وصححه الألباني في صحيح الترغيب.

عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "َمَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

وقد كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لا يغضب أبداً لنفسه ولا لأمر من أمور الدنيا، إلا أن تُنتهك حرمة من حرمات الله تعالى، كما ورد في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : "واللهِ ما انتقم لنفسه في شيءٍ يؤتى إليه قطُّ، حتى تُنتهك حرماتُ اللهِ، فينتقم لله" رواه البخاري.

وأما عن كيفية كظم الغيظ، والبعد عن الغضب والتحكم في النفس، والوصول بها للأخلاق الفاضلة في هذه الأمور، فقد وردت النصوص الصحيحة في السنة النبوية بعدة وصفات لكيفية التخلص من الغضب، سنستعرضها في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى مع المقارنة بالوصفات الطبية.

الهوامش والاحالات

(1) في الأصل أربعة أقسام، ولم يذكر القسم الرابع، ولعل القسم الرابع هو: الميول الروحانية أو الإيمانية والأخلاقية والمضادة للميول الشيطانية أو التي تحاول التغلب على الميول الشهوانية والشيطانية، راجع سلسلة الإعجاز العلمي في الإسلام والسنة النبوية.

http://www.ebnmisr.com/forum/t24351.html

(2) راجع كلام د. شوقي في "مجلة الإصلاح العدد 296 سنة 1994" من ندوات جمعية الإعجاز العلمي للقرآن في القاهرة، وفي بعض مواقع النت ومنها الموقع السابق(1)، وموقع موسوعة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة.

http://www.qassimy.com/i3jaz/index.php?get=Anger

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

بكالوريوس أصول الدين قسم السنة وعلومها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1406=1986م بتفوق والحمد لله وكان ترتيبي الثاني.
حصلت على درجة التخصص (الماجستير) عام 1413هـ =1993م في كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها، تحقيق ودراسة مسند أبي داود الطيالسي.

قدمت ولله الحمد إنتاجا مقبولا، لكن لم يطبع منه إلا القليل.
1. فهارس كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض)، بالإشتراك مع جماعة التخريج بكلية أصول الدين تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
2. وبالطريقة نفسها شاركت في إعداد فهارس تارج جرجان للسهمي، (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض).
3. أعددت مجموعة من المؤلفات: أبحاث وكتب ومقالات نشر بعضها، ومن المواد الجاهزة للطباعة: الجزء المفقود من مسند أبي داود ( في مجلد واحد، جزء من رسالة الماجستير) .
4. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة للديانات والفرق والمذاهب والحركات المعاصرة:
الدعوة السلفية في الجزيرة العربية للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
5. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة: العمل الجماعي في الإسلام.
6. من الأبحاث التي قمت بتعديلها (وإضافة ما يقرب من النصف لبعضها ) وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الدعوات: الدعوة السلفية في مصر، الدعوة السلفية في الشام، جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان، جماعة التكفير و الهجرة بمصر والسودان، جماعة التوقف والتبين بمصر.
7. من الأبحاث التي قمت بتلخيصها وصياغتها من كتاب المؤلف الأصلي وبعض المراجع الأخرى، وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الجماعات: حزب التحرير، الاتحاد الإسلامي الكردستاني.من الفرق: الزيدية. من الطرق الصوفية : العزمية، الدسوقية، الرفاعية، التجانية، البوتشوسية. من الاتجاهات المعاصرة: العقلانية، العصرانية، القومية العربية.
8. من المقالات أو الموضوعات المنشورة: حسن الخلق والعمل الجماعي نشر في مجلة المستقبل(العدد144) التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض.
9. من المقالات المنشورة: الاعتداء على رجال الأمن: نشر بجريدة المدينة المنورة، ونشر في بعض المواقع والمنتديات.
10. من المقالات أو الموضوعات أو البحوث المنشورة في بعض المواقع بالشبكة مثل موقع الفقه الإسلامي وغيره:
*الضوابط المالية في الإسلام.
* اليقين بأن المستقبل لهذا الدين.
*حكم الاحتفال بشم النسيم وبيان تاريخه وأصله.
*حكم الاحتفال بعيد الأم.
*التوجيهات الفتية للسعادة الأبدية.
*التهيؤ لاستقبال رمضان.
*خطوات عملية لكيفية الاعتزاز باللغة العربية. *شؤم المعصية.
* يا إخواني لا نقبل في الشهيد غير التهاني(الشيخ أحمد ياسين).
*صفات عباد الرحمن.
* من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في شعبان.
*محاسبة النفس.
* نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين.
* الترغيب في قيام الليل.
* السياحة إلى أين، شجعوا السياحة في بلدانكم الإسلامية.
* من أجمل النساء.
* نفحات رحمات من الأيام المعلومات.
* مخيمنا غرق ونجونا والحمد لله.
11. كتاب تيسير فقه العبادات. (أسباب الاختلاف بين العلماء، الصلاة وبقية أركان الإسلام).
12. دروس ومحاضرات وبحوث، ومقالات، وخطب منوعة: الدعاء، شروطه، آدابه، أسباب عدم إجابة الدعاء، الإخلاص، الذكر، القناعة، الأخوة وحل مشكلاتها. الوفاء، دروس في السيرة النبوية، مجاهدة النفس وتزكيتها، صلاة الجماعة، والرد على ادعاء الحق الديني والتاريخي لليهود، دروس في مصطلح الحديث، الجدية، تغيير المنكر بالقوة، الربانية، الاستفادة بالوقت، الثبات في زمن التقلبات، السنن الإلهية في النصر والتغيير، الثقة.
13. تيسير فقه الحج وفقه العمرة ضمن ملف متكامل عن الحج (محاضرات: الأخوة، آفات اللسان، قصة البيت الحرام، نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين، مناسك الحج والعمرة، مجموعة أشرطة مختارة مرئية ومسموعة).
14. كتاب الوجيز في الديانات والفرق و المذاهب المعاصرة(اليهودية، النصرانية، البوذية، القاديانية، الصوفية، الشيعة، العلمانية، الرأسمالية، الوجودية).
15. الحديث المرسل: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: محمد الفهيد عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
16. ابن الأثير وكتابه جامع الأصول: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: أبو لبابة حسين عميد كلية الزيتونة بتونس.
17. الياقوت في القنوت: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: فالح الصغير عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
18. تحقيق وتخريج وتوثيق الجزء الثالث عشر من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين(الصلاة) ط.دار المؤيد والثريا بالرياض.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...