خطوات عملية لتربية طفل مهذب (1من 2 )..

دعوة وتربية » نوافذ
26 - جماد أول - 1441 هـ| 22 - يناير - 2020


1

يظل هم الوالدين الأكبر تربية الأولاد.. فهي المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقهما منذ خلق الله الخلق.. ويتوقف سلوك الأبناء على تربية الوالدين.. فصلاح المرء واستقامته رهن بأسلوب تربيته صغيراً، يقول صلى الله عليه وسلم:"ما من  مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه ..." ( رواه البخاري) .

وقد يتصور البعض أن مناط التربية العقاب، وأن الزجر الدائم ينشئ طفلاً مهذباً. والحقيقة  عكس ذلك فالسلوك الجيد والتصرف السليم من الطفل لا يجد له دافعاً إلا حنانا ًوعطفاً وإشعاراً بالرعاية من قبل الوالدين.  لذا لا نستغرب الأجر العظيم الملازم لمسحة على رأس اليتيم. كما يعتبر الحب المتدفق من الوالدين لأبنائهما (الخالي من الدلال) من أهم دوافع السلوك القويم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه".

في دراسة أجريت في ولاية هيوستن الأمريكية حول سبل إنشاء جيل مهذب جاء الحب في المرتبة الأولى، يليه ملازمة الأم للبيت، كما أعزت الدراسة سبب تدني مستوى الأخلاق والمهارة الاجتماعية عند الأطفال إلى انعزال الأسر بعضها عن بعض.

 وتؤكد الدكتورة وفاء طيبة استاذة علم نفس النمو بجامعة الملك سعود ، ما خرجت به الدراسة الأمريكية وتقـول: إن فعالية الأساليب التربوية التي اعتادتها مجتمعاتنا ترجع إلى أن الأسرة كانت تعيش في محيط أوسع يضم الجد والجدة وقد يتعدى لبعض الأقارب، لكن ذلك تغير إلى نقيضه ليس فقط بانعزال الأسر بعضها عن بعض بل بانعزال أفراد الأسرة الواحدة، بسبب اتساع البيوت والتزام كل بغرفته أو جناحه الخاص، وتعدد وسائل الإعلام وتنوع قنواتها التي جذبت الاهتمام وشغلت  الأذهان مما حدَّ من اختلاط الأسرة الواحدة وترابطها وتماسكها.

تقول إحدى الأمهات العاملات: الأوقات التي أقضيها مع أولادي محدودة جداً فلا أريد أن أعكر جوها بـ: افعل ولا تفعل وقل ولا تقل، أريد أن أعطيهم بعض ما فقدوه أثناء غيابي.

تقول أم أخرى: لا أجد وقتاً مناسباً للجلوس مع أولادي، أقدم من عملي لأجهز لهم الغذاء، ثم يدخل كل منهم لغرفته ليدرس بينما لا أجد طاقة للحديث معهم، ثم ألتفت إلى المنزل وتوفير باقي الاحتياجات، ثم أفاجأ أن وقت العشاء قد حل ليدخل كل إلى غرفته وهذه المرة للنوم. أنا متأكدة أن أولادي لن يحصلوا على قيمي ومبادئي وأهدافي في الحياة؛ لطريقة معيشتنا.

ولعل فصل الطفل عن المحيط العائلي الأوسع أفقده ممارسة ومشاهدة كثير من العادات الطيبة والمهارات الاجتماعية والأخلاق الحسنة. فالاتصال أصبح ضعيفاً بين أفراد الأسرة الواحدة. وحتى تتجاوز الأسر العاملة هذه المشكلة يجب أن يكون هناك اجتماع أسري يومي على الوجبة الرئيسية لا يتنازل ولا يتخلف عنها أحد الأفراد، واجتماع أسبوعي للحديث سوياً كمجموعة ، أو اجتماع لرحلة برية. كما يجب ألا نغفل أهمية الزيارات العائلية، مع تعميق أهمية تلك الزيارات لتظل سمة المجتمع المسلم الذي تبقى منه عرى القرابة والرحم قوية إلى أبعد الحدود – بل قرنت بالإيمان بالله واليوم الآخر، كما جاء في الحديث الشريف "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه".

حقيقة إن الطفل المهذب أصبح عملة نادرة يدركها الجميع، ولاسيما المدرسون في الفصول، حيث يقول أحدهم: في السنين العشرة الأخيرة بدأت ألمس تدني مستوى أخلاق التلاميذ، معظم الأولاد الذين تحت يدي لا يفرقون بين الصواب والخطأ.. والمعقول وغير المعقول. كل ما يشغلهم اللعب.. إنهم يعانون فراغاً عاطفياً.. لا أدري ما الحل..؟  كل الذي أعرفه أن تلامذتي يعانون يومياً ويحتاجون إلى مساعدة.

· حصاد تجربة

شخصياً خضت تجربة تهذيب طفلي ـ الذي عانيت معه كثيراً ـ وقد كان من أحرج المواقف وأصعب اللحظات بالنسبة لي زيارة جدتنا الأسبوعية، فمن قبل وصولنا إلى بيت الجدة أبدأ بإقناع ـ عبد الملك ـ ذي الثلاثة أعوام بالسلام على جدته، وهو يرفض ذلك تماماً، ولكم أن تتخيلوا حجم الإحراج الذي يسببه لي ذلك.  كانت جدته تكرر النداء عليه وهو غير مكترث، بل يعلنها صراحة: لا أريد  .

الإحراج الأسبوعي هذا دفعني بشدة للبحث والسؤال وقراءة ما قد يحل مشكلتي مع ولدي.  وبعد أن أمسكت طرف الخيط أدهشني الأسبوع الماضي حين أقبل على جدته مقبلاً اليد والرأس، منثنياً إلى جده موجهاً له ضمة قوية، وقفت فخورة به، مزهوة بالانتصار، ولم أتمالك نفسي إلا أن ضممته تلقائياً وهمست في أذنه: جدتك وجدك سعيدان؛ لأنك قبلتهما وأنا سعيدة جداً بتصرفك هذا. وما لبث أن قفز من بين يدي بابتسامته العريضة ليلحق بركب أولاد عمه الذين سبقوه إلى أحداث الشغب .

ما قرأته ومارسته خلال هذه التجربة فتح أمامي آفاقاً واسعة وقدم إلي نموذجاً لتهذيب الطفل أهديه إلى كل أم في الخطوات التالية :

*استغلال الدافع:

يحتاج الطفل لدافع حقيقي يدفعه ليكون مهذباً .. ولو استغل الوالدان دافع طلب القبول الذي يسعى الطفل إليه من بداياته الأولى لحققا نجاحاً في ذلك.  فالطفل يعمل جاهداً للفت الانتباه إذا ما شعر بتجاهل الأهل له..  فـ "الأنا" العليا عنده تدفعه أحياناً ليقوم بحركات بهلوانية أمام الآخرين، كأنه يقول:" أنا هنا"، ويجب استغلال هذا الدافع في غرس الخلق الحسن والتهذيب؛ لذا فحاولي إيصال رسالة: كن طيباً مع الناس ليسعد بك من حولك.. أو على الأقل حتى لا يتضايقوا من تصرفاتك الخاطئة.

ولم أجد في غرس الخلق الحسن مثل ربط الطفل بالله تعالى، فاغرسي فيه أن الله معنا، مطلع علينا  وأن لله ملائكة يكتبون ما نعمل فلا تفوت عليه صغيرة ولا كبيرة. وأنه تعالى يكافئنا على السلوك الطيب وعلى كل شيء بأضعاف ما نقدم. فتجسيد هذه المعاني للطفل يولد لديه ضبط ذاتي مستمر إلى ما شاء الله..

 ولأن الطفل يطلب القبول من الآخرين فاغرسي فيه معنى آخر: أن الله إذا أحب عبداً رزقه القبول فـي الأرض، فهذه الطريقة تخلصه من النفاق الاجتماعي فهو يقدم لله، وطلباً لرضا الله، وقد يكون هذا المفهوم صعباً على الصغار ما دون السنتين، لكنه يلمسه من أفعال الوالدين.

* توضيح النتائج المترتبة على السلوك:

تأتي في المرتبة الثانية كدافع لغرس السلوك الجيد.. وعلى سبيل المثال: عبدالملك ذو الثلاثة أعوام طفل حركي.. وإصاباته لا تعد ولا تحصى، حاولت مراراً ثنيه عن ذلك لكن دون جدوى وبعد سقطه أكلت جزءاً من ثناياه جلست معه جلسة حوار.. تحدثنا لعشر دقائق عن خطر القفز والاحتمالات الممكنة والنتائج المترتبة حتى أنه أقر بلسانه أنه قد يخرج منه دم كثير. وقد تكسر يده ويتألم كثيراً ولا يستطيع أن يلعب مع الأطفال مثل فلان .. بعد هذه الجلسة أبالغ إن قلت أنه انتهى عن المشاغبة.. لكنها تراجعت بنسبة 50% مما قلل عدد الإصابات وأطمح أن تنتهي هذه المشكلة لديه.

* إثارة مشاعره تجاه الآخرين:

 إن إقحام الطفل في الحديث عن المشاعر ينمي لديه العاطفة والإحساس بالآخرين، محمد مثلاً ـ لا يدع طفلاً إلا ويضربه ـ مما يسبب إحراجاً لوالديه، بل قد تؤدي إلى بعض المشاكل أحياناً، جربت والدته إثارة عواطفه ومشاعره تجاه الآخرين قائلة: محمد، هل رأيت منظر وائل وهو يبكي وهو حزين مسكين؟ وائل يحب أن يلعب معك، وجاء لأجلك، لو ضربك أحد ماذا ستفعل؟ أتوقع أنك ستحزن وتبكي..

هذا الحوار الطويل قد لا يجدي من مرة أو اثنين أو أكثر، لكنه بالتدريج يولد لدى الطفل إحساساً بمشاعر الآخرين وتقديراً واحتراماً لمشاعرهم. وتكون فعالة أكثر فيما لو بدأت في سن مبكرة. والطفل يعي ويدرك ويفهم وإن لم يتكلم، لكن المشكلة أننا نختصر هذا الحوار في علقة ساخنة تؤذي الطرف المضروب وتفتح جبهة جديدة دون حل جذري للمشكلة.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...